بيروت- “القدس العربي”: نجحت الحملة الدبلوماسية التي قادها لبنان من خلال رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي في عدم توسع الاعتداءات الاسرائيلية بعد إطلاق صواريخ من شمال الليطاني في اتجاه المطلة في الجليل ولجوء إسرائيل إلى التهويل بمعادلة “بيروت مقابل المطلة”.
وفي ظل هذه التطورات يُنتظر أن تعود الموفدة الأمريكية مورغان أورتاغوس مجدداً إلى بيروت في زيارة هي الثانية بعدما أثارت الجدل في زيارتها الأولى إثر قولها “إسرائيل هزمت حزب الله ونحن ممتنون لها”. وقد لا تكون زيارة أورتاغوس الثانية أقل جدلاً من الأولى، ولاسيما أنها قد تطرح خلالها تشكيل لجان لإجراء مفاوضات بين لبنان وإسرائيل، أو تطالب بوضع جدول زمني لنزع سلاح “حزب الله”، على اعتبار أن هذا الأمر هو الناظم الأساسي لاتفاق وقف إطلاق النار.
وكان الرئيس عون تواصل مع الإدارة الأمريكية وقصر الاليزيه، طالباً التدخل لمنع انزلاق الوضع، فيما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري أي استدراج للبنان للدخول في مفاوضات سياسية وصولا إلى تطبيع العلاقة بين لبنان واسرائيل.
عون: لنكن موحدين
وأكد رئيس الجمهورية “أهمية أن نكون موحدين ومتحدين إزاء المصلحة العامة والقضايا الداخلية والمصيرية لمواجهة التحديات لا سيما في ضوء الأحداث التي تشهدها المنطقة”، مشدداً “على المسؤولية المشتركة في إعادة لبنان إلى السكة الصحيحة”، داعياً خلال استقباله وفد حزب الرامغافار برئاسة اواديس داكسيان “إلى ضرورة أن يبقى أي اختلاف تحت سقف مصلحة الدولة والبلد”.
جاء تصريح الرئيس عون، عقب لقائه في بعبدا بالرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ونجله النائب تيمور جنبلاط، وذلك في سياق الردود على الموقف الحاد الذي أعلنه رئيس الحكومة نواف سلام، حيث نسف ثلاثية “جيش وشعب ومقاومة”. وقد أثار هذا التصريح ردود فعل واسعة، كان أبرزها من “حزب الله” والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، الذي أكد قائلاً: “أنت رئيس حكومة بلد حررته المقاومة، واحتكار السلاح يتطلب قوة وطنية قادرة على ردع إسرائيل وكسر هيمنتها، وليس الاكتفاء بالمشاهدة”.
في المقابل، جاء رد مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان داعماً لرئيس الحكومة، حيث قال: “دولة الرئيس القاضي الدكتور نواف سلام يؤدي واجبه السياسي والإداري في إنقاذ لبنان من أزمته وإخراجه من النفق المظلم. نواف سلام، نحن معك حتى يعود السلام إلى كل لبنان”.
لجنة الخارجية
التقى رئيس الحكومة نواف سلام وفداً من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، برئاسة النائب فادي علامة، وضم الوفد أغلبية من نواب “حركة أمل” و”حزب الله”، من بينهم إبراهيم الموسوي، علي عسيران، وعناية عز الدين، بالإضافة إلى النائب طه ناجي. وخلال الاجتماع، تم استعراض التطورات على الحدود الشمالية والشرقية، ومناقشة مواقف وزير الخارجية.
وأشار النائب علامة إلى تسجيل “بعض الملاحظات” بشأن التصريحات الإعلامية الأخيرة لوزير الخارجية حول التطورات الحدودية، موضحاً أن “هناك لفتة من الزملاء حول هذا الأمر، وسنواصل النقاش مع وزير الخارجية”. وأضاف: “نحن نؤيد المواقف التي وردت في البيان الوزاري وخطاب القسم، حيث أكدا التزام لبنان بالقرار 1701، وتطبيق اتفاق الطائف، والتوجهات الخارجية للدولة. ونتمنى على الجميع الالتزام بالبيان الوزاري الذي منحه النواب ثقتهم، خاصة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، لأن الدبلوماسية الفعالة تبقى خيارنا الوحيد”.
أما فيما يخص الوضع على الحدود السورية، فقد أوضح علامة أن “عدد النازحين بلغ نحو 120 ألفاً، بينهم لبنانيون مقيمون في الداخل السوري إلى جانب السوريين”، مشيراً إلى أن الحكومة استعرضت خططها للتعامل مع هذا الملف الضاغط. كما تناول اللقاء مسألة “الأونروا” وتأثير تقليص تمويلها على أوضاع المخيمات الفلسطينية والفلسطينيين في لبنان، بالإضافة إلى السياسات الخارجية للدولة اللبنانية، لا سيما فيما يتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
واتفق المجتمعون على مواصلة اللقاءات مع رئيس الحكومة لمتابعة هذه الملفات وإيجاد حلول مناسبة لها.
جعجع: سنظل رأس حربة
من جانبه، أكد رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن لبنان يمرّ بمرحلة مختلفة تماماً عن العام الماضي، مشيراً إلى أن البلاد بدأت تسلك مساراً جديداً ومغايراً كلياً. ورأى أن بعض أطراف فريق 8 آذار لم يستوعبوا بعد التغيرات التي حدثت، وحتى إن تقبلوا بعضها ظاهرياً، إلا أنهم لا يتصرفون وفق هذا الواقع.
وأضاف جعجع أن هناك فريقاً آخر، وكما هو الحال في السياسة اللبنانية، يفضل الحفاظ على موقعه دون مواجهة أو اتخاذ مواقف واضحة، لذلك نجد كثيرين في مجلس النواب والحكومة يتجنبون الإدلاء بأي تصريحات سلبية أو إيجابية، ولا يبادرون إلى تصحيح الأخطاء أو تبني مواقف صريحة.
وأكد جعجع أن “القوات اللبنانية” ستواصل العمل، حتى لو كانت وحدها، وستظل في طليعة الساعين نحو التغيير والإصلاح. مشدداً على أنه عند رصد أي خطأ، سيتم التصدي له، وعند الحاجة إلى تعديل، سيتم الدفع باتجاهه، مهما كانت التحديات.
أصدرَت الدائرة الإعلامية في حزب “القوات اللبنانية” بيانًا أكدت فيه أن الحرب التي شهدها لبنان، والتي أودت بحياة العديد من البشر ودمّرت البنية التحتية، كشفت مدى خطورة عدم الالتزام بالقرارات الدولية. وأوضح البيان أنه لو تم تنفيذ القرار 1701 بالكامل، لما وقعت حرب ما سُمّي بـ”الإسناد”، مشيرًا إلى أن عدم تطبيق هذا القرار، الذي وضع أسس وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، واستمرار انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، سيؤديان إلى استمرار التوتر وعدم الاستقرار على الحدود الجنوبية، مما يجعل لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات وصندوق بريد للصراعات الإقليمية.
وأشار البيان إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية جو رجّي يدعوان إلى التمسك بالالتزامات الدولية لحماية لبنان وشعبه من الانزلاق نحو تصعيد عسكري جديد، إلا أن الأصوات المطالِبة بتطبيق القرارات الدولية واحترام اتفاق وقف إطلاق النار تتعرض لحملات تخوين وتشكيك، في محاولة يائسة لإسكاتها.
وأكدت “القوات اللبنانية” أن من يطالب بتنفيذ القرار 1701 واحترام اتفاق وقف إطلاق النار إنما يسعى إلى حماية لبنان وأمنه، وليس العكس. وأضاف البيان أن “بدلًا من شنّ حملات إعلامية تستهدف الشخصيات الرسمية التي تعمل على تأمين استقرار البلاد، يجدر بأبواق الممانعة أن تشكر هذه الأصوات الوطنية التي تعمل بجدّ لتجنيب لبنان مخاطر الحرب”.
وختمت “القوات” بيانها بالتشديد على أن استقرار لبنان لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الالتزام الكامل بالشرعية الدولية، وتعزيز دور الدولة اللبنانية في بسط سيادتها على كامل أراضيها، عبر احتكارها وحدها للسلاح، وإمساكها وحدها بقرار الحرب، بما يضمن سلامة اللبنانيين ومستقبلهم.
وفي بيان آخر، ردّت الدائرة الإعلامية في حزب “القوات اللبنانية” على الاتهامات التي تحدثت عن وجود “جبهة إسناد داخلية للعدو وجوقة داخلية تكفلت بتغطية العدوان، واتهام السلطة اللبنانية بالخضوع للعدو ورعاته الخارجيين كما هو حال السلطة الفلسطينية”، معتبرة أن هذه الادعاءات لا تمتّ إلى الواقع بصلة.
وأكد البيان أن “ما أوصل لبنان إلى الوضع الراهن، وحوّله إلى ساحة صراع بين إيران وإسرائيل، هو نهج الممانعة وسياساتها، وكل من دافع عنها ومثّلها على مدى العقود الماضية”. وأضاف: “الحديث عن جبهة إسناد داخلية هو مجرد افتراء وتشويه للحقائق، إذ أن جبهة الإسناد الحقيقية كانت تلك التي أعلنها حزب الله، والتي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا وتدمير أجزاء واسعة من لبنان”.
وأشار البيان إلى أنه “بدلاً من الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، يواصل حزب الله الهجوم على من يطالب بتطبيق الدستور والقرارات الدولية، التي لو تم الالتزام بها منذ البداية، لكان لبنان قد تجنّب ويلات الحرب وتداعياتها الكارثية”. كما لفت إلى أن الحرب في غزة استمرت دون أن يُعلن الحزب مجدداً جبهة إسناد مماثلة، ما يؤكد أنه أخطأ في قراره السابق، ودفع لبنان ثمناً باهظاً نتيجة لهذا الخطأ.