العلوم الإنسانية ومهن المستقبل

حجم الخط
0

هناك اعتقاد سائدٌ متوارث عن ثقافة معينة تنظر إلى العلوم الإنسانية نظرة دونية في علاقتها بسوق العمل. وهو اعتقادٌ يتأسس على مفهوم يجعل المهنة مرتبطة بالتكوين العلمي التقني الدقيق، وفُرص العمل محجوزة لخريجي جامعات العلوم الفيزيائية والرياضية والمعاهد التقنية. وعندما تتوارث الأجيال هذا الاعتقاد، فإن التحرر منه يتطلب إعادة النظر في الوظيفة الجوهرية للعلوم الإنسانية أولا، ثم إنتاج وعي بطبيعة المهن التي لها علاقة مباشرة بالعلوم الإنسانية. كلما تطورت التقنية، انتقلت المفاهيم من دلالات إلى أخرى، وتغيرت علاقاتنا مع أنفسنا ومع الأشياء. وعندها نُعيد طرح السؤال القديم: من نحن؟
إن تجديد السؤال حول «من نحن» يأخذنا مباشرة إلى العلوم الإنسانية، التي تجعل من الإنسان موضوعا للتفكير. وعندما نتحدث عن العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، والمفاهيم المرتبطة بهذا العصر التقني مثل: السرعة والسيولة والافتراضي والخوارزميات والأتمتة والروبوت وإنترنت الأشياء، وغيرها من المفاهيم التي تحدد طبيعة هذا التحول التاريخي الرقمي، فلأننا نطمح إلى الاقتراب من فلسفة هذا العصر وأدواته الوسائطية، التي باستخدامها تنتقل البشرية من عالم تحكمه تمثلات ينتجها الإنسان، إلى عالم يقترح تصورات تنتجها التكنولوجيا، وعلى العلوم الإنسانية إنتاج الوعي المعرفي بها، وإحداث الفهم بدلالاتها، وصياغة المعنى بالوجود الإنساني في عالم يتغير بسرعة سائلة، ويتطور فيه الذكاء الاصطناعي بشكل سريع وخطير، ما يترتب عنه تغييرات لا يتوقعها عقل الإنسان، وتؤدي إلى تحول المجتمع، وهو ما يتم التعبير عنه بـ»التفردية التكنولوجية»، المفهوم الذي يختصر تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة جامحة، وبشكل غير متوقع، ما يؤدي إلى تغييرات مجتمعية جذرية قد تؤثر في الوجود البشري، لهذا يتم الحديث عن التفردية التكنولوجية في علاقة بمستقبل الإنسان. وهو مفهوم طرحه جون فون نيومان، في الخمسينيات من القرن العشرين، وطوره لاحقا كل من فيرنور فينج في مقالة نشرها عام 1993 تحمل عنوان المفهوم نفسه، التي تخيل فيها سيطرة التكنولوجية، وانفجار الذكاء الاصطناعي، وتفوقه على الذكاء الإنساني، ما قد يؤدي إلى تغيير في الوجود البشري، وراي كورزويل العالِم المستقبلي، الذي اعتبر التفرد نقطة زمنية يتغير فيها كل شيء ولا يعود شيء كما كان. إن كل متتبع لسرعة تطور الذكاء الاصطناعي، وباقي التكنولوجيا الرقمية، لا شك أنه يطرح السؤال نفسه وبصيغة مستقبلية: من نكون في المستقبل؟
تشكل العلوم الإنسانية أهم مجال علمي لتحليل هذا السؤال المتجدد، وفق المستجدات التقنية التاريخية، وبتجاوز العلوم الإنسانية، وعدم الاهتمام بدورها الحضاري في تحليل وضعية الإنسان مع التقنيات التكنولوجية، ومستقبل الإنسان مع سلطة الأتمتة، ومصير الفكر البشري، يتم إقبار سؤال «من نكون في المستقبل؟ والتخلي عن مواجهته، ما يمنح للتفردية التكنولوجية سلطة التحقق، والتحكم في الفعل الإنساني، وإدماج العقل البشري في منطقها، وعندها تنتقل البشرية إلى إشكالية تاريخية قد تُصاغ بالشكل التالي: هل يستطيع الإنسان أن يستعيد إنسانيته؟ نستطيع من هذا المدخل إعادة الانتباه إلى الدور الجوهري للعلوم الإنسانية في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأهمية تطوير العلوم الإنسانية ومناهجها بعلاقة بالتكنولوجيا، من أجل تحليل الأوضاع الاجتماعية والرمزية للإنسان، والتفكير في موقع الإنسان في هذه السيولة الرقمية، وإنتاج وعي علمي وثقافي بتحديات التكنولوجيا ومخاطر التفردية التكنولوجية.
ولعل أول عملية فكرية لتحيين الدور التاريخي للعلوم الإنسانية، وتهيئها للتفكير في موضوعها المركزي وهو الإنسان، يتطلب الأمر تطوير العلوم الإنسانية وربط مجالها بالبيئة الرقمية، واستثمار الخدمات التكنولوجية في مناهجها، من أجل دراسة وتحليل أوضاع الإنسان في العصر الرقمي، وما ينتج عن ذلك من تغييرات في كل مناحي الحياة، بالانتقال من العلوم الإنسانية إلى الإنسانيات الرقمية.
تدعو هذه العملية إلى تطوير البيئة الأكاديمية بجعلها تلج المناخ الرقمي بجودة توظيف الوسائل التدبيرية، وتفعيل وظيفتها لتكون فاعلة، وليس مجرد أدوات تجميلية. مع تنزيل مفهوم البحث العلمي إلى أرض الواقع بالفضاء الجامعي، وتمكين الباحثين من مناخ صحي لممارسة البحث العلمي.
وتتمثل العملية الثانية في تطوير الوحدات التكوينية بجعلها تنتمي إلى حقل الدراسات الرقمية، وربط العلوم الإنسانية بالتكنولوجيا، وإدارة الربط بينهما برؤية تستجيب للدور التاريخي والجوهري للعلوم الإنسانية في كونها تُنتج الفهم، وتحلل الأوضاع، وتفكك التحول، وتهيئ النخبة التي تتدبر أمر تحليل المجتمع وأفراده. يتطلب ذلك من مدبري الشأن في التكوين العلمي للعلوم الإنسانية، التفكير بجدية في المهارات الحياتية، ليس بالمعنى المعزول عن جديد المهن، وربط هذه المهارات بمجرد تنمية ذاتية تُفيد الطالب والباحث في حياته الخاصة، وعلاقته مع محيطه وذاته، وإنما الحاجة إلى المهارات تدخل في سياق جديد له علاقة بكيفية مواجهة الذكاء الاصطناعي والروبوت. ونقصد بالمهارات الذاتية: الفكر النقدي والتواصل، وحل المشكل، والتأقلم مع وضعيات أزمة، والعمل الجماعي والابتكار، يُضاف إلى ذلك المهارات الرقمية أي مهارات القرن الحادي والعشرين. وعندما ننظر في متطلبات المهن الجديدة فإننا نلاحظ اعتمادها على هذه المهارات التي أصبحت مطلوبة بنسبة عالية في فرص العمل. وتأتي الحاجة إلى هذه المهارات إلى تحديات التكنولوجيا المتطورة التي تحتاج إلى مهارات تساعد الإنسان على استثمار خدماتها، والحد من اختراقها للعقل البشري، إلى جانب أهميتها في المنافسة في فرص العمل بين الإنسان والروبوت، وكيف يستطيع الإنسان أن يتحكم في فرص العمل بمهاراته الذاتية الحياتية، التي لن تتكيف التكنولوجيا المتطورة معها، لكونها تعتمد في منتوجها على توليد النماذج مما أنتجه الإنسان وعقله وفكره وإبداعه.
تبدأ العلوم الإنسانية في الولوج إلى عالم المهن الجديدة ذات العلاقة بالتكنولوجيا وابتكاراتها تدريجيا، بعد أن تكون قد انخرطت في العصر الرقمي، وطورت مناهجها، واشتغلت على موضوعها، الإنسان الذي يعرف سرعة شديدة في التحول. وكما يشير كثير من علماء المستقبل الذين تنبأوا بتطور التكنولوجيا ووصولها إلى التفردية التكنولوجية، وقدرة التقنيات الذكية على ابتكار تقنيات أسرع منها، فإن المخاوف من تكنولوجيا المستقبل، تدفع إلى التفكير في كيفية التقليل من هذه المخاطر، وعدم تجاوز الإنسان وعقله، وتحضر العلوم الإنسانية والخيال الأدبي، إمكانيات علمية ومعرفية لتحليل واقع سرعة الابتكار فلسفيا، وإنتاج فهم بما سيحدث.
بعيدا إذن عن المهن الجديدة التي يمكن للعلوم الإنسانية الولوج إليها مثل: محلل بيانات اجتماعية، علم النفس الرقمي، علم الاجتماع الرقمي، الكتابة الرقمية، الحوسبة، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، محلل التواصل الرقمي، مصمم محتوى ثقافي رقمي، متخصص في المكتبة الرقمية إلى جانب كل المهن ذات العلاقة المباشرة بالعلوم الإنسانية، يُضاف إلى التكوين الرقمي مثل: باحث في التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا وغيرها رقميا، باستطاعة العلوم الإنسانية أن تلعب دوراً مركزياً في مهن المستقبل، بشرط أن يتم تحديث التكوين الجامعي ومناهجه بما يتناسب والتحولات الرقمية. وعليه، فإن كل رؤية تعليمية علمية لا تنشغل بسؤال تطوير العلوم الإنسانية إلى الإنسانيات الرقمية، ولا تهتم بمهارات القرن الحادي والعشرين في التكوين العلمي، وغير منسجمة مع الدور الحضاري للعلوم الإنسانية باعتبارها حقلا معرفيا يُحلل التحول التاريخي الذي تُحدثه التقنية، فإن الرؤية تظل مصابة بعطب تاريخي، قد يأخذ الأجيال الجديدة إلى «التفرد» الذي يشير إلى نقطة مستقبلية يصبح فيها الذكاء الاصطناعي خارج سيطرة البشر.

كاتبة مغربية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية