في موازاة النجاحات الروسية هذا الأسبوع على الجبهة، شنّ الجيش الأوكراني سلسلة هجمات ضد منشآت للطاقة وأخرى عسكرية، في خطوات أوضحت كييف أنها تستهدف عرقلة الجيش الروسي لوجستيا.
باريس ـ «القدس العربي»: مع اقتراب الحرب في أوكرانيا من دخول عامها الثالث، زادت القوات الروسية والأوكرانية هذا الأسبوع من هجماتها المتبادلة، وسط معارك مكلفة حققت روسيا خلالها تقدما ميدانيا استراتيجياً وإن كان صعبا، لا سيما في شرق أوكرانيا، فيما شنت قوات كييف واحدة من أكبر هجماتها بطائرات بدون طيار على الأراضي الروسية مستهدفة البنية التحتية للطاقة وأخرى عسكرية.
في أحدث التطورات على الجبهة، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها سيطرت على بلدة نوفوفاسيليفكا، جنوب غرب بوكروفسك، كما تقترب أيضا من طريق حيوي للوجستيات العسكرية باتجاه منطقة دنيبروبيتروفسك المجاورة، التي أصبحت حدودها الإدارية الآن على بعد بضعة كيلومترات فقط. ويتقدم الجيش الروسي، رغم خسائره، منذ أكثر من عام في شرق أوكرانيا، سعيا إلى تطويق بوكروفسك وقطع الطريق السريع عند المدخلين الشرقي والغربي للمدينة، ما يعد ضربة قوية للقوات الأوكرانية في منطقة دونباس. ويشكل دخول القوات الروسية إلى نوفوفاسيليفكا أول توغل لها منذ بدء الغزو في شباط/فبراير عام 2022، وضربة قوية للقوات الأوكرانية التي تكافح لاحتواء التقدم الروسي، بسبب نقص الرجال والأسلحة.
علاوة على ذلك، وفقًا لموقع DeepState المقرب من الجيش الأوكراني، فإن القوات الروسية على بعد بضع مئات من الأمتار من الطريق M04/E50 شرق بوكروفسك، والذي يربط هذه المدينة بكوستيانتينيفكا، وهو مركز لوجستي آخر للجيش الأوكراني. كما يرى الجيش الأوكراني الجيش الروسي يقترب من الشرق، حيث إن الجيش الأوكراني لم يعد يستخدم هذا الجزء من الطريق وأصبح مضطراً إلى اللجوء إلى طرق بديلة، وهو ما يؤدي بالفعل إلى إبطاء العمليات اللوجستية في هذا الجزء من المنطقة. وتتعرض القوافل هناك أيضًا لاستهداف متكرر من قبل طائرات بدون طيار روسية من طراز «FPV».
قبل ذلك، أكدت وزارة الدفاع الروسية يوم الأربعاء بأن قواتها سيطرت على بلدة نوفويليزافيتيفكا في منطقة دونيتسك الصناعية بشرق أوكرانيا. وتعد هذه البلدة واحدة من أربع مناطق أعلنت روسيا ضمها في أواخر العام 2022، رغم عدم تمكنها من السيطرة عسكريا بالكامل على أي منها. كما أنها تقع بمحاذاة منطقة دنيبروبيتروفسك، التي تتقدم القوات الروسية نحوها وتبدو في طريقها لدخولها لأول مرة منذ اندلاع الحرب.
وجاءت السيطرة الروسية على بلدة نوفويليزافيتيفكا في منطقة دونيتسك، غداة إعلان الجيش الروسي يوم الثلاثاء أنّه سيطر على بلدة دفوريتشنا في منطقة خاركيف شمال شرقي أوكرانيا، في مكسب ميداني جديد. وكانت القوات الروسية قد سيطرت على هذه البلدة الواقعة عبر نهر أوسكيل الاستراتيجي، في بداية هجومها العسكري عام 2022، قبل أن تستعيدها كييف بعد أشهر في هجوم مضاد خاطف. لكن الجيش الأوكراني أُجبر على التراجع خلال العام الماضي مع تفوّق القوات الروسية عبر خط المواجهة الممتد على ألف كيلومتر.
وبعد صراع شاق دام أكثر من عام، يبدو أن بلدة تشاسيف يار، المعقل الرئيسي في قلب الدفاع الأوكراني عن دونباس، سقطت في أيدي القوات الروسية، حسب عدة مصادر متطابقة نقلاً عن صحيفة «موسكو تايمز»، وهي وسيلة إعلام روسية مستقلة عن الحكومة. فمثل العديد من النقاط الأخرى على طول الجبهة، كانت تشاسيف يار بلدة ذات كثافة سكانية منخفضة وركود سكاني يصل إلى حوالي 12 ألف نسمة قبل الحرب. لكن منذ سقوط باخموت، مسرحا لمعركة استنزاف كبرى بين أيار/مايو 2022 و2023، احتلت تشاسيف يار مكانة استراتيجية في الخطط الروسية والأوكرانية. وتقع المدينة على تلة تشكل أعلى نقطة في منطقة الجبهة بأكملها، وتستفيد من موقع جغرافي يمكن الدفاع عنه بسهولة، في حين يمكن لساكنيها استهداف الطرق اللوجستية والإمدادية التي تغذي المواقع الأوكرانية في المنطقة. كما كانت تشاسيف يار بمثابة درع للمدن الحصينة الكبيرة المتبقية في كراماتورسك، وسلوفينسك، وكوستانتينيفكا، ودروجكيفكا.
استهداف منشآت الطاقة الروسية
في موازاة النجاحات الروسية هذا الأسبوع على الجبهة، والتي تعد أولى النجاحات الكبرى في العام 2025، شنّ الجيش الأوكراني هذا الأسبوع سلسلة هجمات ضد منشآت للطاقة وأخرى عسكرية، في خطوات أوضحت كييف أنها تستهدف عرقلة الجيش الروسي لوجستيا وحرمانه من العائدات التي تمول جهد موسكو الحربي. وأعلن الجيش الأوكراني، يوم الجمعة، استهداف مركز قيادة للجيش الروسي في منطقة كورسك بالصواريخ والمدفعية، في ضربة قال إنها كانت منسقة ودقيقة، وأسفرت عن تدمير مركز القيادة والسيطرة الروسي في المنطقة.
كما رجح الجيش الأوكراني انسحاب الجنود الكوريين الشماليين الذين أُرسلوا للقتال إلى جانب القوات الروسية في منطقة كورس بسبب الخسائر الجسيمة التي تكبدوها، مشيرا إلى أن الأسابيع الثلاثة الماضية لم تشهد، بحسبه، أي نشاط أو مواجهات عسكرية مع الجنود الكوريين الشماليين.
قبل ذلك، أكدت القوات المسلحة الأوكرانية أن طائرات بدون طيار ضربت مصفاة مملوكة لشركة النفط الروسية العملاقة لوك أويل في كستوفو بمنطقة نيجني نوفغورود على بعد أكثر من سبعمئة كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
كما أكدت مصادر أمنية في كييف أن ضربة جوية أوكرانية أصابت محطة ضخ النفط أندريابول الروسية ما تسبب في تسرب منتجات نفطية وحريق. وتعد هذه المحطة جزءا من طريق التصدير عبر ميناء أوست لوغا على بحر البلطيق. كما طال الهجوم أيضا منشأة روسية لتخزين الصواريخ في منطقة تفير، مما تسبب في سلسلة انفجارات.
ويشكل الوصول إلى هذه الصناعة ذات الأهمية الكبرى بالنسبة لموسكو هدفاً استراتيجياً لكييف، التي يواجه جيشها صعوبات على الأرض ويكافح من أجل تثبيت خطوط دفاعه في منطقة دونباس الشرقية، وذلك من أجل تسريع استنزاف آلة الحرب الروسية قدر الإمكان، في وقت أصبحت فيه الصعوبات التي يواجهها اقتصادها واضحة الآن.
وتوضح هذه الضربات الأخيرة في عمق الأراضي الروسية، مرة أخرى، الجهود التي تبذلها أوكرانيا في مجال إنتاج الطائرات بدون طيار، وخاصة الطائرات طويلة المدى. فعلى مدى العام الماضي، مكنت هذه الذخائر الموجهة أوكرانيا من ضرب أهداف تقع في بعض الأحيان على بعد أكثر من ألف كيلومتر بشكل مستقل، من دون الاعتماد على إذن من حلفائها الفرنسيين أو البريطانيين أو الأمريكيين لاستخدام الصواريخ التي يوفرونها لكييف. ولكن ليس من الواضح إلى أي مدى تستفيد هذه الضربات التي يتم تنفيذها باستخدام طائرات بدون طيار أوكرانية من مساهمة الاستخبارات الغربية.
بالإضافة إلى ذلك، أدت ضربة صاروخية روسية يوم الجمعة إلى إصابة سبعة أشخاص وألحقت أضرارا في مركز أوديسا التاريخي المدرج في لائحة اليونسكو، وهي مدينة ساحلية رئيسية في جنوب أوكرانيا، حسبما ذكرت السلطات المحلية. واعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الأمر يتعلق بهجوم «متعمد» بصواريخ بالستية. في المقابل، اتّهمت موسكو الجمعة القوات الأوكرانية بقتل إثنين وعشرين شخصا في قرية روسية محتلة من بينهم ثماني نساء تمّ اغتصابهن ثم قتلهن وفق لجنة تحقيق روسية.
بوتين يضع شروطه للتفاوض
وأمام ضغوط الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب على كييف وموسكو لوضع حد للنزاع الدائر منذ نحو ثلاثة أعوام في أوكرانيا، اشترط فلاديمير بوتين، بداية هذا الأسبوع، توقف إمداد أوكرانيا بالسلاح والمال من أجل التفاوض لإنهاء النزاع. وقال الرئيس الروسي: «النزاع يمكن أن ينتهي في غضون شهرين أو أقل إذا أوقف الغرب دعم كييف. لن يصمدوا شهرا إذا نفد المال أو الذخائر عموما. كل شيء سينتهي في شهر ونصف شهر أو شهرين».
لكنّ الرئيس الروسي استبعد التحدث مباشرة مع نظيره الأوكراني واصفاً إياه بأنه «غير شرعي». وردّ فولوديمير زيلينسكي بالقول إن بوتين «يخشى» المفاوضات ويستخدم «حيلا خبيثة» لإطالة أمد الحرب، محذرا من استبعاد بلاده من أي محادثات سلام بين روسيا والولايات المتحدة. ولم ترد، حتى الآن، أي مؤشرات تدل على احتواء التصعيد في النزاع رغم تعهّد ترامب التوصل إلى هدنة سريعة عند توليه سدّة الرئاسة الأمريكية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة، إنه سيتحدث مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وإنه يعتقد أنهما ربما «يفعلان شيئا مهما».