الضغط الأوروبي والجمود الإيراني الهش

وسام سعادة
حجم الخط
0

يأتي تحرّك المجموعة الأوروبية الثلاثية فرنسا – بريطانيا – ألمانيا لإعادة فرض العقوبات بموجب آلية الاسترجاع الفوري لها تبعاً للاتفاق النووي الموقع عام 2015 – والتي انسحبت منه الولايات المتحدة في إثر وصول دونالد ترامب للرئاسة في ولايته الأولى – وإشعار مجلس الأمن بذلك وافتتاح مهلة الثلاثين يوماً التزخيمية للضغوط والاتصالات على حد سواء، يأتي ذلك في لحظة مشحونة بقدر ما هي ملتبسة إقليميا ودولياً.
فالحرب المتعددة الجبهات والمصبوغة بإنعدام التوازن العسكري والتكنولوجي لصالح إسرائيل، إثر هجمات 7 أكتوبر، ليس من المعروف بعد أنى لها أن تشرف على الانتهاء وعلى أي حصيلة اجمالية. وحرب الأيام الإثني عشر بين إسرائيل وإيران التي لا تنفصل عن هذه الحرب الإقليمية المركبة والتي مهدت للضرب الأمريكي للمنشآت النووية الإيرانية، ظهرت بعدها سحابة من الجمود في الموقف وليس مجموعة تداعيات دراماتيكية ومتسارعة. والمرشد الإيراني يعتمد الجمود كتاكتيك، مع تحاشي أخذ أي مبادرة، لا سياسياً ولا عسكرياً. الجمود زائد التقارب قدر المستطاع من روسيا والصين. هذا من جهة، والايعاز للفصائل الموالية لإيران في الشرق الأوسط بأن تحاكي هذا الجمود الإيراني، بحسب السياق واللحظة.
يتوخى التحرك الأوروبي الضاغط على إيران فتح كوة في الجمود الحالي؛ سيما وأن هذا الجمود من النوع الذي يعطل عمليا التزام إيران بآليات المراقبة والتفتيش المتفق عليها في الاتفاق معها. لا يعني هذا في المقابل ان الترويكا الأوروبية ذاهبة لإلغاء الاتفاق، أسوة بما أقدم عليه ترامب في ولايته الأولى، إنما الكرة في ملعب إيران، وحتى الساعة لا تزال تعول على التقارب مع كل من موسكو وبكين كما ظهر في قمة شنغهاي مؤخرا. ثمة اختلاف بين برلين وباريس ولندن، رغم التحرك المشترك. أما الدوافع للتصعيد بازاء طهران فليست أحادية البعد. ثمة شكوى من عدم التزامها بمستويات التخصيب المتفق عليها، ومن ثم تحللها العملي من مترتبات الاتفاق من بعد التدمير الأمريكي لمنشآتها. وثمة الشكوى من المؤازرة الإيرانية للمجهود الحربي الهجومي الروسي ضد أكبر بلد في أوروبا من حيث المساحة، أوكرانيا، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وثمة الموقف من القمع الداخلي بإيران وأثر اللوبيات الإيرانية المعارضة في أوروبا، مثلما أنها مناسبة لتفعيل الإطار الثلاثي، الألماني الفرنسي البريطاني، في وقت زاد فيه تشكيك دونالد ترامب بالقيمة الجيو-استراتيجية للتحالف بين بلدان الغرب ككل، ولم يظهر فيه ان الاتحاد الأوروبي يمكن أن ينهض كقوة جماعية. الترويكا هذه تضم بلدين من الاتحاد وبلد انسحبت منه. يسمح الضغط على إيران بتفعيل إطار له أن يظهر في مناسبات وبازاء قضايا مختلفة أيضا، وهو على كل حال إطار يؤسس له الموقف المتقارب من الحرب الروسية الأوكرانية.
هل يمكن أن يدفع هذا الحجم من الضغط الأوروبي إيران للخروج من حال الجمود التي تلازمها منذ انتهاء حرب الإثني عشر يوما؟ يرتبط هذا أساسا بالسؤال حول ملابسات تعليق هذه الحرب، واحتمالات استئنافها، طالما انها جزء من حرب إقليمية لا تزال متواصلة وبشكل كارثي إلى أوسع نطاق في غزة. بالنهاية، حال الجمود يسمح للنظام الإيراني بأن يؤجل الاستحقاقات المتعلقة بتقييم كل ما جرى في العامين الأخيرين، لكن حال الجمود هذه لا يمكن من تلقائها ان تسمح لهذا النظام بأن يستمر في عملية الهروب إلى الأمام. سردية التحلق الشعبي الداخلي حول هذا النظام ليست متماسكة. أخذ الترويكا الأوروبية المبادرة الآن له آن ينظر له من هذه الزاوية أيضا. زاوية السؤال عن الخيارات الفعلية للنظام الإيراني الحالية، وصولا إلى السؤال عن الحالة التي يتبين فيها ان هذا النظام استنفد خياراته ولم يعد قابلا لإعادة إنتاج نفسه من بعد حصيلة العامين الأخيرين في المنطقة ومن بعد تدمير منشآته النووية. هل فعلا بالمستطاع التخفيف من وطأة هذه المسائل بالتوجه نحو الصين وروسيا؟ ثمة ما يدعو للتشكيك بذلك. فرغم تواضع العلاقات الاقتصادية على هذا الصعيد، لا يزال الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإيران، وهي بلد خارج منظمة التجارة الدولية أساسا. الثلاثي الروسي الصيني الإيراني لا يزال إلى حد كبير صورة مرغوبة، أكثر منها واقعا تكتيليا جيو-استراتيجيا وأكثر من أن تسمح لإيران بإدارة الظهر لموضوع رفع وارجاع العقوبات عليها، خاصة وان خيار النظام الإيراني كان التركيز على البرنامح النووي عوضا عن الانضمام إلى ركب الثورة الصناعية الآسيوية المتنوعة بين بلدان القارة، حتى إذا جاء الضرب الاستراتيجي لهذا البرنامج انطرح السؤال عمليا حول المستقبل الذي يعبر عنه النظام الحالي للشعب الإيراني، ما شكله، ما وجهته، انطلاقا من أي مقومات وموارد وتطلعات بالمقدور استشرافه والتقدم صوبه؟ ومع تقدم عمر المرشد علي خامنئي يزيد هذا النوع من الأسئلة إلحاحا، ومع تصدع صورة تصدير الثورة للخارج، بمعية نموذج حزب الله تحديدا، لا يعود الحفاظ على الستاتيكو الحالي واقعيا لفترة طويلة، حتى ولو أن إدارة ترامب تسعى جهدها لتجنب الدخول في أي ورشة تغيير أنظمة في الشرق الأوسط. مع انها عمليا عجلت بتناقضات الوضع في إيران، وهو تعجيل لا يمكن ان يعالجه الاستمرار في المناداة بنفس الشعارات.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية