العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران… حرب استنزاف للشرق الأوسط

محمد نون
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: استباحت الطائرات الحربية والصواريخ الأمريكية والإسرائيلية سماء وأرض إيران بما فيها العاصمة طهران منذ يوم السبت 28 شباط/ فبراير 2026، وفي المقابل استباحت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية سماء وأرض الدولة العبرية بما فيها منطقة تل أبيب الكبرى، والقواعد والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
في نهاية الأسبوع الأول من الحرب، أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية أنها ضربت أكثر من 3000 هدف إيراني، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ أكثر من 2500 ضربة وأطلق أكثر من 6000 من الذخائر». أما الإيرانيون، فقالوا إنهم أطلقوا أكثر من 600 صاروخ و2000 مسيرة خلال الأسبوع الأول، بالإضافة إلى رشقات نوعية يومي السبت والأحد الماضيين في 7 و8 مارس/ آذار 2026، وخاصة صواريخ خيبر شكن وعماد وخرمشهر، حيث تراوحت حمولة بعضها ما بين 700 كيلوغرام إلى طن من المواد شديدة الانفجار.
ويبدو الفارق كبيراً في القوة النارية، إذ إن ما استخدمته القوات الأمريكية وحدها يبلغ ضعفي ما استخدمته في الحرب على العراق، وسبعة أضعاف ما تم استخدامه خلال الحرب الأولى التي شنتها إسرائيل ثم انضمت إليها الولايات المتحدة الأمريكية في حزيران/ يونيو 2025، واستمرت 12 يوماً. لكن القوة النارية الهائلة الأمريكية الإسرائيلية في هذه الحرب الثانية لم تستطع إجبار إيران على الرضوخ، بل جاء الرد الإيراني واسعاً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ليطال مساحات واسعة في الشرق الأوسط، وحيثما كانت القواعد الأمريكية كما قالت إيران، وخاصة تلك الموجودة في الدول العربية المجاورة ومنها السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والعراق. كما وصلت إحدى المسيرات إلى القاعدة البريطانية التي تستخدمها القوات الأمريكية في قبرص، فيما اعترض حلف الناتو صاروخاً فوق تركيا، وطالت طائرة مسيّرة أذربيجان، وأخرى سلطنة عُمان.

وقف مشروط لقصف الجوار

ورفضت تلك الدول المستهدفة التبرير الإيراني القائل بأن القصف يستهدف القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها، ووصفت القصف بأنه اعتداء، وأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد، مطالبة إيران بوقف قصفها لتلك الدول.
وبالفعل، أعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، السبت، اعتذاره باسم إيران للدول المجاورة التي تأثرت بالهجمات، مؤكدًا أن « إيران لا تنوي الاعتداء على دول الجوار فهم أشقاؤنا. لكن بزشكيان ربط استمرار توقف الهجمات الصاروخية على الدول الجارة بعدم حصول هجمات ضد إيران انطلاقاً من أراضي هذه الدول.
لكن هذا الموقف لم يدم طويلاً، خاصة بعدما اعتبره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه استسلام من إيران، وهو موقف رد عليه وزير الخارجية الإيرانية، عباس عراقجي، بأن ترامب قتل مبادرة بزشكيان.

اغتيال الخامنئي محطة مفصلية

الصدمة الأولى عند بداية الحرب، كانت صدمة كبرى على كل المستويات في إيران، حيث ألقت الطائرات الإسرائيلية 30 قنبلة من العيار الثقيل، فاغتالت المرشد الأعلى، علي الخامنئي، في مقر عمله وإقامته في شارع باستور في طهران، صباح السبت، 28 الشهر الماضي.
وكان الخامنئي يرأس اجتماعاً لمجلس الدفاع الأعلى بحضور عدد من كبار القادة العسكريين وعلى رأسهم أمين عام مجلس الدفاع الأدميرال العربي الإيراني علي شمخاني، ووزير الدفاع الجنرال عزيز نصيرزاده، والقائد العام للحرس الثوري محمد باكبور، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الجنرال سيد عبد الرحيم موسوي، والعميد غلام رضا رضائيان، رئيس جهاز استخبارات الشرطة، بالإضافة إلى آخرين.
وكان لافتاً مدى التباهي الذي أظهره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عند إعلانه اغتيال القائد الأعلى في إيران، وسبقه في ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني خلال الحرب على قطاع غزة. وتوقع ترامب ونتنياهو سقوط نظام الحكم بعد الاغتيال، وبفعل الغارات الجوية المكثفة التي طالت في اليوم الأول 20 محافظة إيرانية من أصل 31 هي مجموع عدد المحافظات في إيران، وخاصة العاصمة طهران، ومدن أصفهان وإيلام وكرج وقم ومشهد وغيرها.
لكن ما خفّف من وقع الصدمة داخلياً هو أن التهديد باغتيال الخامنئي، كان أمراً معلناً من ترامب ونتنياهو وخاصة خلال حرب 2025، حتى إن الخامنئي قام قبل ذلك بترتيب البيت الداخلي الإيراني لجهة اقتراح البدلاء عن أي قيادي يتم اغتياله كي لا يحدث فراغ في سلطة اتخاذ القرار، وكانت بعض المصادر الإيرانية قد تحدثت أن خطة الردود السريعة التي بدأت بها إيران بعد أقل من ساعة على اغتيال قائدها الأعلى، كانت ممهورة بموافقة الخامنئي بنفسه.
ولكن لماذا لم يختبئ الخامنئي توخياً للحذر؟ هنا تقول المصادر الإيرانية باختصار بأنه أراد أن يكون كبقية أفراد شعبه، وأن نظام الحكم في إيران لا يقوم على الأشخاص مهما علا شأنهم، بل على المؤسسات التي يتشكل منها نظام الحكم ببُعديه الجمهوري والإسلامي.

اغتيالات لا تسقط النظام

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الخامنئي لمحاولة اغتيال، لكن مع فارق جوهري هو أن المحاولة الأولى كانت من الداخل، ووقعت في يوم 27 يونيو/ حزيران 1981 عندما كان الخامنئي يلقي خطابًا في مسجد أبوذر في جنوب طهران، وكان حينها يشغل منصب نائب في البرلمان وأحد القيادات البارزة في الثورة الإيرانية، وقريبًا من الإمام روح الله الموسوي الخميني الذي قاد ثورة العام 1979.
وفي تفاصيل تلك الحادثة، تم زرع قنبلة داخل جهاز تسجيل صوتي على المنبر.
وأثناء إلقائه الخطاب انفجرت القنبلة، فأصيب الخامنئي حينها بجروح خطيرة في صدره، وأدت الإصابة إلى شلل شبه دائم في يده اليمنى. ونُسبت العملية لاحقًاً إلى عناصر مرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة.
لكن ما حدث بعد ذلك بشهرين فقط كان أقوى وأخطر من هذه الحادثة، فشهدت إيران تفجير مكتب رئاسة الوزراء في طهران، فتم اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر.
كان رجائي ثاني رئيس للجمهورية الإسلامية في إيران، وعند اغتياله سارع الإمام الخميني إلى إجراء انتخابات، ففاز الخامنئي بالرئاسة بعدما حصل على أكثر من 16 مليون صوت من مجموع 17 مليوناً، وأصبح في عام 1981 ثالث رئيس للجمهورية الإسلامية في إيران وذلك بعد مصادقة الإمام الخميني على مرسوم تنصيبه، وأعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية من 1985 – 1989. وبعيد وفاة الإمام الخميني في حزيران /يونيو عام 1989، جرى انتخاب الخامنئي قائداً أعلى لإيران خلفاً للخميني، وتمت عملية الانتخاب من جانب مجلس خبراء القيادة المخول قانونياً حسب الدستور الإيراني، انتخاب القائد الأعلى ومراقبة عمله وتثبيته أو عزله. وبقي الخامنئي في منصب القائد الأعلى للبلاد حتى اغتياله بالطائرات الإسرائيلية وبدعم أمريكي صباح السبت 28 شباط /فبراير 2026.

خليفة الخامنئي

ونظراً لضرورة عدم حصول فراغ في السلطة، فإن المادة 111 من الدستور الإيراني تنص على أن يتولى صلاحيات القائد الأعلى مجلس مؤقت مؤلف من ثلاثة أشخاص في حال وفاة المرشد أو استقالته أو عزله.
وتم بالفعل تشكيل المجلس المؤقت ليضم كلاً من: مسعود بزشكيان بصفته رئيساً للجمهورية، وغلام حسين محسني أجئي بصفته رئيساً للسلطة القضائية، وآية الله علي رضا أعرافي الذي اختاره مجلس صيانة الدستور.
لكن اللافت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل على هذا الخط، حيث صرح بأنه يجب أن يشارك شخصيًا في اختيار المرشد القادم لإيران، معربًا عن رفضه أن يكون مجتبى الخامنئي خلفًا لوالده آية الله الخامنئي.
وجاء الرد على ترامب من رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حيث أعلن يوم الجمعة أن «الولايات المتحدة ستتعلم الدرس القاسي بأن مصير إيران لن يقرّره عصابة إبستين، بل شعبها العظيم».
ومعلوم أن إبستين كان متهمًا بإدارة شبكة واسعة للاستغلال الجنسي للقاصرات في الولايات المتحدة الأمريكية، وتضمنت وثائق إبستين أسماء شخصيات عالمية بارزة مثل الرئيس الحالي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
وأحيطت إجراءات انتخاب القائد الأعلى الجديد للبلاد بسرية تامة بعدما قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف مكتب في قم تابع لمجلس خبراء القيادة، وقالت إن القصف تم خلال اجتماع المجلس الانتخاب المرشد الجديد وهو ما نفته إيران. لكن الغارة بحد ذاتها وما تلاها من موقف للرئيس ترامب حول تدخله في اختيار القائد الجديد لإيران، أظهرا بوضوح أن واشنطن وتل أبيب متفقتان على عدم السماح لإيران بانتخاب من تريد عبر مجلس خبراء القيادة.

اغتيال فتوى تحريم النووي

ولم يكن اغتيال الخامنئي من جانب إسرائيل وأمريكا، اغتيالاً لأعلى قائد في إيران، بل أيضاً اغتيال مرجع ديني له ملايين من أتباعه الشيعة في العالم، الذين يعودون إلى فتاواه الدينية في قضايا العبادات والمعاملات.
والأكثر من ذلك، فإن الاغتيال طال الفتوى الدينية التي كان أصدرها الخامنئي بتحريم حيازة وصناعة الأسلحة النووية لكونها أسلحة دمار شامل تقتل الناس دون تمييز، وهذه الفتوى هي التي كانت إحدى أبرز الضمانات التي تمنع إيران عن إنتاج سلاح نووي، رغم امتلاك البلاد أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60 ٪، وهذه الكمية كافية لصنع 10 قنابل نووية وفقاً لآراء الخبراء.
وبناء عليه، يمكن للقيادة الجديدة أن تتغافل عن الفتوى بعد اغتيال صاحبها، كما يمكن لها البقاء ملتزمة بها، بعد الرجوع إلى مجتهد ديني آخر يجيز لها البقاء على تقليد المرجع الديني الميت، أي الخامنئي.
وكانت هناك أصوات كثيرة بمن فيهم قادة عسكريون في الحرس الثوري يطالبون الخامنئي بالرجوع عن فتاواه تلك، والسماح بصنع القنبلة النووية، إلا أنه كان يرفض ذلك انطلاقاً من الوازع الديني.
وهناك قاعدة في الفقه الشيعي تقول إن الضرورات تبيح المحظورات، وهذا ما ستقرر بشأنه القيادة الجديدة في إيران في ظل حرب تتحول كل يوم إلى حرب استنزاف بعدما اخفقت الضربات الأولى والاغتيالات في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وسط قناعة يرددها كثير من الإيرانيين تفيد بأن بلدهم مستهدف بالتجزئة والتفتيت، وليس فقط بنظامه السياسي، وهذه القناعة – برأيهم – هي التي أدت بهم إلى نبذ خلافاتهم الداخلية خلال الحرب الأولى عام 2025، وهي التي تجعلهم متحدين أكثر خلال الحرب الثانية المتواصلة بضراوة ليس لها مثيل، وتتحول إلى حرب استنزاف للمتحاربين ولمقدرات الشرق الأوسط برمته، ولاحقاً للعالم بأجمعه من خلال إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تمر فيه 20 بالمئة من نفط العالم .

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية