(إلى خيري منصور في ذكراه)
عرفت الشاعر خيري منصور، عن قربٍ، حين عملنا معاً في مجلة «الأقلام» فترةً ليست بالقصيرة. ومن يلتقِ خيري منصور، للمرة الأولى، يجـدْ نفسه في مهبّ شعريةٍ تداهمه من جهاتٍ عدة: فقد كان متحدثاً لبقاً، وناثراً من طرازٍ خاصّ. ومع ذلك فإن صفة الشاعر كانت أكثر الصفات قرباً الى نفسه، هذا ما كان يحسّه من يتعاملُ معه عن قرب، مع أنه كان ذا شخصيةٍ متعدّدة الملَكات، تتمتّعُ بجاذبيةٍ خاصةٍ، شفاهيةٍ في أغلبها ومكتوبةٍ في الكثير منها..
كان اعتداده بنفسه يتجاوز الغرور أحياناً، لكنه غرورٌ محببٌّ، يتدفق من كيانه كله، على شكل نرجسيةٍ ثقافيةٍ وشعريةٍ، قد تتسع لأصدقائه دون أن تجرح أياً منهم. وكان يخوض سـجالاته بحسٍّ من المرح الذكيّ وحضور البداهة والمعلومة الجاهزة للاشتعال متى كان ذلك ضرورياً.
2
في مرحلةٍ عراقيةٍ شديدة الحرج سياسياً وثقافياً واجتماعياً، أخذ اسـم خيري منصور يكبر ويتمدّد على مستوياتٍ عديدة، حتى صار مثاراً للكثير من الغيرة أو الاعجاب أو الوشاية حتى، ففي حين كان الدم يتدفق غزيراً على الحدود ورائحة الموت والهلع تغمر الأزقّة وغرف النوم، كان خيري منصور ينصرف إلى كتابة قصيدةٍ مسترخيةٍ. قصيدةٍ مبرّأةٍ تقريباً من شبهة الإصغاء لأنين الجرحى أو حياتهم المشرفة على الهلاك. وهنا، في هذه النقطة تماما، كان ثمة متّسعٌ لصنّاع النميمة من الملكيين أكثر من الملك ذاته: لا مكان لقصيدةٍ مبرأةٍ من نكهة الدم والرصاص. عبارةٌ لها وطأة شعارٍ لا يراه إلا الخائفُ أو المبالغُ في ولاءٍ لا جذور له. وطبيعيٌّ أن يكون الشاعر العراقيّ أول المعنيّين بهذا النذير. فهل كان لخيري منصور حصته أيضاً؟ نعم، مع أنه كان يبدو، أحياناً وللكثيرين ربما، وكأنه الاستثناء الوحيد. وقد يكون مبعث هذا الانطباع، كله أو بعضه، علاقته الوثيقة بالشاعر الراحل سامي مهدي رئيس تحرير جريدة «الجمهورية»، التي كان خيري أهـم كتابها.
3
كان الأدب العراقيّ عامة، والشعر بشكلٍ خاصّ، يصارع، أيام الحرب، حتى يؤدي دوره في نصرة الحياة، بأقل قدرٍ ممكنٍ من الخسائر في اللغة أو مقتضيات التعبير. وكنتُ على علم، بحكم صداقتنا وعملنا معاً، ببعضٍ مما يتعرّض له خيري منصور من ضغوط، قد يكون التلميح فيها أوضح من التصريح أو العلن. غير أنه كان يراوغ تلك الضغوط الخفية ويلتفّ عليها بذكاءٍ وفطنة، علاوة على ما كان يحظى به من مصدّاتٍ أو أغطيةٍ لا تجعل وقوعه في المصيدة سهلاً: فهناك ربما امتياز الشاعر العربيّ الضيف، وامتياز صداقته الشخصياتٍ شديدة الحضور في الدولة مثل سامي مهدي، كما ذكرت، وحميد سعيد وربما طارق عزيز أيضاً. وهكذا بنى له اسـماً بارزاً في المشهد الشعريّ العراقيّ باعتباره مثقفاً حرّاً، يغرّد في فضاءٍ خاصّ به، قد يستعصي على أجواء التعبئة والتحشيد الإعلاميّ أيام الحرب، حتى إنه لم يكن يتردّد في تسريب بعضٍ من آرائه المخالفة لتلك الأجواء في جلساته الخاصة.
فاجأني ذات صباحٍ، وهو يدخل مبنى المجلة مبكراً على غير عادته، ليخبرني بأن وزير الإعلام مستاءٌ، كما أعلمه صديقه سامي مهدي، من موقفه غير المبالي، وحين سألته عما سيفعل، قال بصوته القويّ: «انتظر مقالي هذا الأسبوع». وحين قرأت مقالته، التي توقعتها تهدئةً للجو الذي كان يزداد احتقاناً من حوله، أيقنت أنها ستزيد الأمور سوءاً، فقد كانت سرداً للعداء المستحكم عادةً بين الشعراء والطغاة، الذين يرون في الشعر عدوّهـم الأزليّ، ثم يختتمها بمقولة غوبلز الشهيرة: «حين أسمع كلمة ثقافة أتلمّـس مسدّسي»، وكأن إشارته إلى مسدّس غوبلز، وزير إعلام هتلر، غمزٌ لا يخفى من قناة وزير الإعلام آنذاك، الذي كان يحمل مسدسه دائماً!
4
كان بيت خيري منصور في حيّ الحرية في بغداد، رغم صغره، عامراً بالشعر والحوارات الثقافية، وملموماً على ذاته بحميميةٍ بالغة. ثمة جلد ثعلبٍ أو فروة أسدٍ معلقةٌ على الجدار، وعائلةٌ نوعيةٌ صغيرة. وكان أثاث البيت، على بساطته، يوحي بتكاتفٍ عائليّ عصيّ على الاختراق، مع أن الريح المارّة هنا أو هناك، قد يكون لها رأيٌ آخر أحياناً، فثمة روائح لفتوحاتٍ لا تهدأ: اهات ظباءٍ متوجسة، وكمائن منصوبةٌ بإتقان، لغة تتوهج برغباتٍ لا تنتهي، وهندامٌ شديد التناغم. وهناك أخيراً حوارٌ لا ينقطع بين عناصر أناقته اليومية التي يحرص على توفيرها دائماً: ساعة اليد، القداحة، علبة السجائر، لون البدلة، غليونه، وحقيبته اليدوية الصغيرة. وكان يؤطر ذلك الخليط كله، ويرتفع به ومعه، صوت خيري منصور وهو يمعن في سردياته وتأملاته.
5
في قاعات الدرس الجامعيّ، كانت مقالته الصحافية، موضع عنايتي، في مساق تحليل النصوص. فقد كان يكتب مقالةً يوميةً مميزةً في أكثر من جريدةٍ عربية ولسنواتٍ طويلة، دون أن يملّ، أو تتراخى لغته، أو ينخفض منسوب الجمال فيها. كان يوفر دائماً في المقالة ما يرفع من منسوب الشعرية فيها، حتى لو كان يتحدث عن أكثر موضوعات الحياة ألفةً أو عادية. وكان خيري منصور يسرّب الكثير من مزاياه الشعرية إلى فضاء النثر الذي يكتبه، وحتى إلى أنشطته الشفاهية التي تتوزع على الكثير من زوايا حياته الثقافية والاجتماعية العريضة. كان يقترض من لغة الشعر ولطائفه ومراوغاته، ما يجعل نصوصه مثيرة للاهتمام: حسيةً، وجريئةً في أحيانٍ كثيرة، ومدجّجة بالفكاهة القاسية في أحيانٍ أخرى.
6
ثمة مشتركاتٌ عميقةٌ تجمع بين ثلاثة مبدعين فلسطينيين عايشوا الحياة العراقية. ويكاد كل واحدٍ منهم أن يقف في طليعة جيلٍ من الشعراء جمعوا، بجدارةٍ واضحة، بين الشعر والنثر والثقافة. وأعني بهذا المثلث الفلسطينيّ: جبرا إبراهيم جبرا، خالد علي مصطفى، وخيري منصور. وكان لكل منهم صوته الأدبيّ الخاصّ.
خلال إقامته الطويلة نسبياً في بغداد كانت تجربة خيري منصور تنضج، مثل زميليه، على نار تجربةٍ عراقيةٍ شديدة الضراوة، لكنه جاهد كما يبدو لتظل نصوصه، على العكس منهما، مبرأةً من شبهة الاقتراب من تلك النار، أعني من عذاب العراقيين الطاحن دائماً والدامي في أحيان كثيرة. وهذا الفارق بين خيري وزميليه، في معايشة الألم العراقيّ، فارقٌ باهظ جداً، ولا يبالغ من يراه مساحة فارغة في الفضاء الأخلاقي للكتابة. وحين كانت تتزاحم كوارث العراق وأزماته كان جبرا وخالد علي مصطفى، على النقيض من خيري، جزءاً من قاع المركب المحفوف بالموت والحصارات، ولم تكن اليابسة حلماً فردياً لأيّ منهما. وعلى العكس من زميليه، اللذين عاشا ازدهار بغداد وذبولها بعمقٍ ومحبة، وقدّما أروع البراهين الإبداعية على ذلك، فإن خيري منصور خرج من العراق، بل من الحياة جميعاً، دون أن يترك وراءه شهادةً جماليةً أو إنسانيةً على ما جرى. كان عليه، شاعراً ومثقفاً، أن يحتج، أو يبارك، أو يلعن، أو يهاجر. لكنه لم يفعل، فظلت تلك النار المشبوبة بعيدة عن مدونته الأدبية، مع أنها كانت حاضرة أحياناً، في فضائه الشفاهيّ. هل كان يهرب، في موضوعة المعاناة العراقيّة، من أعباء التاريخ إلى اللغة؟ ومع أنه، من جانب ثقافيٍّ محضٍ، لا يقل عن جبرا أو خالد علي مصطفى افتتاناً بفرادة العراق الحضارية والشعرية، فإنه لم يفلح كما أفلحا في نقل ذلك الشغف الشفاهيّ إلى ما ترك من متونٍ شعريةٍ ونثريةٍ جميلة.
7
في المسافة الفاصلة بين لقائي الأول بخيري منصور منتصف السبعينيات، قادماً من الكويت، ولقائي الأخير به في عمّان قبل رحيله بفترةٍ قصيرة، جرت مياهٌ كثيرة: كتبنا نصوصاً لا تحصى، وعشنا أياماً جرحتها الغربة أو الحسد، ربما، أو الترحال. وكنا في لقائنا، الأخير صديقين يلتقيان على حافة عمرٍ يتهدّم. ولا أنسى عبارته، التي أشعرتني بأن ذبولاً ما أخذ يدبّ إلى روحه الشرسة حين قال: «صار أصدقائي بين الموتى، أكثر من أصدقائي الأحياء». ولا أعني هنا ذبول الجسد وحده، بل ذلك التآكل الذي أخذ طريقه إلى ما يصدر عن كيان الشاعر كله. وهنا أتذكر عبارة ثمينةً للناقد خالد علي مصطفى، وهو يتحدث عن قصيدة خيري منصور بعد أن ارتحل عن بغداد، فما عادت تمتلك ما كان لها، في مرحلتها العراقية، من سحرٍ وعرامةٍ وتوقّـد: « لقد أخذ معه عُـدّة النجارة فقط».
كاتب عراقي