نواكشوط –»القدس العربي»: لم تكن الدورة السادسة من المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم الذي ينظمه مفتي الإمارات الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى أبو ظبي للسلم ومفتي دولة الإمارات منذ سنوات بدعم إماراتي، هذه المرة حدثاً عادياً ينظم كعادته في العاصمة الموريتانية؛ فعلى الرغم من استمرار فعاليات هذا المؤتمر واختتامها وفق البرنامج المعلن، فإن مشهدي افتتاحه واختتامه حملا مؤشرات سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، دفعت مراقبين إلى طرح سؤال مباشر: هل دخلت العلاقات بين موريتانيا والإمارات مرحلة فتور بعد سنوات من التنسيق الوثيق الذي يشكل هذا المؤتمر أحد أبرز مظاهره؟
سابقة بروتوكولية لافتة
منذ عام 2019، ارتبط تنظيم المؤتمر بحضور رسمي رفيع من طرف الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دأب شخصيا على افتتاح دوراته في ظل رعاية إماراتية مباشرة يقودها الشيخ عبد الله بن بيّه، رئيس منتدى أبو ظبي للسلم ومفتي دولة الإمارات.
غير أن دورة هذا العام كسرت هذا النسق؛ إذ وصل ابن بيّه إلى نواكشوط وغادرها على متن طائرة خاصة متوجهاً إلى المغرب دون استقبال أو توديع رئاسي، في سابقة منذ إطلاق المؤتمر؛ واكتفى الوزير الأول المختار ولد اجاي بترؤس حفل الافتتاح وإلقاء كلمة باسم الحكومة.
كما أُقيم الحفل في قصر المؤتمرات القديم بدلاً من القصر الجديد الذي احتضن الدورات السابقة، في تفصيل بروتوكولي قرأه بعض المتابعين كإشارة إلى خفض مستوى التمثيل الرسمي في هذا اللقاء الذي يعتبر بوابة تسعى الإمارات من ورائها لجذب المشائخ والنخب الدينية إلى فسطاطها.
هل هناك مقاطعة عربية منسّقة؟
إلى جانب الغياب الرئاسي، شهد حفل الافتتاح مقاطعة واسعة من أغلب السفراء العرب المعتمدين في نواكشوط، وذلك لأول مرة حيث دأب السفراء العرب على احتلال المقاعد الأمامية في صالة المؤتمر. ووفق مصادر دبلوماسية متطابقة، فإن المقاطعة جاءت نتيجة تنسيق داخل السلك الدبلوماسي العربي قادته كل من المملكة العربية السعودية والجزائر.
وتشير هذه المصادر إلى أن الخطوة حملت رسالة سياسية واضحة تجاه الجهة الراعية للمؤتمر، أي الإمارات العربية المتحدة، في ظل اتهامات متداولة لبعض الأطراف العربية لأبو ظبي بلعب أدوار مثيرة للجدل في ملفات إقليمية حساسة، خاصة في السودان واليمن.
إعادة تموضع أم رسالة تحفظ؟
ويرى مراقبون أن غياب الرئيس غزواني قد لا يعني قطيعة، لكنه يعكس على الأقل قدراً من التحفظ أو إعادة التموضع في ظل بيئة إقليمية متغيرة. فموريتانيا، التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى تقديم نفسها كمنصة حوار ووساطة في الفضاءين الإفريقي والعربي، تجد نفسها اليوم أمام توازنات دقيقة داخل البيت العربي.
قراءات لخفايا مجريات المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم
وفي هذا السياق، يقرأ بعض المحللين الغياب الرئاسي كرسالة مزدوجة: فهو يعني على المستوى الداخلي تأكيد استقلال القرار الموريتاني وعدم الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، كما أنه قد يعني على المستوى الخارجي طمأنة أطراف عربية أخرى بأن نواكشوط لا تصطف بشكل كامل ضمن المحور الإماراتي.
جدل الأولويات: أين غزة؟
ومن بين الأسئلة التي طُرحت بقوة على هامش المؤتمر داخل الأوساط الإعلامية والسياسية: لماذا لا يُدرج ملف السلام في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن أولويات المؤتمر؟ وهل يعكس ذلك انتقائية في مقاربة قضايا السلم؟
ويتغذى هذا الطرح على مناخ عربي منقسم، حيث تتباين المقاربات تجاه ملفات فلسطين، والسودان، واليمن، وليبيا، ما يجعل أي مبادرة إقليمية عرضة لتجاذبات تتجاوز أهدافها المعلنة.
الزخم الرمزي والسياسة
رغم الجدل، يؤكد منظمو المؤتمر أن أشغاله تواصلت واختتمت بمشاركة وفود إفريقية ودولية، وأن أهدافه الفكرية والدينية في تعزيز ثقافة السلم لم تتأثر.
غير أن القراءة السياسية للمشهد توحي بأن الدورة السادسة شكّلت اختباراً غير مباشر لطبيعة العلاقات بين نواكشوط وأبو ظبي: فهل نحن أمام مجرد سحابة صيف عابرة، أم أن الأمر يعكس تحولات أعمق في خريطة التحالفات العربية في غرب إفريقيا؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات رسمية على توتر معلن بين العاصمتين، لكن الرسائل البروتوكولية والدبلوماسية التي رافقت المؤتمر تفتح باب التأويل واسعاً.
والأكيد أن ما جرى في نواكشوط يتجاوز إطار مؤتمر فكري، ليعكس اهتزازاً في توازنات إقليمية أوسع… ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كان ذلك بداية مرحلة جديدة أم مجرد إعادة ضبط إيقاع بين شركاء لم يُعلنوا بعد نهاية «شهر العسل».