يقول د. ألان دونو في كتابه نظام التفاهة: «لقد تبوأ التافهون موقع السلطة»، حيث يكمل «ما هو جوهر كفاءة الشخص التافه؟ إنه القدرة على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر. معاً، يدعم التافهون بعضهم بعضاً، فيرفع كل منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعةٍ تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع. ما يهم هنا لا يتعلق بتجنب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السلطة» (70-71). ولأننا نحيا حالياً معظم حيواتنا بداخل وسائل التواصل الاجتماعي التي تمنع الغربلة وتحتضن كل أنواع وأصناف البشر، فإن الأغبياء من جنسنا عادة هم من يعتلون أشهر منابر هذه الوسائل، ذلك لأنهم أكثر عدداً، وأشد تماسكاً وتكاتفاً، وأعلى صوتاً، حيث إن علو الصوت وانحدار الأسلوب والتخلي التام عن القواعد الأخلاقية للتواصل والتعبير عن الرأي لا تشكل بالنسبة لهم أي مشكلة ولا تتسبب لهم بأي إحراج.
لا تفوتني مفارقة أن كتابتي حول الموضوع وكأنني خارجه، أي وكأنني أتفرج على الأغبياء ولست منهم، قد يصمني بالغباء بحد ذاتي. ذلك أن الغبي لا يرى في نفسه الغباء والذكي لا يدعي لنفسه الذكاء، في حين أنني لا أرى في نفسي لا هذا ولا ذاك ولا أعرف كيف تصنفني رؤيتي تلك. كما ولا تفوتني مفارقة استشهادي ها هنا بكلام الدكتور سام فاكنين، أستاذ علم النفس الإسرائيلي، الذي «يعترض» على «الصراع» الدائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، متخذاً موقفاً مائعاً من المجزرة الأكبر والأكثر ترويعاً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. يقول فاكنين، والترجمة لي: «الغباء، وتحديداً الغباء البالغ، قد أصبح تكيّفاً تطورياً إيجابياً. الأغبياء يقيمون المخاطر بشكل أقل جودة، لذا هم مستعدون لأن يجتاحوا العالم دون خوف من تبعات تصرفاتهم. هذا يجعلهم رياديين أفضل، رجال أعمال أفضل، سياسيين أفضل. الأغبياء تكون لديهم فرصة ممارسة الجنس أعلى من الأذكياء، تلك حقيقة موثقة في عدد كبير من الدراسات، لذا نجاحهم التكاثري هو أعلى بكثير. الأغبياء هم في كل مكان، الأغبياء وبالغو الغباء يشكلون الأغلبية العظمى من البشرية، لذا هم يتحدون معاً، يشكلون فريقاً، يتعاون بعضهم مع بعض، ويحصلون على نتائج، نتائج مرضية».
ورغم وضوح ذكاء قائل هذه الكلمات، فإن غباء العنصرية والولاء على ما يبدو استطاعا السيطرة على كلماته لتتحول من خلالها حرب الإبادة إلى صراع، الاعتداء على المدنيين إلى حرب، والاحتلال العسكري الصريح إلى خلاف في وجهة النظر على ملكية الأرض. المفارقة أننا إذا تركنا شخص القائل على جنب، فإن مقولته تنطوي على كثير من الصحة من حيث انطباقها على كثير من سياسيي وقادة العالم، وعلى رأسهم حليف «دولته» إسرائيل، الذي يعد «أقوى رجل في العالم» والذي يحكم «أقوى دولة على الأرض». لقد تعدت تصريحات وقرارات ترامب كل عقل ومنطق، معلنة وبوضح عن ابتداء مرحلة جديدة متطورة من عصر التفاهة، حيث تُدار أقوى حكومة في العالم بنرجسية مريضة و«أنا» خرفة تافهة وعنصرية معقدة. تتضخم هذه المصيبة بواقع أن طبيعة الحكومة الأمريكية تشكل إلى حد كبير طبيعة السياسة العالمية وأنظمة الحكم والحكومات المختلفة. فعلى سبيل المثال، في عهد ريغن المحافظ، قويت شوكة الحركات الدينية عالمياً، وفي عهد كلينتون المتحرر توسعت الأيديولوجية التحررية، وفي عهد أوباما المتزن الأكاديمي اتزن الخطاب السياسي بعض الشيء، وفي عهد ترامب الاقتصادي العنصري الجشع غريب الأطوار مجنون الخطاب، انتشر جنون الرأسمالية وتفشت العنصرية الوقحة العلنية وصعد غريبو الأطوار والمجانين إلى مراكز القوى وصنع القرار (ليس أقلهم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، والمسؤول في الوزارة الوهمية المستحدثة للكفاءة الحكومية حالياً إيلون ماسك). التوجه المشترك بين كل هذه العهود هو ولاء القيادة الأمريكية الذليل للكيان الصهيوني، واعتراف كل المذكورين آنفاً، بل وكل رئيس لأمريكا، ذكياً كان أم غبياً، بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وعليه، منذ بداية حقبة ترامب الأولى والعالم يتجه بجنون نحو هاوية العته النرجسي وجنون العظمة المغلف بالعنصرية. ومثل كل غبي في مركز صنع القرار، يُقبل ترامب إقبالاً بشعاً على المغامرة غير المقدّرة، ما يجعله أكبر حظاً في إحراز نجاحات هائلة. هو لا يفكر في تبعات قراراته ولا في تأثيرها على الآخرين. لذا، هو لا يمر بمرحلة تقييمية لهذه القرارات، وتباعاً لا يستشعر أي تأنيب ضمير تجاه نتائجها. في العموم، من واقع تحليل دونو وفاكنين، يبدو أن الأغبياء يقتربون من كونهم مضطربين عقلياً أو عصابيين، غير قادرين على تقييم نتائج سلوكياتهم ولا على التفكير في آثارها على الآخرين، غير متمكنين من التفاعل العاطفي الطبيعي، ما يجعل آلام ومعاناة وأحزان ومآسي الناس حالات غير مؤثرة بالنسبة لهم، لا تتدخل في صنع قراراتهم ولا تتفاعل مع تقييمهم للأمر. حين يحكم هؤلاء المرضى العالم، إلى أي مصير محتوم تتجه البشرية؟
اليوم ينتشر الغباء السياسي بدرجة وسرعة مخيفين، ما يشي بعالم ديستوبي مرعب مقبل علينا سريعاً، ذلك أن القيادة الغبية سرعان ما يلتف حولها من هم على شاكلتها لتتطور الأمور بأسرع مما في الحسبان، وليس أقرب مثال على ذلك من التفاف الناس حول ترامب رغم غرابة ونرجسية وفداحة تصريحاته وقراراته، حتى إن أحداث وحركات تشكلت إبان فترتي حكمه، ما كانت لتخطر على البال، مثل عودة حركة تفوق البيض، وتراجع الحقوق النسوية والجندرية، وفوضى اقتحام الكونغرس في 2021 التي لربما لم تشهد الولايات المتحدة مثيلتها في الزمن المعاصر.
والآن، ترامب يريد تحويل غزة إلى منتجع بعد شرائها، ويريد توزيع أهلها على الدول المحيطة قسراً، ويريد شراء غرينلاند، وهذه فقط آخر تشكيلة من التصريحات المجنونة للرجل الذي يقود العالم والذي ترتاح سبابته على زر إطلاق القنابل اليدوية. إنه عصر التفاهة، ولكنها ليست أي تفاهة، بل هي تفاهة معجونة بالعنصرية، مزركشة بالنرجسية، مقادة بالرأسمالية الجشعة لواحد من أشرس أغنياء العالم، ومسنودة ومسددة بأخطر أنواع الأسلحة وأكثرها تطوراً. لقد توقعت البشرية فناءات عدة: أن تقتلها الحروب، والتلوث، والعوامل الطبيعية، والنيازك الفضائية، بل وحتى كائنات غير أرضية قادمة من أبعاد أخرى، ما لم تتوقعه البشرية إلى حين قريب هو أن يقتلها غباؤها. يا لها من نهاية مخزية!