الصين تعزز هيمنتها على قطاع المعادن النادرة في أفريقيا وتضخ 97 مليون دولار لتقوية سيطرتها

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في خطوة جديدة تؤكد سعيها المتواصل لترسيخ هيمنتها على سوق المعادن النادرة، أعلنت شركة «شنغه ريسورسز» الصينية عن ضخ استثمار قدره 97 مليون دولار أمريكي (150.5 مليون دولار أسترالي) للاستحواذ الكامل على شركة «بيك رير إيرثس» الأسترالية، المالكة لمشروع «نغوالا» للتنقيب عن المعادن النادرة في تنزانيا.
ويُعد مشروع «نغوالا» أحد أبرز مشاريع المعادن النادرة في أفريقيا، حيث يُتوقع أن ينتج سنويًا نحو 37.200 طن من مركزات هذه المعادن، لمدة تفوق العقدين. وكانت «شنغه» قد استحوذت في وقت سابق على حصة قدرها 19.86 في المئة في «بيك»، إلى جانب حصولها على حق الشراء المسبق لإنتاج المشروع.
وتُنتظر موافقة المساهمين في شركة «بيك» على الصفقة خلال شهر ايلول/سبتمبر 2025، إضافة إلى موافقة الجهات التنظيمية في أستراليا والصين وتنزانيا.
وتشمل العملية أيضًا زيادة رأسمالية بقيمة 7.5 ملايين دولار أسترالي.
وتأتي الصفقة في وقت تسعى فيه بكين لتعزيز قبضتها على سلاسل توريد المعادن النادرة، التي تُعد ذات أهمية استراتيجية عالية في الصناعات التكنولوجية والدفاعية.
ووفقًا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية «USGS»، تستحوذ الصين على نحو 69 في المئة من الإنتاج العالمي لهذه المعادن، ما يمنحها نفوذًا تجاريًا وجيوسياسيًا متزايدًا، خاصة في مواجهة الولايات المتحدة.
وفي 4 نيسان/أبريل الماضي، فرضت الصين قيودًا على تصدير سبعة من عناصر المعادن النادرة، ردًا على زيادة الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في مؤشر على تصاعد التوترات بين القوتين العظميين في مجال السيطرة على المواد الخام الحيوية.
وتسعى الصين من خلال التوسع في مشاريع خارجية مثل «نغوالا» إلى تأمين مصادر إضافية للإمدادات، حيث تبرز أفريقيا كمنطقة استراتيجية في هذا السياق، بفضل احتياطياتها الكبيرة من المعادن النادرة، لاسيما في دول مثل جنوب أفريقيا وناميبيا وأنغولا وأوغندا.
وتُظهر هذه التطورات تصاعد المنافسة الدولية في القارة الأفريقية، حيث تسعى أيضًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ترسيخ حضورها من خلال شراكات ثنائية ودعم مباشر لمشاريع تعدينية تقودها شركات غربية، بهدف تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على الصين.
وفي ظل هذا التنافس الجيوسياسي المتصاعد، يبقى التحدي الأكبر أمام الدول الأفريقية هو تحويل هذه الفرص إلى مكاسب ملموسة، من خلال تعزيز القيمة المضافة محليًا، وتوفير فرص عمل مستدامة، وضمان السيادة الوطنية على الثروات المعدنية.
وشهد العالم في السنوات الأخيرة إعادة تشكيل جيوسياسي تتمحور حول الموارد الطبيعية الاستراتيجية، وعلى رأسها معادن الأرض النادرة، التي أصبحت محورًا رئيسيًا في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة والرقمنة. وتُعد هذه المعادن الـ17 مكونات أساسية في الصناعات المتقدمة، مثل السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، والهواتف الذكية، مما يجعلها ذات قيمة استراتيجية عالية.
في هذا السياق، برزت الصين كقوة مهيمنة على سوق الأرض النادرة عالميًا، إذ تنتج 71 في المئة من المعروض العالمي وتتحكم في مراحل التكرير والتصنيع، مستفيدة من احتياطاتها التي تمثل 36 في المئة من الإجمالي العالمي.
ولم تأت هذه الهيمنة من فراغ، بل كانت ثمرة استراتيجية طويلة الأمد بدأت منذ التسعينيات حين قال الرئيس الصيني الراحل دينغ شياو بينغ: «الأراضي النادرة هي ما يمثله النفط للشرق الأوسط».
وقد عملت بكين على جذب التكنولوجيا الأجنبية، والاستثمار في سلاسل الإنتاج، ما مكنها من احتكار القيمة المضافة في هذا القطاع الحيوي.
وفي المقابل، يعاني الاتحاد الأوروبي من ضعف في الاحتياطات المحلية لهذه المعادن، إذ لا تتجاوز نسبتها 1 في المئة من الإنتاج العالمي، وتعتمد دول الاتحاد بشكل شبه كامل على الاستيراد، خصوصًا من الصين 98 في المئة، وجنوب أفريقيا بالنسبة للبلاتين 71 في المئة.
وقد أدى هذا الاعتماد إلى تعرّض أوروبا لمخاطر استراتيجية كبيرة، خاصة بعد استخدام الصين لسلاح الموارد النادرة كورقة ضغط في أزمات دبلوماسية، مثل أزمة 2010 مع اليابان.
ورغم أن معادن الأرض النادرة تتوفر نسبيًا في القشرة الأرضية، إلا أن صعوبات الاستخراج، وارتفاع تكاليف التكرير، والتداعيات البيئية الخطيرة جعلت الدول الغربية تتخلى عن هذا النشاط منذ الثمانينات، تاركة المجال أمام الصين للهيمنة. كما أن معدلات إعادة التدوير 1 في المئة والاستبدال بمواد بديلة 0.87 في المئة، لا تزال منخفضة للغاية، ما يزيد من حدة التبعية وندرة المعروض في ظل تزايد الطلب العالمي بفعل النمو السكاني والتوسع الصناعي.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، شرع الاتحاد الأوروبي في البحث عن مصادر بديلة ومستقرة لهذه المعادن خارج الصين، وكان التوجه نحو أفريقيا خيارًا استراتيجيًا. فقد أطلقت بروكسل مبادرة Global Gateway لتعبئة 300 مليار يورو بين 2021 و2027، بهدف تعزيز البنى التحتية والتعاون الاقتصادي، خصوصًا في أفريقيا، ضمن رؤية تنافس مبادرة «الحزام والطريق» الصينية، وتسعى لفرض معايير عالية من الشفافية والاستدامة.
وتُعد القارة الأفريقية اليوم أحد أبرز البدائل الاستراتيجية في هذا المجال، لما تزخر به من احتياطات ضخمة غير مستغلة.
ففي بوروندي، بدأت أول منجم للإنتاج الفعلي عام 2017 مشروع «غاكارا»، وهو من بين الأغنى عالميًا من حيث تركيز أكاسيد الأرض النادرة. كما تشهد دول مثل مالاوي، ناميبيا، موزمبيق، مدغشقر، تنزانيا، السنغال، الغابون، الجزائر والمغرب، سباقًا محمومًا بين الشركات الغربية، الآسيوية والأسترالية نحو التنقيب والاستغلال، في ظل اكتشافات واعدة تدفع نحو انطلاق مشاريع كبرى خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تبدو أفريقيا في موقع تنافسي قوي، لكنها تواجه تحديات أساسية، منها ضمان استفادتها من ثرواتها عبر نقل التكنولوجيا، تحقيق القيمة المضافة محليًا، خلق الوظائف، وضمان حماية بيئتها وثرواتها السيادية. فالمنافسة بين الصين، الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة قد تشكل فرصة نادرة للقارة إن أحسنت التفاوض والتخطيط طويل الأمد.
وهكذا، ورغم سعي الصين إلى إعادة رسم الجغرافيا العالمية للموارد الاستراتيجية لصالحها، فإن أفريقيا قد تشكل التحدي الأبرز لهذه الهيمنة، لا كمجرد مورد خام، بل كفاعل جيوسياسي صاعد على خريطة الاقتصاد الأخضر العالمي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية