العلاقات الكندية الأمريكية تتصدّع وواشنطن تستغل ورقة التهديدات الانفصالية للضغط على أوتاوا

خالد الحمادي
حجم الخط
0

أوتاوا ـ «القدس العربي»: أصيبت العلاقات الكندية الأمريكية منذ مطلع العام الجاري بشرخ كبير وتصدّع غير مسبوق في تاريخ هذه العلاقة التي كانت توصف بـ«التكاملية» و«الاستثنائية»، وذلك إثر تهديدات واشنطن بتدمير الاقتصاد الكندي والتلويح بضم كندا إلى الولايات المتحدة، واستغلال شبح التهديدات الانفصالية في مقاطعة ألبرتا الكندية، لاستخدامها كورقة ضغط على أوتاوا، لإجبارها على الرضوخ للسياسة الاقتصادية التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب.
ووصلت العلاقات الكندية الأمريكية، في الآونة الأخيرة، إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، في ظل تصاعد النزاعات التجارية بينهما، وارتفاع نبرة الاتهامات وتبادل الخطابات السياسية الحادة بين واشنطن وأوتاوا، بالإضافة إلى الظهور «المقلق» للدعم الأمريكي للحركة الانفصالية في مقاطعة ألبرتا الكندية، المحاذية للحدود الأمريكية والغنية بالثروات النفطية.
وتمثل أزمة العلاقات الثنائية الراهنة بين هذين البلدين الجارين، وهما اللذان يشكلان قارة أمريكا الشمالية، خروجًا جذريًا عن الأعراف التاريخية لخصوصية العلاقات الاستثنائية بين البلدين، وتشكّل منعطفا خطيرا في مسار التكامل الاقتصادي بينهما، قد تدفع ثمنه الأسواق الكندية والأمريكية على حد سواء، إثر تداخل العملية التجارية والحركة الاقتصادية بينهما.
ويرجع جوهر هذا الخلاف والتدهور في العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا إلى السياسات والتصريحات المتطرفة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه كندا، ومجابهة ذلك بموقف دفاعي حاد من قبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، وتزامن ذلك مع صعود انتهازي لحركات انفصالية في مقاطعة ألبرتا، بدعم لوجستي وتشجيع من قبل الإدارة الأمريكية الحالية، وهو ما أثار حفيظة الحكومة الكندية وخلق مخاوف وتساؤلات جدّية وعميقة حول تأثير ذلك على الاستقرار الاقتصادي وعلى السيادة الكندية، وعلى مستقبل الديناميكيات الجيوسياسية في أمريكا الشمالية برمّتها.
ودخلت «العلاقة الخاصة» تاريخيا بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة اضطراب غير مسبوقة، تتسم بخصومة وعداوة دبلوماسية علنية، على خلفية تهديدات الولايات المتحدة المعلنة بضم كندا إلى أراضيها، ومغازلة صادمة من جانب واشنطن لحركات انفصالية محلية في كندا.

بواعث التوتّر

شهدت العلاقات الكندية الأمريكية مؤخرا تدهورًا تدريجيًا ولكنه متسارع، بدأ في حرب تجارية شاملة مطلع شباط/فبراير 2025، حين أشعلت إدارة الرئيس ترامب فتيل هذا الصراع بفرض تعريفات جمركية مرتفعة على الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، وهي خطوة ألقت بظلالها القاتمة على الاقتصاد الكندي وكان لها الأثر السلبي عليه، ومن المتوقع أن تؤثر على ناتجه المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام الجاري 2026، إثر تفاقم هذا الضغط الاقتصادي بسبب الخطاب العدائي المتكرر للرئيس الأمريكي ترامب تجاه كندا.
وفي حين بدأ الصراع الكندي الأمريكي منذ الصعود الثاني للرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن، مطلع العام 2025، بتلميحاته المتكررة إلى ضم كندا للولايات المتحدة ووصفه لكندا بالولاية الواحدة والخمسين الأمريكية، أدرك الحزب الليبرالي الحاكم في كندا أن قيادة الحكومة الكندية تحتاج إلى شخصية اقتصادية قوية تضاهي الخبرة الاقتصادية التي يتمتع بها ترامب، لتتعامل معه بندّية وتخاطبه بنفس لغة الأرقام، فقرر تغيير قيادة الحزب والحكومة وقام باختيار الخبير الاقتصادي الكندي البارز مارك كارني، لرئاسة الحزب ومن ثم رئاسة الحكومة، وهو الرئيس الأسبق لبنك كندا المركزي والرئيس الأسبق لبنك إنكلترا البريطاني ومهندس اتفاقية بركسيت بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والذي يحظى بحضور اقتصادي عالمي مرموق.
وفي غضون أسابيع قليلة أجرى الحزب الليبرالي انتخابات داخلية انتخب فيها كارني لرئاسة الحزب وعقد انتخابات برلمانية مبكرة أفضت عن فوز كارني في مقعد برلماني بأوتاوا وفوز الحزب بأغلبية نسبية أهّلته لتشكيل الحكومة الفيدرالية الكندية برئاسة مارك كارني، خلفا لجاستن ترودو، في آذار/مارس 2025.
وبدأ كارني فترته القيادية للحكومة بملفات اقتصادية من العيار الثقيل، جراء المواجهات الشرسة مع التحديات الاقتصادية والضغوط الأمريكية المتتالية التي وصلت حد التصادم والمعاملة بالمثل في العديد من الحالات، رغم الفارق الكبير في موازين القوى بين الولايات المتحدة وكندا اقتصاديا وعسكريا وكثافة سكانية. ودشّن كارني فترته الرئاسية في الحكومة بتواصلات ومباحثات وجولات مكوكية إلى دول الاقتصاديات الكبرى، ابتداء بدول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مرورا بالصين والهند، وانتهاء بدول الخليج العربي، وقام بـ«تصفير الخلافات» السابقة، وأبرم صفقات اقتصادية استراتجية غير مسبوقة معها، وهو ما أثار حفيظة الإدارة الأمريكية.
وتطورت هذه الخلافات بين واشنطن وأوتاوا لتصبح صراع «رؤى عالمية» حول إدارة الاقتصاد العالمي بين زعيمي البلدين، ترامب وكارني، واللذين تباريا وجها لوجه في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي حيال هذا الشأن، منتصف الشهر المنصرم، وهو ما دفع ترامب إلى تصعيد خطابه تجاه كندا والتهديد بإجراءات اقتصادية عقابية برفع التعرفة الجمركية إلى 100 في المئة على الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، في حين أطلق كارني حملة «مقاطعة ضمنية» للبضائع والمنتجات الأمريكية بدعوته الشعب الكندي إلى التحوّل الكامل نحو شراء المنتجات الكندية.
ويعود تصاعد حدة هذا «الصدام الخطابي» بين ترامب وكارني إلى إعلان الأخير في منتدى دافوس أن «النظام القديم لن يعود» في إشارة إلى النظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، ودعا القوى المتوسطة إلى التكاتف ضد «الإكراه الاقتصادي» الأمريكي، وهو ما اعتبره ترامب خطابا مستفزا وموجها له ولسياساته الاقتصادية، فقابله برد انفعالي، وأعلن أن «كندا تعتمد على الولايات المتحدة» في نظامها الاقتصادي والدفاعي وغيره.
وأسهم في تأجيج هذا الصراع المتبادل بين البلدين، إبرام رئيس الوزراء الكندي صفقة شراكة اقتصادية استراتيجية مع الصين، قبيل منتدى دافوس بيومين، تضمنت تخفيض الصين للتعرفة الجمركية على المنتجات الزراعية الكندية وتحديدا محصول الكانولا، مقابل سماح كندا بدخول السيارات الصينية الكهربائية إلى الأسواق الكندية، وهي الخطوة التي جنّنت ترامب واتهم كارني فيها بتحويل كندا إلى «ميناء تسليم» للبضائع الصينية المتجهة نحو الأسواق الأمريكية، معتبرا ذلك تهديدا خطيرا للمنتجات الأمريكية الرائدة في هذا المجال.

النفوذ الأمريكي في الاقتصاد الكندي

على الرغم من المكانة الاقتصادية العملاقة عالميا لكندا إلا أن الولايات المتحدة تعد القوة المهيمنة على الاقتصاد الكندي، لا سيما في سيطرتها على قطاع إنتاج النفط والطاقة، نظرا لما تمثله الرمال النفطية في مقاطعة ألبرتا الكندية من أهمية كبرى، كأحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، التي يعد الاستثمار الأمريكي فيها حجر الزاوية لأمن الطاقة في أمريكا الشمالية برمّتها.
تستغل الولايات المتحدة هذا النفوذ الاقتصادي بشكل متزايد كوسيلة ضغط على الحكومة الكندية، والذي تتوّج مؤخرا بتهديدات الرئيس ترامب بفرض تعرفة جمركية عقابية بنسبة 100 في المئة على المنتجات الكندية إذا استمرت أوتاوا في «عقد صفقات» تجارية مع الصين، مستهدفًا على وجه التحديد صادرات الطاقة والزراعة التي تُحرك اقتصاد غرب كندا، وفي مقدمتها مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط والثروات المعدنية.
وتحتفظ شركات الإنتاج النفطي الأمريكية بحضور قوي في قطاع النفط والغاز بمقاطعة ألبرتا الكندية، من خلال عملياتها المباشرة وحصص ملكيتها الكبيرة في كبرى شركات الإنتاج النفطي الكندية. وبحلول العام الجاري 2026، سيطرت رؤوس الأموال الأمريكية على غالبية شركات الوقود الأحفوري في كندا، حيث بلغت حصة الأسهم الأمريكية ما يقارب 60 في المئة من ملكية هذا القطاع.
وتسيطر شركات النفط والمستثمرون الأمريكيون على نصيب كبير في سوق الطاقة الكندية، لا سيما في رمال ألبرتا النفطية. وتُمارس هذه السيطرة الأمريكية من خلال عمليات الشركات النفطية الأمريكية ومستويات عالية من ملكية المؤسسات في الشركات الكندية الكبرى.
ووفقا للمصادر الاقتصادية الرسمية تمتلك الصناديق الأمريكية حاليًا ما يقارب 60 في المئة من إجمالي حصة السوق الكندي في جميع شركات النفط والغاز الكندية، ويمثل هذا زيادة عن حوالي 56 في المئة في أوائل العام المنصرم.
وذكرت أن الهيمنة الكبرى على قطاع الرمال النفطي في ألبرتا الكندية موزعة بين «الأربعة الكبار» لمنتجي رمال النفط وهم شركة الموارد الطبيعية الكندية، وشركة سينوفوس، وشركة إمبريال أويل، وشركة سانكور، وتقدّر ملكية الولايات المتحدة لهذه الشركات بنسبة 60 في المئة، بينما يصل إجمالي الملكية الأجنبية عموما (بما في ذلك الولايات المتحدة) إلى نسبة 73 في المئة. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الوجهة الأساسية للصادرات النفطية الكندية، حيث تستحوذ على نحو 95 في المئة من صادرات النفط والغاز الطبيعي الكندية.
يضاف إلى ذلك، اتسم النفوذ الأمريكي على صناعة السيارات في كندا بتكامل هيكلي عميق، عبر هيمنة شركات «ديترويت الثلاث» الأمريكية (فورد، وجنرال موتورز، وستيلانتس) على قطاع التصنيع في هذا المجال بكندا، رغم أنها تواجه حاليا تحديًا كبيرا من شركات صناعة السيارات اليابانية ومن تغيّرات السياسات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا.
فبينما كانت شركات صناعة السيارات الأمريكية تاريخيًا تُشكل ركيزة التجميع في كندا، فإن وجودها الفعلي حاليا آخذ في التضاؤل، حيث انخفضت حصة شركات «ديترويت الثلاث» من إنتاج السيارات في كندا إلى 23 في المئة، في العام 2025، بعد أن كانت وصلت إلى 56 في المئة في عام 2016، في حين أن شركتي تويوتا وهوندا اليابانيتين تنتجان حاليًا 77 في المئة من إجمالي السيارات المُجمّعة في كندا.
ولا تزال صناعة السيارات في كندا تعتمد بشكل أساسي على السوق الأمريكية، حيث يتم تصدير بين 88 إلى 92 في المئة من المركبات المصنعة في كندا إلى الولايات المتحدة، ويعد هذا المنتج من القطاعات الأكثر تضررا بموجات الصراع التجاري الكندي الأمريكي، حيث لا تزال التهديدات الأمريكية الأخيرة بفرض تعريفات جمركية عالية وغير مسبوقة تؤثر بشكل كبير على استراتيجية صناعة السيارات الكندية، ما دفع الحكومة الكندية الفيدرالية مؤخرا إلى اقتراح حوافز للشركات التي تحافظ على وجود قوي في السوق الكندية.

شبح التهديدات الانفصالية في ألبرتا

انتقلت الحركة الانفصالية في مقاطعة ألبرتا، التي كانت في السابق هامشية وغير مؤثرة، إلى صلب الحوار الوطني مطلع العام الجاري، حيث اكتسبت جماعات انفصالية مثل «ابقوا أحرارًا يا ألبرتا» وكذا «مشروع ازدهار ألبرتا» زخمًا إعلاميا، بفعل التشجيع والدعم اللوجستي الأمريكي في عهد إدارة ترامب الراهنة، والتي تضاعفت بعد الانتخابات البرلمانية الفيدرالية في كندا العام الماضي وما أعقبها من مواجهات واختلاف السياسات بين الحكومة المحلية في ألبرتا والحكومة المركزية في العاصمة أوتاوا.
ولم تعد الحركة الانفصالية في مقاطعة ألبرتا مجرد تعبير رمزي عن الإحباط أو مناداة بقضايا مطلبية أو سعيا إلى مطالب حقوقية، فقد انتقلت إلى أطوار متقدمة الشهر المنصرم من العام الجاري 2026، حيث نجحت الحركة الانفصالية في تصعيد غير مسبوق للقضية، عبر تقديم عريضة شعبية إلى هيئة انتخابات ألبرتا تطالب باستفتاء رسمي على انفصال المقاطعة عن كندا وإعلانها دولة مستقلة.
وفي حين تشير استطلاعات الرأي العام إلى أن نحو 30 في المئة فقط من سكان ألبرتا يؤيدون الانفصال حاليًا، فقد تبنت الحركة الانفصالية استراتيجية أكثر تأثيرا وفاعلية وذات توجه دولي. حيث يجادل المؤيدون للانفصال بأن الإمكانات الاقتصادية الكبيرة لمقاطعة ألبرتا تُكبّل بالسياسات المالية للحكومة الكندية الفيدرالية وبانعدام إمكانية الوصول إلى خط أنابيب النفط المؤدي إلى المحيط الهادئ، ما يدفعهم إلى التوجه جنوبًا، نحو الولايات المتحدة، للبحث عن «شريك طبيعي» أكثر فعالية في استثمار الموارد الاقتصادية الغنية في ألبرتا.
ويتمثل التطور الأكثر إثارة للجدل في الأوساط السياسية الكندية خلال الأسابيع الأخيرة، في التقارير التي تحدثت عن انعقاد «اجتماعات سرية» بين أعضاء في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة حركات انفصالية في مقاطعة ألبرتا، حيث كشفت مصادر إعلامية أمريكية وكندية النقاب عن عقد مسؤولين في الإدارة الأمريكية، سلسلة اجتماعات غير معلنة مع قادة من الحركة الانفصالية في مقاطعة ألبرتا الكندية، بمن فيهم زعيم حركة «مشروع ازدهار ألبرتا» المحامي المخضرم جيفري راث. مؤكدة أن هذه الاجتماعات تضمنت مناقشة طلب تمويل بخط ائتمان قيمته 500 مليار دولار من وزارة الخزانة الأمريكية لتمويل عملية انفصال مقاطعة ألبرتا عن كندا وانتقالها إلى دولة مستقلة، موالية للولايات المتحدة.
وضاعف من حدة التوتر الدبلوماسي بين البلدين الجارين وتغذية اشتعالها، قيام وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، بوصف مقاطعة ألبرتا الكندية بأنها «شريك طبيعي» للولايات المتحدة، واقتراحه أن «تنضم ألبرتا إلى الولايات المتحدة»، بمبرر التحايل على القيود التي تفرضها الحكومة الكندية الفيدرالية في أوتاوا على الحكومة المحلية في ألبرتا.
ورغم أن البيت الأبيض أوضح لاحقًا عدم وجود أي التزامات رسمية تجاه مطالب الانفصاليين في ألبرتا الكندية، إلا أن مجرد الإقرار بهذه المناقشات قوبل باستهجان كندي كبير، حيث وصفه رئيس الحكومة المحلية في مقاطعة كولومبيا البريطانية في غرب كندا، ديفيد إيبي، بـ«الخيانة»، كما قوبلت التصريحات الأمريكية بالاستنكار الحاد من قبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي طالب – بلغة شديدة اللهجة – واشنطن بـ«احترام السيادة الكندية».

المخاطر الاقتصادية
من التهديدات الانفصالية

تتفاوت المخاطر الاقتصادية على كندا، جراء شبح التهديدات الانفصالية في مقاطعة ألبرتا، بين التأثير المباشر القريب والتأثير العميق على المدى البعيد، في حال تصاعدت هذه التهديدات الانفصالية واستمرت بوتيرة عالية، وفقا للعديد من الخبراء الكنديين.
وأوضح خبير اقتصادي كندي في مقاطعة ألبرتا لـ«القدس العربي» أن الدعوات الانفصالية تبدو حاضرة إعلاميًا وشعبيًا إلى حد ما، لكنها ليست حاضرة بشكل كبير في أوساط الدوائر الاقتصادية كالغرف التجارية ومنظمات المجتمع الاقتصادي كدعوة انفصالية. غير أنه اشار إلى أن الغرف التجارية ومنظمات المجتمع الاقتصادي ترى أن دعوات الانفصال خلقت نوعا من الضبابية وغياب اليقين الذي يهدد استقرار المستثمرين في مقاطعة ألبرتا.
وبشأن المخاوف الاقتصادية جراء ذلك، قال «على الرغم من التأثير المحتمل لهذه الدعوات الانفصالية، إلا أن تأثيرها يظل أمرًا بعيد المنال بسبب التعقيدات القانونية للاتفاقات التجارية التي تشارك فيها ألبرتا تحت اسم الحكومة الفيدرالية»، مع الإشارة إلى أن عدم اليقين وضبابية المشهد، قد يجعل أنظار المستثمرين والشركات في حالة ترقّب.
مؤكدا أن ألبرتا تعد من المقاطعات الرئيسية التي تساهم في دخل الناتج المحلي الإجمالي الكندي، إذ وصلت مساهمتها فيه إلى قرابة 15 في المئة، حيث جاءت ألبرتا في المركز الثالث في قائمة أعلى المقاطعات في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 وفقًا لهيئة الإحصاء الكندية.
وأشار إلى أنه عند النظر إلى مساهمات ألبرتا في الاقتصاد الكندي للوهلة الأولى، يبدو جليًا أن هناك الكثير من التبعات السلبية التي قد تنعكس على كندا عموما في حال تمكنت من الانفصال عنها، حيث أن «ألبرتا مسؤولة عن تصدير ما قرابته 91 في المئة من النفط الكندي، ولكن هذا يعود أيضا بالسلب على ألبرتا ذاتها». معزّزا ذلك بدراسة أعدها مركز ماكدونالد لورير، ذكرت أن دعوات الانفصال في كيبيك في السبعينيات جعلت الشركات والمستثمرين يخرجون منها بسبب عدم اليقين والضبابية في المشهد السياسي في كيبك حينذاك.
وكانت قيمة صادرات مقاطعة ألبرتا الكندية إلى الولايات المتحدة بلغت في العام 2024، قرابة 162 مليار دولار كندي (الدولار الأمريكي يعادل 1.37 دولار كندي)، وفقًا للموقع الرسمي لحكومة ألبرتا، واحتل نصيب النفط الخام نحو 75 في المئة من إجمالي الصادرات الكندية من ألبرتا إلى الولايات المتحدة في العام ذاته.

الانعكاسات الاقتصادية
المستقبلية المحتملة

قد يواجه المستقبل الكندي العديد من التهديدات العميقة والتحديات المؤثرة على مستقبل الحياة العامة في شتى الصعد والمجالات، السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها، في حال استمرت السياسات الأمريكية حاليا ومستقبلا في فرض واقع جديد ينسف كل الأطر والقواسم المشتركة التي تم بناؤها خلال العقود الماضية والتي خلقت علاقات متميزة، استثنائية وتكاملية بين البلدين الجارين.
ووفقا للعديد من استطلاعات الرأي، أثارت تهديدات إدارة ترامب بشأن العلاقات الثنائية مع كندا، مخاوف أربعة أشخاص من كل خمسة كنديين، إلى جانب مخاوفهم من ارتفاع الرسوم الجمركية، وذلك في ظل تلويح دونالد ترامب المتكرر بضم كندا إلى الولايات المتحدة أو بوصفها «الولاية الحادية والخمسين».
ومن التهديدات المباشرة والملموسة التي تواجه الكنديين تعثّر تنفيذ بنود اتفاقية التجارة الحرة الأمريكية-الكندية، حيث تستخدم الولايات المتحدة «الرسوم الجمركية» كورقة ضغط في مفاوضاتها التي لا تنتهي مع كندا، في حين أن المخاوف تتصاعد في حال استمرت التوترات الراهنة بين أمريكا وكندا بهذا الشأن، حيث يُخشى أن تفضي إلى تدمير الاقتصاد الكندي، الذي يعتمد بدرجة أساسية على السوق الأمريكي، خاصة في حال قررت واشنطن فرض رسوم جمركية انتقامية على الصادرات الكندية، والتي قد تُلحق ضرراً بالغاً بقطاع إنتاج النفط في مقاطعة ألبرتا وفي صناعة السيارات في مقاطعة أونتاريو وصناعة الألمنيوم في مقاطعة كيبيك.
وبحلول العام الجاري 2026، وجدت كندا نفسها في مفترق طرق، حيث تُعد استراتيجية رئيس الوزراء كارني، الهادفة إلى تنويع التوجّه التجاري نحو آسيا وأوروبا، محاولة مباشرة لتقليل الاعتماد الاستراتيجي على السوق الأمريكي المتقلب، لكن الانعكاسات السلبية الفورية على الاقتصاد الكندي جراء الحرب التجارية مع الولايات المتحدة قد تشكل تهديداً كبيراً على مستقبل الاقتصاد الكندي وعلى الوحدة الوطنية في كندا ولو على المدى الطويل.
وعلى الرغم من ذلك يرى العديد من المراقبين أن استراتيجية كارني تظل خطوة مهمة ومُلحّة، وفي حال نجحت كندا في بناء علاقات اقتصادية قوية ومتينة مع الاقتصاديات الكبرى خارج الإطار الأمريكي، في أوروبا وآسيا، فإنها بذلك ستخلق وضعا اقتصاديا متينا وصلبا، وستعزز ورقتها التفاوضية مع الولايات المتحدة في أي مباحثات تجارية حالية ومستقبلية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية