يقول المثل «لا تحكم على الكتاب من غلافه»، ويبدو أن هذا المثل صادق إلى أبعد حد، فبعض الأغلفة أو العناوين مخاتلة، إذ تبعد القارئ عن مقصد الكتاب، فيتوهم أحداثا بعينها وفقا للعنوان، فعندما يبدأ القراءة يحمل معه الأفكار التي فسرها من العنوان. وهذا الأمر يشكل في أغلب الأحيان إرباكا للقارئ المتعجل، الذي يقدم قراءة لا تنحاز للموضوعية، بقدر ما تنحاز لأفكاره المسبقة عن الكتاب، وهذا اللبس يحدث في الغالب مع العناوين التي ترمز إلى شخصيات معينة اشتهرت بهذا الاسم أو ذاك.
لربما من يطلع على رواية «العقيد» للكاتبة الليبية كوثر الجهمي دون قراءة مضمونها، يذهب مباشرة للاعتقاد أنها تتحدث عن الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. لماذا؟ لأن الكاتبة ليبية والعنوان هو العقيد. دعونا نتساءل، هل بالضرورة تتناول الرواية الواقع كما هو لنحكم عليها، أم أنها وليدة العالم الروائي الذي يفسر الواقع من منطقه الخاص، دون أن يحشره في زاوية التوثيق؟
تقول رضوى عاشور: «الرواية فن مفتوح، مرن فضفاض، أقرب لحوت الأسطورة في قدرته على ابتلاع أجسام كاملة.»
ما ذكرته رضوى عاشور ينطبق تماما على أي عمل إبداعيّ ينطلق من الواقع في سرد أحداثه، لكنه مفتوح على التأويلات التي يفرضها الأدب، وإلا ما الغاية من فن الرواية؟
ساءلت رواية «العقيد» التاريخ من خلال رؤية نقدية معاصرة وفقا لمنطق الأدب حين يقترب من التاريخ، فهو لا يعيد صياغته، ولا يطرحه كما يعرفه القارئ، بل يذكر ما يذكر من وقائع ليقدمه من زاوية الأدب. وهنا الكاتبة تتبعت روائيا فترة مهمة ومجهولة من تاريخ ليبيا وهي فترة حرب تشاد على ليبيا في ثمانينيات القرن الماضي، هذه الحرب التي دون شك لن يزول أثرها مع مرور الوقت، لأنها في الغالب تحدث تراكمات حتى تصبح مع الوقت شيئا ترثه الأجيال جيلا بعد جيل.
تبدو رواية «العقيد «متممة لرواية الجهمي «عايدون» التي فازت بجائزة مي غصوب الأولى، إذ جاءت على لسان عقيد مهاجر يتكلم بلسان من قاسى ويلات الحرب والهجرة معا. ودون شك أن الهجرة والحرب ليستا بالأمر السهل على أي إنسان مهما امتلك من شجاعة لمواصلة الحياة. تقول الرواية: «ربما قضت الحرب والهجرة على ما تبقى من غيرته وانجراف مشاعره».
استخدمت الجهمي حيلة روائية، حين قدمت سيرة متنكرة في ثوب رواية، لشخصية ليبية، وهو المعارض اللبيي العقيد علي المرابط الذي اغتيل في أمريكا. تقول الرواية: «سيكون كتابي سيرة متنكرة في صورة رواية».
والحيلة هنا أن هذه السيرة وهذه الشخصية ابتكرتها الكاتبة لتسرد الأحداث من وجهة هذه الشخصية التي قد تتوافق وجهات أي شخص عانى ما عانته سواء في الحرب الليبية أو غيرها. وفي عبارة أخرى تقول: «هكذا هي الروايات: نصف حقائق ونصف شخصيات واقعية، يخشى كتابها عليهم أو منهم، أو من قرائهم عليهم، فيتظاهرون بأنهم يكذبون، إنما بأناقة.»
ولعل هذا من بين الأسباب المهمة التي تجعلنا نقرأ الأدب، أي أنه يجعلنا دائماً نتبع الحقيقة من وجهات نظر مختلفة.
فالأدب لا يقدم إجابات جاهزة يقدر ما يترك دائماً أسئلة.
وفي الشق الثاني من الرواية، الذي جاء على لسان آدم ابن العقيد، رؤية أخرى لسرد الأحداث. هذا الابن الأمريكي المولد والمنشأ يقرر زيارة ليببا للتعرف على بلد والده ومعرفة كل من تربطهم بوالده علاقة بمن فيهم زوجة العقيد السابقة وأخته غير الشقيقة، يقول: «وما زلتُ رغم ألم أمي، والتحديات الجديدة التي تقفز أمامي واحدة تلو الأخرى، أميل للغياب في ذكرياتي الخاصة جدا الحميمة جدا، تلك التي ربطتني بزوجة والدي الأولى غزالة، وابنتها الأخت التي جاءتني كهدية متأخرة حسناء…. وبيت عمي عمر ابنه هشام وابنته سارة على وجه التحديد».
يكتشف آدم خلال زيارته ليس فقط الأمور التي لا يعرفها عن ليبيا وعائلة والده، بل يكتشف أيضا ما كان يجهله عن والده، أو بعبارة أخرى الأمور التي لم يكن ليتوقع أن جزءا من شخصية والده، ومن خلال اكتشافه لوالده، يعيد ترتيب الأمور حوله في رؤية فلسفية جميلة توضح إلى أي مدى يمكن للإنسان أن ينخدع في الناس، بل في نفسه حين تصور له أمورا، هي موجودة فقط في خياله نتيجة النظر إلى الأشياء من منظور واحد، وفي الأغلب المنظور الذي نحب أن نرى الأشياء من خلاله.
تقول الرواية: «وددت لو ظلت شخصية والدي نصف مجهولة بالنسبة لي؛ فأنا أشبه طفلا يكتشف فجأة أن «سوبرمان» أو «باتمان» أو أيا من الشخصيات البطولية التي يكبر وهو لا يراها إلا في قالب القوة والتفوق – هم رجال ينال منهم الضعف، لا أقصد الضعف الجسدي، بل الضعف العاطفي الغيرة، والأنانية والكذب، والخوف… أليست كل هذه الصفات السلبية ضعفا لا ينبغي أن نكتشفه في الشخصيات التي بقينا نُعظِمها؟! أنحن من يصنع العظماء، ثم يمنحهم عرشا من القداسة يا ترى؟ هل نظلمهم بما نصبغهم به؟ ففي بعض المَنْح ظُلم وإجحافّ.
لم تمنح الكاتبة صوتا أو راويا واحدا يقول كل شيء من زاوية تلقيه، بل قسمت النص إلى أصوات متعددة. بداية من العقيد نفسه علي المرابط ثم زوجته الأولى غزالة وصديقه بركة وابنه آدم الذي واصل سرد حكاية والده وفي الوقت ذاته يقدم تصورا عن العربي الأصل، الأمريكي المنشأ.
إنها رواية عن الحب أيضا، الحب الذي نكتشفه في الضفة الأخرى، الضفة التي ننتمي إليها ولا ننتمي، ويظهر ذلك في العتب الذي يوجهه آدم لسارة: «آه سارة! لم أسأتِ فهمي؟ لِمّ جعلت من جنسيتي المزدوجة وثقافتي المزدوجة، لعنة ومطبا يقف عقبة بيننا، كمطبات شوارع طرابلس وأزقتها؟!»
وفي عبارة أخرى يقول: «الحب حين يتحول إلى قيد جديد لا يعود حبا»، هنا الكاتبة تقترن فعل الحب بالحرية.
تحاول الجهمي الخوض في تلك العلاقة التي تربط المغترب أو الذي ولد ونشأ بعيدا كل البعد عما يربطه بأصوله وبوطن آبائه وأجداده، لكنه لم يفقد أبداً صلته به. ويظهر ذلك من خلال اللغة التي يحاول تعلمها كي تكون دائماً تلك الصلة الوثيقة بالجذور، فاللغة بالنسبة للمغترب جواز سفر لن تنتهي صلاحيته أبداً، خاصة إن كانت تلك اللغة هي اللغة العربية. يقول: «بالإنجليزية يتسنى لي التلاعب بالكلمات، فأبسط ما شئتُ، وأهوّل ما شئت، ولكني رغم هذا أقع تحت تأثير سحر ما حين أقرر الكتابة بالعربية، أو أترجم ما كتبت إليها.»
في الرواية جانب مهم من وجهة نظري الخاصة، وهو الحديث عن الكتابة التي تجعلنا بطريقة ما نعاود ترتيب أنفسنا، تقول الشخصية الروائية: «لم أكتب يوما بحثا عن ملاذ أهرب إليه، بقدر ما أمارس الكتابة كوسيلة أهذب بها غضبي، أروّضه، وأرتب بها الفوضى التي تُربكني أحيانا.»
والحديث عن الكتابة يجر دون شك للحديث عن المكتبة أو كما أسمتها الجهمي على لسان إحدى شخصياتها الروائية بالفردوس، تقول: «مكتبتي الجنَّة التي أتخيل الفردوس الأعلى نسخة عظيمة مُكبَّرة منها، منذ اكتشفتُ القراءة وأنا أتخيَّل الفردوس مكتبة هائلة الضخامة.»
في فقرة من فقرات الرواية أوجزت الجهمي على لسان آدم الكثير من الأمور، تقول: «الحمقى فقط هم من يخضعون لقاعدة التاريخ، حين يقرّر إعادة نفسه، وشخصيا لستُ مستعدا لأسر الماضي، لن أرضى بأن تستعبدني ذكرى ما أو فكرة، فما بالك بذكرى لم أتحكم بها، وفكرة لم أؤمن بها ولم أتبنها… وأتساءل كثيرا محاولا وضع نفسي في موقع والدي تارةً، وفي موقع جدي تارة أخرى، أينبغي للمعارض أن يقتات وينمو في ظل أيديولوجيات قد تضعه يوما ما في موقف الاختيار بينها وبين مصلحة إخوته ووطنه؟».
رواية «العقيد» ليست عن الحرب، ولا عن الحب والوطن والمناضلين السياسيين، بل أعتقد أن جوهر الرواية هو الحديث عن الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة. تقول الجهمي إن: «كلا منا يملك وجها من أوجه الحقيقة، والحقيقة مادة زئبقية، لن نلمسها». لذا تظل الحقيقة فكرة نسعى دائماً لفك أسرارها.
وهذا ما قدمته كوثر الجهمي في هذه الرواية التي اتخذت فيها موقف المحايد، ذلك الذي يعرض عليك الأحداث من زاوية الأدب وعليك البحث عن الحقيقة بنفسك.
كوثر الجهمي: «العقيد»
دار الفرجاني، طرابلس 2022
208 صفحة.