الكتاب الجماعي «جدل السرد وأزمة الهوية»: قراءات في ثلاثية كمال رحيم الروائية

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يفترض الكتاب الجماعي أن هناك ظاهرة فنية تشكلت أو في طريقها إلى التشكل، وحين يتوجه إليها بالمقاربة والدرس يلحّ على تناولها من جميع الجوانب، خاصة إذا كانت هذه المقاربات آنية متضافرة فيما بينها لتحقيق أعلى معدلات الإفادة في معالجة الظاهرة والاقتراب منها بعمق. لكن في بعض الأحيان تقلّ درجة هذه الإفادة، حين يتمّ الاستناد – داخل هذا التوجه الجماعي المشدود إلى ظاهرة فنية – إلى دراسات سابقة كتبت ونشرت في مجلات أو حوليات على مدى زمني ممتد، وفي ظل ذلك يتفكك إطار المقاربة الجماعية في انطلاقها آنيا من منحى فكري واحد، خاصة حين نعاين تنوع هذه المقاربات، وتوزعها إلى مقاربات أكاديمية عميقة مقاربات إشهارية إعلامية تكتفي بالدوران حول الموضوع بدون وعي كبير بالمنحى الفكري والرؤى العديدة التي تخايله وتنمو في إطاره.
ففي كتاب «جدل السرد وأزمة الهوية – قراءات في ثلاثية كمال رحيم الروائية»، تحرير تامر فايز وتقديم سامي سليمان، تتوزع وتتعدد اتجاهات مقاربة هذا الموضوع، فهناك الأبحاث التي تنطلق من محددات وإجراءات منهجية، وهناك الأوراق التي كتبها مبدعون، وهي قراءات تستقوي بالفني على الإجرائي والتقاليد المنهجية، فالاتكاء أو الاستناد إلى الفني – لكونهم داخل المجال الإبداعي لفنون السرد – يمنح أصحاب هذا الاتجاه قدرة ما تجعلهم يصلون إلى الفكرة أو إلى النتيجة من دون تفعيل أي إجراءات منهجية أو عكاكيز مستمدة من نظريات أدبية، فكأن هذه المعرفة الخاصة بالسرد وإشكالاته الكتابية ومضايقه تسهم في الكشف عن البؤر الدلالية، لأن ممارسة الكتابة السردية تتيح لهؤلاء كشفا ورؤية، وتضعهم وجها لوجه مع تشابهات تمت مواجهتها سابقا في سعيهم الخاص نحو اكتشاف مناح جديدة للكتابة الإبداعية.
الدراسات الموجودة في هذا الكتاب لارتباطها بمجال اشتغال واحد بالرغم من كونها لا تخلو في بعضها من قراءات مضمونية للخطاب الروائي، وتقع نتيجة لذلك في فخّ التكرار والإعادة مما يؤدي إلى تضخم المقاربة النقدية بدون مبرر فني واضح بسبب رغبة صاحب المقاربة النقدية في استقصاء الفكرة بشكل عرضي، تتداخل وتتضافر للوصول إلى نتائج متشابهة متجاورة في الرؤى بداية من العنوان، ولكن يتبقى في ظل ذلك التداخل اختلاف المناحي والإجراءات المنهجية التي تؤدي إلى تجل للظاهرة في أشكال مختلفة، بالإضافة إلى المخزون القرائي والثقافي لكل مساهم في الكتاب وتكوينه الأساسي، وتوزعه إلى نسق إبداعي أم إلى نسق أكاديمي بحثي.
إشكالية الهوية بين التناول الكلي والجزئي
يبدو تقسيم الكتاب الذي جاء موزعا إلى: قراءات في الثلاثية، وقراءات في رواية قلوب منهكة، وقراءات في رواية أيام الشتات، وقراءات في رواية أحلام العودة، كاشفا عن طبيعة التناول في الكتاب، ومحاولات الاقتراب من الجانب المعرفي الخاص بمشكل الهوية، خاصة إذا أدركنا أن هناك بعض المشاركين أسهموا بدراسة لأكثر من رواية من روايات الثلاثية، مثل سامي سليمان أو محمد علي سلامة أو يوسف الشاروني.
في دراسات التناول الكلي- بعيدا عن الكتابات الإشهارية كما في إسهامات الشاروني التي لا تخلو من إشارات كشفية – تبدو الإحاطة بمشكل الهوية حاضرة. ففي مقاربة محمد بريري (قلوب أنهكها الشتات – دراسة في ثنائية كمال رحيم الروائية) هناك وعي لافت بحدود الثقافي وتجذره شئنا أم أبينا بوصفه مكوّنا مرنا من مكونات الهوية، خاصة حين يتحدث عن وجود ثقافي يتحول إلى رمز، مثل حديثه عن «الطربوش» الخاص بالجد اليهودي، وتغير شكله، للإشارة إلى انتهاء دوره واقعيا، وإن ظل حاضرا مختزنا للكشف عن التغيير أو التحول الذي أصاب بعض الشخصيات، أو حديثه عن «العذرية» التي ظلت مكوّنا اجتماعيا فاعلا حتى في ظل بيئة مغايرة، تشد البطل نحو وجهة معينة في حالة التوزع والسيولة القابلة لتشكل جديد ربما يكون مطروحا.
في بحث تامر فايز (هوية البطل في ثلاثية كمال رحيم) هناك إلحاح على تشكيل إطار بحثي يشمل بدون معاظلة البنيوي والمعرفي في طريقة المقاربة والتناول، وذلك من خلال مدخل نقدي يرمّم النواقص التي تكتنف الكثير من المقاربات النقدية التي تعتمد على الإجراءات الشكلية أو التي تعتمد على الثيمات والموضوعات، من خلال دمجهما معا، ولا يتم الفصل بينهما على امتداد المقاربة النقدية. في توقفه أمام الهوية الدينامية أتاح له ذلك التناول الإجمالي للثلاثية التنبه إلى القلق الهوياتي، ولكن تامر فايز أثبت لكل قسيم حدوده، وكأنهما منفصلان، وأظن أن الأمر ليس بهذا التحديد، فالهوية ترتبط بحركة الإنسان في سياقه التاريخي الفردي.
تحديد مفهوم الهوية خاصة في تناوله للجزء الأخير من الثلاثية (أحلام العودة) كان بحاجة لعزله عن الظاهر والبسيط والمتهافت في حصره بين اليهودي والمصري، أو بين الشرق والغرب، كما ظهر في مقاربة يوسف الشاروني للرواية نفسها، فالهوية – في إطار الإصرار على عمق التباين لجزئيات عديدة مثل البواب والمقهى وأشياء أخرى بالضرورة – متعلقة بالفردي والثقافي، وبالروح التي نفقدها بالتدريج.
فالاستناد إلى ملامح الصراع الكبير يشير إلى أثر السياقات في تشكيل هويته، ولكن النصوص الروائية- وإن كانت تشير إلى ذلك- تمارس توجيها نحو فاعلية الذات، فما نراه في الروايات الثلاث من قلق هوياتي يرتبط بالفرد، وبخيارات هذا الفرد، فالقلق من وجهة نظري ثقافي أكثر منه سياسي. وقد مارس هذا التصور السياسي البسيط للهوية أثره في مقاربات عديدة، منها مقاربة مصطفى بيومي (اليهود في ثلاثية كمال رحيم)، فالدراسة تنتهج المسح الطولي للشخصيات من دون اختيار ملمح عام يلمّ شتات تلك الأفكار، وقد أوقعه هذا التوجه في التزيد والتكرار.
لا يقارب نبيل عبد الحميد بنية الخطاب الروائي، لكنه يقارب جزئيات العالم الخام، وكأنه يضع نفسه مكان الروائي، محاولا إعادة ترتيبها بنفسه، من خلال نثرها والإشارة إلى قيمتها في حد ذاتها، لأنها جعلت هذا السارد الطفل من البداية يشعر بغرابة حاله، سواء في بيته أو في المدرسة، أو في بيت جدّه لأبيه. ربما كان التوجه الخاص لمحمد قطب في عنوان دراسته (البحث عن الذات في أيام الشتات) سببا في إسدال نوع من الحماية، بعيدا عن الوقوع في أسر المقابلة الجاهزة بين اليهودية والإسلام. فقد تسلح محمد قطب بتوجه إبداعي في مقاربته، توجه خبر الكتابة وأدرك مضايقها وارتهاناتها، فكلامه لا يخلو من بساطة، ولكنها بساطة النفاذ إلى العمق وإلى الإشكاليات الفاعلة، وإلى دلالات لاختيارات التوجيه السردي التي يمارسها الكاتب. فالاستدعاء القائم على فعل التذكر بين الزوجة «خديجة» والمرأة المثال «نادية» – في منطقه – كشف عن التوزع والانشطار.
في اعتماده على المنهج البنيوي في مقاربته (بنية السرد في أيام الشتات) يتوقف شريف الجيار عند جزئيات مهمة مثل (السارد الذاتي وذاكرته المثالية، والسارد وتقنية الاسترجاع، والسارد والحوار الداخلي، والسارد وتقنية الحلم، والسارد والأسلوب الرسائلي، والسارد وتقنية عين الكاميرا، وبنية المكان)، ليؤسس منطقه البحثي. وتتوجه مقاربته على زكي الأزرع الجد اليهودي، لأنه واحد من اليهود الذين ولدوا في مصر وغادروها، وظلت تمثل لهم فردوسا مفقودا، يحاولون ويتمنون العودة إليه.
الهوية الذاتية بين التوزع والاختيار
في ثلاثية كمال رحيم هناك اشتغال على موضوع فلسفي أو معرفي، وهناك محاولة لتشكيل مجال معرفي يتولد من خلاله الكثير من الظواهر لتنبيه القارئ للموضوع، ولتوجيهه نحو قيمة المدخل في المقاربة، فالفن حين يقدم بصدق يأتي كاشفا -حتى لو لم يكن هناك قصدية واضحة- عن مجمل الانشغالات التي تشغل مجموعة من البشر في سياق خاص. ففي هذه الثلاثية نحن أمام بطل داخل سياق، تتوه فيه الحقائق وتتعدد أشكالها، ومن ثم تكون رحلته مملوءة بمعاينة هذه التداخلات والاختيارات وفقا لسياقيه العام والخاص، فهي تشكل صراعا، ولكنها في الوقت ذاته تكفل مساحة للاختيار وفرصة للاكتساب.
وتنبّه محمد علي سلامة في دراسته الأولى للجزء الأول من الثلاثية (سرد جديد في قلوب منهكة)، لفكرة الأنا في مواجهة العالم جزء مهم، خاصة في ظل تفريغ الكاتب لروايته من فكرة الصراع العربي الإسرائيلي، لأن هذا الانتباه يجعل الأمر مرتبطا بهوية ذاتية فردية، ويعري السياقات العامة الجاهزة، فالثلاثية- حتى في ظل السياقات العامة المشيرة لسياق زمني- مشدودة لهم ذاتي، وتحاول الإجابة عن تساؤلات الذات العديدة، خاصة في ظل سيولة هوياتية لا تركن كثيرا للتحديد بقدر انفتاحها وارتباطها بالشبيه والمتباين. فموقف الأنا هو السبب الأساس في شد الرواية إلى ما هو ثقافي أكثر من ارتباطه بالظاهر الخارجي.
وربما تشكّلَ لدراستي سامي سليمان (صوت الراوي وإشكالية الهوية) و( صوت الراوي والبحث عن التئام الهوية في رواية أحلام العودة) تأثير خاص وفريد في الكتاب، نظرا لوعيه في دراسته الأولى بأننا أمام ذات تواجه العالم، وفي مواجهتها لهذا العالم ولذلك الوجود المقسم إلى اتجاهين تبني وعيها بالتدريج انطلاقا من سياقها الخاص، ولكن الإلمام بهذه السياقات المحيطة، لا يوجهه نحو تناول أو إسقاط لمعطيات خارجية، ولهذا جاء تناوله مشدودا لأزمة البطل الوجودية، وكيفية تفاديه لكل الظروف المطبقة، وراصدا انحيازاته واختياراته التي تتشكل بالتدريج.
فقد كفل تقديم دراستين لسامي سليمان حضورا مختلفا بين المقاربات، فوقوفه عند الرواية الأولى والأخيرة بدراستين منفصلتين، أوجد له وعيا لافتا بالإشكالية، وعيا مراقبا للحظة البداية وللحظة النهاية. فقد أوجد له ذلك رؤية أقرب للاكتمال، فمع الرواية الأولى هناك انشداد للتوزع والتنازع بين إطارين فكريين يزدحمان ويتداخلان، ولكل واحد منهما أسسه التي يستند إليها في جعل الانتماء الهوياتي غائم الملامح بعيدا عن الصلابة والتحديد بوصفهما مكوّنين أساسيين لكل انتماء.
ويمكن في ذلك السياق الخاص بالتوجيه السردي التوقف عند شخصية الشيخ منجي التونسي المقيم في فرنسا، فوجودها على هذا النحو الخاص بالانتماء الديني الإسلامي الذي يفرق من اليهود بشكل عام، بالإضافة إلى البون الشاسع بين ما تقوله وما تقوم به فعلا من ممارسات مثل التفريق في تجارته بين من يشتري اللحم نقدا، ومن يشتريه (بالأجل)، يشير إلى نمط معرفي خاص من جانب، ومن جانب آخر تشير إلى أن فكرة الدين ليست حاضرة في رحلة السارد في بحثها عن هوية مفقودة. فرحلة السفر في الأساس التي كانت بحثا عن هوية مفقودة، لا ترتبط بهوية دينية جمعية، بل كانت بحثا عن هوية مصرية، أو بحثا عن هوية ذات تبحث عن خصوصية.

«جدل السرد وأزمة الهوية – قراءات في ثلاثية كمال رحيم الروائية»
تحرير تامر فايز،
تقديم سامي سليمان
دار العين، القاهرة 2022
309 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية