رام الله – نابلس – «القدس العربي»: يحتفي الناشط المجتمعي والحقوقي منذر عميرة بمشهد التضامن الأجنبي الذي شهدته الضفة الغربية خلال موسم زيتون 2025 الحالي، ويصف المشهد أنه “فلوتيلا الزيتون”.
و”فلوتيلا” كلمة تعني تشكيلًا من السفن الصغيرة، وهي مصطلح يشير إلى “أسطول الحرية”، وهو تحالف دولي من الحملات والمبادرات التي تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على غزة من خلال إرسال سفن تحمل مساعدات إنسانية وناشطين.
ويقول الناشط عميرة في حديث لـ”القدس العربي”: “لم ينجح أسطول الحرية في الوصول إلى قطاع غزة بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي وقمعه للنشطاء، لكن الصورة في الضفة الغربية كانت مختلفة، وهو ما يعدّه نجاحًا كبيرًا مقارنة مع أعوام سابقة”.
وخلال العامين الماضيين، يرصد المزارعون الفلسطينيون والنشطاء تزايدًا في حضور المتضامنين الدوليين في الضفة الغربية (سواء كانوا أجانب أو يهودًا إسرائيليين)، حيث يُلاحظ تنامي هذه الظاهرة التي كانت منتشرة في الضفة الغربية قبل أكثر من عشرة أعوام.
ومع انتهاء موسم الزيتون الذي جاء مليئًا بالتحديات والصعوبات، ولعل أبرزها هجمات المستوطنين وسياسات الجيش الإسرائيلي، تحدثت “القدس العربي” مع مجموعة من النشطاء الميدانيين الذين يعملون بشكل يومي مع متضامنين أجانب، وجميعهم أقرّوا بالتطور الحاصل على صعيد استقدام المتضامنين وبفعالية دورهم، وفي المقابل تنامي المخاطر على حياتهم في ظل تصاعد سياسات استهدافهم بطريقة باتت أكثر مما يتعرض له الفلسطينيون أنفسهم.
الناشط الميداني عبد الحكيم وادي، من بلدة صرة غرب مدينة نابلس، تعامل مع عشرات المتضامنين، ويوضح أن فترة جائحة كورونا شهدت تراجعًا كبيرًا في قدوم المتضامنين الأجانب إلى الضفة الغربية، لكن بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر عاد الزخم إلى التضامن الدولي من دول كثيرة مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
الاحتلال يستهدفهم
ويرفض وادي توصيف التعامل مع النشطاء على أنهم عمال، ويقول: “هؤلاء لم يُستقدَموا من أجل القيام بواجبات الفلاحة عن الفلسطينيين. جوهر دورهم هو أن يعيشوا التجربة أولًا، والتوثيق ونقل الصورة كما هي ثانيًا، ولذلك لاحظنا تزايد إجراءات الاحتلال التي تستهدفهم”.
وأضاف: “لا نريد السلاح هنا، بل نريد كاميراتهم وأقلامهم ونشرهم لما عاشوه معنا. الكاميرا تعادل الصاروخ بالنسبة للاحتلال، وهو يخافها كونها ناقلًا دقيقًا للحقيقة”.
ومن جانب آخر، يؤكد أن الدور الثاني المرتبط بالنشطاء هو عندما يعودون إلى دولهم: “كلنا على تواصل دائم مع الناشطين والمتضامنين الأجانب، وهو تواصل يعكس العلاقة والرغبة في تجديد القدوم وجلب أعضاء جدد. كما أنهم من ينظم ويتقدم ويقود المسيرات المؤيدة لنا في دول العالم. إنهم يرسلون روابط لأنشطتهم وفعالياتهم، وهذا مهم ومؤثر”.
وفي ظل ذلك، يطالب وادي بضرورة أن تكون المعاملة مع المتضامنين مميزة، بعيدًا عن التنافس الفلسطيني على استقطابهم.
ويقول: “هناك أكثر من أربع مؤسسات فلسطينية تعمل على استقطاب النشطاء، وغالبًا ما تكون بينها حالة من العداء أو عدم التعاون. كل طرف فلسطيني يجلب الأجانب بعيدًا عن التنسيق الداخلي. هناك مؤسسات قريبة من اليسار الفلسطيني ترفض غالبًا التعاون مع مؤسسات قريبة من حركة فتح أو المؤسسات الرسمية. الخلاف السياسي ينعكس على العلاقة بين الأجسام الفلسطينية، وهذا يجب تجاوزه فورًا”.
وحول فعالية النشطاء، قال إن التجربة خلال العام الحالي عكست تزايد تأثيرهم، ويدلل على ذلك عمليات استهداف الجيش والمستوطنين لهم: “كانوا يعلنون المنطقة التي يأتي إليها المتضامنون منطقة عسكرية مغلقة من أجل استهدافهم وتقليص دورهم”.
وأضاف: “بتنا نلاحظ أن الهجوم من الجيش والمستوطنين على المتضامنين أكثر من الفلسطينيين. والسبب واضح: إنهم لا يريدون لهذه الظاهرة أن تنمو وتتضاعف، ويكثفون استهدافها لأن المتضامن يمتلك قدرة أكبر على الفضح والتأثير. الجمهور الغربي يصدقهم أكثر مما يصدق الخطاب الذي يصدر عن فلسطينيين. غالبًا ما نُتهم كمجتمع فلسطيني أن مصداقيتنا قليلة، لكن الحال مع المتضامنين مختلف تمامًا، ولا علاقة له بالكذب أو بالدعاية السياسية”.
وتابع مؤكدًا: “نحتاج إلى مزيد من المتضامنين، لأن التصعيد في الضفة آت لا محالة، وهذا يتطلب تحضير أنفسنا بمزيد من النشطاء القادرين على التعامل معهم وتزويدهم بالمعلومات المهمة حول طبيعة الصراع”.
وحسب الناشط وادي، فإن التضامن يتجاوز الحضور الجسدي في أماكن الاشتباك اليومي فقط، حيث يتم العمل حاليًا على تطوير نمط من الأنشطة المخصصة لدعم الصمود، بحيث يقوم النشطاء الدوليون بدعم المزارعين وعائلات الأسرى والشهداء. والكثير من المتطوعين يأتون بخبرة جيدة في مجال الزراعة وتربية المواشي.
ويختم حديثه بالتشديد على صعوبات التعامل مع النشطاء الأجانب: “جانب منهم لا يفهم السياق، فيما يأتي بعضهم في قمة الحماس للدفاع عن الفلسطينيين دون أن يرافق ذلك وعي بنتائج أي سلوكيات أو ممارسات حماسية غير مخطط لها. الاحتلال يستغل الأخطاء أو بعض الممارسات لطرد المتضامنين، وهذا يشكل خسارة لنا، لأن أصحاب النفس الطويل يُدفعون نحو نتائج معاكسة”.
120 متضامنا في نابلس
يتحدث الناشط الميداني غسان النجار، من بورين جنوب مدينة نابلس، عن وصول نحو 120 متضامنا أجنبيا إلى منطقة نابلس هذا العام، ويرى أن الرقم “يسجل لأول مرة منذ فترة زمنية طويلة، وقد وزعوا على مناطق متفرقة في نابلس، وذلك بمعدل خمسة مع كل مزارع فلسطيني”.
ويفسر أسباب تنامي الظاهرة أنها ترتبط بحالة الوعي الأوروبي بالقضية الفلسطينية بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، والسبب الثاني مرتبط بتزايد عنف المستوطنين في الضفة.
وحول الخطأ الذي وقع فيه النشطاء وترتب عليه ترحيل نحو 32 ناشطًا، يقول: “لقد ذهبوا إلى منطقة زراعية واحدة، وهو ما جعل الاحتلال يعتقلهم جميعًا ويقوم بترحيلهم”.
وتابع حديثه مع “القدس العربي”: “لقد وزعنا النشطاء بمعدل كل خمسة مع مزارع، لكن بسبب إجراءات الاحتلال لم يتمكن المزارعون من الوصول إلى حقولهم، وهو ما جعلهم يتجمعون مع بعضهم البعض. لقد ذهبوا معًا إلى مزارع واحد، وكانت أمام الاحتلال فرصة لاعتقالهم”.
تحريض المستوطنين
ويرى أن السبب في ترحيلهم يعود إلى تحريض مستوطني مستوطنة “يتسهار” عليهم، وتحديدًا رئيس مجلس المستوطنات يوسي داغان، حيث حدث ترحيلهم بطلب مباشر من وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
وحسب بيان صادر عن اللجنة الوطنية العليا لحملة زيتون 2025، فإن المتطوعين الذين شاركوا في نشاطات سلمية بطلب من المجتمعات المحلية كانوا من المملكة المتحدة، وفرنسا، واليونان، وإيرلندا، وإيطاليا، وإسبانيا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية.
وحسب اللجنة، فإن ممارسة القمع جاءت ضمن نمط أوسع تعمل فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون بالتوازي لاستهداف المجتمعات الفلسطينية الريفية، ومنع وصول المزارعين إلى أراضيهم خلال موسم قطف الزيتون، وقمع الشهود الدوليين، لا سيما في المنطقة المسماة (ج)، حيث يشتد خطر الاستيلاء على الأراضي والتهجير القسري. وقد أفاد المحتجزون بأنهم استُهدفوا تحديدًا بسبب دورهم في توثيق ومنع الاعتداءات.
وكان نائب رئيس حكومة الاحتلال ياريف ليفين قد أعلن أنه أصدر مع “وزير الأمن القومي” إيتمار بن غفير تعليماتهما بترحيل 32 ناشطًا أجنبيًا بدعوى أنهم خالفوا “أمرًا عسكريًا”، إلى جانب ارتباطهم بـ”اتحاد لجان العمل الزراعي” الذي تصفه إسرائيل أنه “منظمة إرهابية”.
ويكمل الناشط النجار حديثه بالقول: “خلال الحملة الأخيرة الخاصة بالزيتون كان الجيش يقوم بتهديد المزارعين في حال استقبلوا المتضامنين. كان التهديد يتضمن الإشارة إلى أن وجودهم سيجعلهم في محل مساءلة وأنهم لن يتمكنوا من الوصول إلى أراضيهم”.
ويرى النجار أن فعالية وجود المتضامنين هذا العام تجاوزت 90%، والسبب يعود إلى بعض الأخطاء التي كان يمكن تجنبها، وهو ما يُرجى أن يتحقق العام المقبل.
وأمام سياسة استهدافهم المباشرة، يرى الناشط النجار أنه لا يمكن وصف المتضامنين الأجانب بالخوف، بل يُنظر إليهم على أنهم حريصون على سلامتهم وبقائهم. أغلبهم يأتي في فترة إجازاته السنوية ما بين أسبوعين إلى شهرين أو ثلاثة شهور، وذلك على حسابهم الخاص. وبالتالي يكونون أشد حرصًا على ألا يتم اعتقالهم، حيث يترتب على ذلك إبعادهم الفوري، إلى جانب أبعاد قانونية تمنعهم من العودة مرة ثانية إلا بعد نحو عشرة أعوام، وهذه عقوبة قاسية.
ويختم: “إنهم منتمون للقضية الفلسطينية، يدركون أهميتها ويدافعون عنها، وهم مؤمنون بالحرية والقضية الإنسانية، وهؤلاء ذوو قيمة عالية”.
قمع ضد اليهود المتضامنين
وبالعودة إلى الناشط منذر عميرة، يبدو الحديث معه مليئًا بالتفاؤل، حيث يقول: “النجاح الكبير هذا العام هو نتيجة جهد كبير بُذل من مختلف المؤسسات من دون أن يعكس نجاحًا لمؤسسة واحدة. لقد جرى توحيد الجهود ضمن حملة زيتون 2025، وتمكنا من الوصول إلى أماكن لم نتمكن سابقًا من الوصول إليها”.
وأضاف: “كان التصور السابق يقول إن وجودهم يمنح حماية لهم ولنا، لكن هذا لم يحدث هذه المرة، حيث أصبح التركيز على استهدافهم أكثر مما كنا نتخيل”.
ويشدد على أن الاستهداف لا يتوقف على الأجانب لوحدهم، بل يشتد أيضًا على المتضامنين اليهود الإسرائيليين الذين يتم وصمهم بـ”الخونة”.
ويرى عميرة أن سلوك الجيش نحوهم وكذلك سلوك المستوطنين يهدف إلى تخويفهم وكسر فكرة الحصانة: “لقد أصيبوا إصابات بليغة خلال هذا الموسم”.
ويعلق على ترحيل 32 متضامنا بأنه الحدث الأكثر قسوة: “لقد سبب لنا إرباكًا كبيرًا، كانت ضربة كبيرة لنا. ترتب على ذلك تهدئة الممارسات الاحتجاجية. لقد هدأت حدة الاشتباكات مع الجيش بسبب الخوف من الإبعاد، فهم يأتون للبقاء هنا وليس للترحيل”.
وحول الأعداد التي وصلت قال: “لقد تمكنت الحملة من استقدام نحو 300 متضامن، جزء منهم عمل في مجال قطف الزيتون، وجزء عمل في مجال التوثيق والمراقبة في بيت لحم ومسافر يطا، وهذا أمر مبشر للغاية”.