الكويت ابنتي

أكتب من الكويت، ابنتي وصحبتها محجوزون في بيروت. إلى يوم كتابة هذا المقال، نستمع لأخبار مستمرة لتفجيرات متفرقة في بيروت الحبيبة المحشورة ابنتي فيها، كما يصل لمسامعنا أصوات تفجيرات تقع على أرض وطني الكويت، وكذلك أصوات الصافرات الإنذارية اللاحقة لها. في خضم كل ذلك، أحاول تصدير المنطق ليتصدى لمشاعر الأم التي لا تود شيئاً الآن سوى لابنتها أن تكون في حضنها وليقف أمام مشاعري كإنسانة لا تتمنى شيئاً الآن سوى هدوء السماء وطبيعية الحياة اللذين كنا ننعم بهما قبل أيام. يقف المنطق في رأسي أمام كل هذه المشاعر الإنسانية محاولاً قدر المستطاع، توضيح الرؤية وترتيب الأفكار، وما أصعب الحديث المنطقي في ظل هذه الظروف الحارقة التي تلعب الآن على خلفية من الخلافات السياسية والطائفية العميقة!
أحكي لكم -والله- الأحداث كما تقع الآن، ما إن انتهيت من كتابة الفقرة أعلاه، بالضبط مع آخر كلمة منها، وصلني اتصال بأن رحلة العود الطارئة التي دبرناها لابنتي بعد إغلاق مطار الكويت من بيروت إلى الدمام ثم بالسيارة إلى الكويت، ألغيت للتو. ستبقى في بيروت إلى إشعار آخر، بعيدة عن حضني وعن حمايتي. غبية هذه الدنيا، وأنا أغبى أن تركت هذه الصغيرة تبتعد عني في ظل هذه الظروف، بل تحت أي ظروف. الأبناء يجب أن يبقوا في حضننا هذه الأيام، نحوط عليهم ونقفل أبواب الدنيا عنهم، دنيا يحكمها أصحاب إبستين ومن هم على شاكلته، بأصابعهم القذرة مستريحة على أزرار القنابل. هي دنيا لا نأمل غدرها ولا يجب أن نمكنها من مجرد رؤية وجوه فلذات أكبادنا. المعذرة، أكتب بكبد محترق، لست متأكدة تماماً من ترابط القول، لذا أستسمح صبركم.
تتشرذم الآراء العربية بشدة تجاه الوضع الحالي، إلا أنه لا حدث من أحداث اليوم هو نتيجة مباشرة لوضع مباشر، ما يحدث لنا الآن هو نتاج سلسلة معقدة ظاهرة وخفية من الأحداث والقرارات التي أوصلتنا إلى هذه الأيام البالية. بلا شك، حاول النظام الإيراني التصدي لإسرائيل، لربما هي الحسنة الوحيدة الواضحة لنظام ثيولوجي متطرف له جرائم داخلية بحق شعبه، وأخرى مخابراتية وعسكرية خارجية بحق جيرانه. ولأكون منصفة، فقد تكون له حسنات أخرى من حيث تطويره للداخل الإيراني بعض الشيء وتصديه للقوى الأمريكية التي لم يجرؤ أحد غير الإيرانيين على الوقوف في وجههم. إلا أن جذر المشكلة مزروع في بداية الحكاية، وحيث توجد جذرة مريبة، فثمة يد أمريكية زرعتها. من الواضح أن تثبيت نظام إسلامي في إيران منذ سبعينيات القرن الماضي لم يكن أمراً داخلياً إيرانياً فقط، بل وربما على الإطلاق، فبصمة أمريكا واضحة تماماً في تثبيت هذا النظام الإسلامي لإحداث تفكيك طائفي يضعف المنطقة بأكملها، تماماً كما تم زرع كل نظام أو ميليشيا لهم صبغة دينية في المنطقة، حتى إذا ما أتت اللحظة المناسبة، وبعد أن تقوى شوكة إسرائيل وتبدأ الدول العربية تؤمن أنه لا سبيل لها سوى الالتفاف حول هذا الكيان الفيروسي، وبعد أن يكون الداخل العربي قد اهترأ بالصراع الطائفي، وبعد أن يكون قد تم تثبيت إيران، ابتعاداً عن إسرائيل، كالعدو الأكبر والأخطر في المنطقة، تضرب أمريكا ضربتها، لتبدأ حرب حارة وحادة مثل سكين مسنونة على الأجساد اللينة للدول العربية، لتنفيذ خطة صنع إسرائيل الكبرى. وقتها طبعاً، لن يعود هناك حاجة للنظام الإيراني الذي لا يتعدى كونه أداة أنجزت مهمتها والذي سيتحول لحظتها إلى عائق أمام الخطة، ليكون هذا النظام على موعد مع السقوط المدوي، وليحل محله نظام «أداتي» جديد، سيقضي مهمته لتنقضي مدته بعدها. لكن هل ستتمكن أمريكا من إسقاط هذا النظام؟ إن إسقاط أي نظام يتطلب إما ثورة داخلية عارمة أو دخول خارجي أرضي، فهل ستتمكن أمريكا من الدخول إلى إيران، هذه التي يتجاوز حجمها ثلاثة أضعاف حجم العراق والمليئة بالطبيعة الوعرة من جبال ووديان على عكس عراق المسطحة تماماً؟
الواضح أن أمريكا في الماضي راهنت على ضعف النظام الديني الجديد آنذاك، ونسيت أن إيران حضارة تمتد آلاف السنوات، حضارة ستتسرب آثارها الفكرية وخبراتها السياسية بحسناتها وفواحشها إلى عقول القائمين الحاليين عليها. وهكذا استطاع النظام الإيراني الاستمرار والتماسك على مدى خمسين سنة، بل وأحرز تطورات داخلية وشكل جبهة خارجية حديدية استطاعت أن تقف أمام السلاح والعقوبات الأمريكية دون أن يرف لهم جفن. إلا أن اللحظة حانت: التفكك على أشده، الطائفية متوغلة، إيران اعتلت عرش العدو الأول في المنطقة خصوصاً بعد جرائمها المسلحة في سوريا، التي يبدو واضحاً الآن أنها ما كانت جرائم طائفية بقدر أنها جرائم سياسية، حيث كانت إيران متيقنة أن الحرب في سوريا ستكون بينها وحليفها الأسد وبين الأمريكان في الواقع، وأن سقوط النظام السوري يعني استقرار جبهة أمريكية جديدة في المنطقة وفتح ممر جديد لإسرائيل إلى المنطقة. الهدف الأمريكي تأمن والتوقيت صحيح، حان وقت التنفيذ.
هنا لا بد من التأكيد على أن التذمر من وتوجيه الاتهام للوجود الإيراني غير كاف وغير مؤثر. أولاً، التذمر والاتهام لن ينهيا الوجود الإيراني، على الأغلب لا شيء سينهيه حتى مع تغير السلطة السياسية فيه. ستبقى إيران كدولة كبرى ذات قوى عسكرية لا يستهان بها تشكل قلقاً في المنطقة، وعليه يفترض أن يتم التصدي لذلك بتغيير التركيبة الخليجية إلى تركيبة دول متضامنة إقليمياً، دول تعي وتحترم فروقاتها وخصوصياتها السياسية، ولكنها قادرة على اتخاذ موقف متضامن سياسياً حين يكون هناك تعرض خارجي لأمنها ووجودها، دول قادرة على التضامن الاقتصادي وعلى تشكيل موقف محايد تماماً تجاه جيرانها حماية لوجودها الذي لا يمكن أن يقوم، واقعياً ومنطقياً واقتصادياً ولوجستياً، على الحماية العسكرية الذاتية. الاستقرار سيتطلب تغيير الحالة العدائية بين إيران ودول الخليج، لا يبدو واقعياً، في الماضي والحاضر، أن كان هناك حل بخلاف ذلك، وهو حل يتهدده السلوك الإيراني الحالي وبشدة، إن لم يكن قد قضى عليه كخيار على المدى القريب. لو أننا جميعاً لم نقع في فخ الطائفية ولم نرضخ لخطة الأمريكان، لربما تحالف ما كان قد اتخذ صيغة مقبولة بين الدول العربية وإيران، لربما كان بالإمكان تفادي الكثير من التحركات الجرائمية السابقة لهذا النظام، ولربما ما كنا سنصل إلى حالة العداء العسكرية التي وَضَعنا هذا النظام فيها اليوم.
ثانياً، يفترض أن نفكر في معنى وتبعات زوال النظام الإيراني الحالي. فالفراغ الذي سيتركه نظام متصدّ للقوى الإسرائيلية الأمريكية المتحالفة، لن يعبئه سوى هذه القوى الإسرائيلية الأمريكية بعينها والتي تؤمن، بحسب تصريح السفير الأمريكي عند الكيان الصهيوني، بأن «إسرائيل الكبرى» والتي يفترض أن تلتهم ثلاثة أرباع مساحات الدول العربية والخليجية تحديداً هي مشروع مستحق، بل وعقائدي مكفول من القوى الإلهية. الوجود الإيراني القائم حالياً يصد التوسع الإسرائيلي، فإذا ما اختفى هذا الوجود، فلأي مصير سننحو نحن؟
ورغم أن إيران ليست هي المتسبب في الحرب العبثية الحالية وليست هي العدو الأول في المنطقة، فهذا مركز محفوظ للصهاينة دوماً وعن استحقاق، ورغم أنها أخذت على غرة حين بدأ الأمريكيون بالقصف إبان مفاوضات مستمرة، فإن خيار إيران في ضرب الدول الخليجية هو خيار -بجانب استشكالاته المبدئية وإضافته لسجل العداء وانعدام الثقة والتعديات السابقة- غبي سياسياً واستراتيجياً. إيران تعلم أن القواعد الأمريكية في دول الخليج هي محض اضطرار لا اختيار، لذا فإن توجيه الضربات إلى دول الخليج سيخلق موجة رأي مضاد لإيران ويفقدها الكثير من المساندة العربية التي كنا بالكاد نبديها بناء على موقف إيران المساند للقضية الفلسطينية. حين يمس الموضوع الأوطان والأمان، لن تجد إيران موقفاً متعاطفاً معها، ولو ساقت حجة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. إيران تعلم أن هذا وضع مفروض على دول الخليج، وكان الأجدر بها أن توجه ضرباتها، إذا ما رغبت في إظهار تصدّ لعدوها الأمريكي، إلى إسرائيل بقواعدها وأسلحتها الأمريكية بامتياز.
كإنسانة وكمواطنة كويتية وقبلهما كأم، لا أشعر سوى بنقمة عارمة على إيران التي تقصف أراضينا بدلاً من أن توجه صواريخها نحو العدو القذر المستحق، على أمريكا التي ما كان لرئيسها المجنون سوى سنة على «عرشه» ليقود المنطقة بمجملها إلى الجحيم، ومن قبلهما على إسرائيل الصهيونية التي اشترت قوى العالم كله بأقذر ملف ابتزازي على مدار تاريخ البشرية، لكنني أدرك كذلك أن السكوت العربي الطويل المحلى بالشجب مرة والاستنكار مرات على الوجود الصهيوني في المنطقة هو ما أوصلنا اليوم لهذه «البقعة من الزمان،» هو ما أحالنا للتفكير «المنطقي» في أهون الشرين: نظام شمولي ثيولوجي أم نظام ليبرالي متوحش؟ يا له من نتاج حزين لخيارات كان يمكن أن تكون مختلفة تماماً وبنواتج مختلفة تماماً!
وفيما أنا أمارس يومي بصحبة وجه وصوت ورائحة ابنتي وقلق وخوف ينخران صدري، يصور لي عقلي أن إنقاذ ابنتي هو إنقاذ للموقف كله، هو إنقاذ للكويت وحماية لها. اللحظة التي أضم فيها هذه الصغيرة إلى قلبي، هي اللحظة التي سأحتوي إبانها كل الكويت في داخلي. إلا أن صوتاً آخر ملحاً يصفر في أذني، صوتاً يسائل أنانيتي الملتفة على قصتي، صوتاً نظيفاً يفكر في أمهات غزة، هؤلاء اللواتي لا أعيش الآن ولو لواحد بالمئة من تجربتهم، أسمع الصوت هذا نقياً حقيقياً، فيغوص قلبي في أعماق قفصي الصدري، وتقف لقمة للتو غصبتها في بلعومي لتسد علي مجرى النَفَس والشعور، ليقول عقلي: تجربتك بسيطة. فيرد قلبي: إذن، لم تبدو الساعة وكأنها نهاية الحياة؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية