مع ازدياد حدة الضغط الأمريكي والإسرائيلي على نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، تشابهت مواقف العراقيين من هذه الحرب، وتعددت احتمالات خطورة آثارها على الأمد القريب والبعيد على العراق ونظامه السياسي، إذ تزايدت مشاعر الاستياء من وجود إيران وتأثيرها المستمر على بلدهم، وحمّل الكثير من العراقيين نظام الولي الفقيه في إيران، الكثير من مشاكل تفتيت المجتمع العراقي، من خلال تقسيمه طائفيا وقوميا، ناهيك من الدور الخطير الذي تتحمله هذه الجارة المسلمة، في إضعاف البلد اقتصاديا، ومن ثم المحاولة لجره عنوة إلى حروبها التوسعية، بعد ضمه لاستراتيجية الولي الفقيه، الهادفة إلى نشر ثورتها القومية المبطنة بلباس العمائم المذهبية العابرة للقوميات والأعراق.
ونتيجة ازدياد حدة الضغط الأمريكي والغربي، تواجه إيران تحدياً كبيراً للسيطرة على أمنها الداخلي، والخوف من إعادة سيناريو اندلاع ثورة الشارع الإيراني المتعدد القوميات والإثنيات، الذي قد يهدد بتقسيمها، إذا ما أخذنا بعين الاهتمام الاعتبارات القومية للعرب في الجنوب، والأكراد في الشمال، ناهيك من حجم التحدي الخطير الآخر في الاستمرار في تشبث طهران بإعادة بناء ترسانتها النووية وسلاحها الصاروخي، واستمرار أهدافها التوسعية لتقاسم النفوذ، ما يعني استمرار الضغط الأمريكي والإسرائيلي للوصول الى إنهاء استراتيجية الولي الفقيه، لإحياء الإمبراطورية الفارسية الحديثة، التي روِّج لها هو ونظامه كنموذج ينبغي قبوله من قبل العراقيين واللبنانيين والسوريين.
نتيجة الضغط الأمريكي والغربي تواجه إيران تحدياً كبيراً للسيطرة على أمنها الداخلي، والخوف من إعادة سيناريو اندلاع ثورة الشارع الإيراني المتعدد القوميات والإثنيات ما يهدد بتقسيمها
وعلى الرغم من الأهمية الجغرافية والاقتصادية لإيران، التي يطمح على استغلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بيد أن لإدارته رغبة حقيقية، لتغيير النظام، أو حتى تقسيم إيران في حال استمر رفض القادة الإيرانيين القبول بالشروط الأمريكية، التي رسمتها الحملة العسكرية الأخيرة، التي تؤمن الأمن والسلام لحلفاء واشنطن في المنطقة، أو الاستمرار في الضغط العسكري للوصول إلى تفجير الوضع الداخلي، ودفع الشعب الإيراني للمطالبة بتغيير النظام، بعد الفشل الذي منيت به استراتيجية الجمهورية الإسلامية التوسعية، من هبوط في العملة، والأثر الكبير لسياسة العقوبات الغربية على اقتصادها، والآثار الأخيرة التي سببتها حرب الثمانية أيام. وما بين الخطورة التي يمثلها اندلاع ثورة الشارع الإيراني متعدد القوميات، أو تشبث طهران بإعادة بناء ترسانتها النووية وسلاحها الصاروخي، واستمرار أهدافها التوسعية للسيطرة على دول المنطقة، يبدوا جلياً أنّ خيارات الخروج من هذه الأزمة ما زالت معطّلة، وأن الانسداد الواضح في الأفق الإيراني، هو الصفة التي سوف تطغي على النظام ومعه كل مكوناته، من دون استثناء، في غياب لحل إيراني عقلاني داخلي، لرسم خريطة طريق للخروج من هذه الأزمة، تحظى بالمقبولية من قبل جيران إيران والغرب على حد سواء.
في المقابل، وفي ظلّ تصاعد صراع النفوذ بين إسرائيل وإيران لتقاسم حدود الخريطة السياسية لدول المنطقة، يسعى «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، الذي تدعمه الإدارة الأمريكية، إلى تحجيم الدور الإيراني، أو إنهائه في حال استمرار طهران التمسك بأهدافها، وإعادة بناء ترسانتها النووية والعسكرية، ما قد يخلق واقعا جيوسياسيا وسياسيا جديدا في الشرق الأوسط. من هنا، ونتيجة لتشابه المشهد السياسي الإيراني والعراقي، أصبح من الممكن أن يؤدي تصاعد استمرار حدة التوتر، وازدياد ضغط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرغبة في تغيير طبيعة النظام، أو تقسيم إيران، إلى احتمال أن يصبح العراق ساحة مشابهة للوضع الإيراني، بالنظر للتقارب والتشابه في طبيعة الميليشيات المسلحة في العراق مع تنظيمات الحرس الثوري الإيراني، وحرصهما على الدفاع عن الثقافة الولائية، على حساب وحدة المجتمع والأرض لإيران والعراق، ما سيسهل الوصول إلى إنجاح مخطط إعادة رسم الخريطة السياسية والاجتماعية لمنطقة الشرق الأوسط، الذي لم ينته بعد من تكراره اليمين المتطرف الإسرائيلي، وبمعنى آخر القبول بالأمر الواقع الذي يفرضه الآخرون وتسهيل أهدافهم، دون التفكير بالتداعيات الخطيرة على شعوب المنطقة.
إن انهيار نظام ولاية الفقيه وفشل الشعب الإيراني في إعادة بناء نظام سياسي مدني، سيدفع لا محالة إلى حالة من الفوضى بين الفرس والعرب في الأحواز والكرد في الشمال، وسيوفر بالتالي الفرصة لتقسيم إيران، والبدء في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد في الشرق الأوسط، ما سيدفع أيضا إلى إحياء طموحات المكون الكردي في العراق في الانفصال، وترك البلاد ساحة لصراع شيعي ـ شيعي من جهة، وشيعي ـ سني من جهة أخرى، إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة التكوين السياسي الجديد، الذي فرضه الغزو الأمريكي للعراق، الذي أفسح المجال لتعدد مصادر القوى وتحويل النظام السياسي العراقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الفئوية، نتيجة تعدد الولاءات العشائرية والطائفية، وضعف مؤسسات الدولة، والحجم الكبير الذي تمثله ثروات هذا البلد الغني والمبتلى بالفساد.
كاتب عراقي