الصين- آسيا واليابان – باكستان وتركيا: «تنويع» دبلوماسي أردني هادئ بعد «قلق المخاطر»

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي»: «المتغير الإقليمي» يواصل ضغطه على الأعصاب الحيوية المشدودة. وفي بلد مثل الأردن، ثمة إجماع بين نخبه ومؤسساته على الصمود في مواجهة أمواج الإقليم المفتوحة على كل الاحتمالات، ما برر عملياً ولادة مقاربة «نقلق ولا نخاف» في رحم المؤسسة البرلمانية وعلى هامش خطاب العرش.
تلك مقاربة من حيث الأهداف الأبعد، لا تقف عند حدود التغيير الذي حصل في مجلس النواب على مستوى قيادته ومكتبه الدائم، ولا تقف بالضرورة أيضاً عند حدود أولويات الحكومة المعلنة على لسان رئيس الوزراء جعفر حسان في المسار التشريعي، حيث قانون الميزانية المالية، ثم قانون الحكم المحلي والانتخابات البلدية.
التجديد في المسار النيابي، على الأرجح، هو جزء من جاهزية وطنية رفيعة المستوى أعمق وأبعد، قد يكون من بين أهم أهدافها المرصودة تنويع خيارات التواصل الدبلوماسي والسياسي مع شريحة أوسع من الدول الصديقة. والتغيير الذي حصل على مستوى الرموز والأدوات في واجهة سلطة البرلمان، قد لا يقف عند هذه الحدود.
المؤسسات العميقة تتابع المستجدات، وثمة مجلس للأمن القومي بصدد التشاور، ومستوى التحديات لا يتعلق بالمسار الاقتصادي بالتأكيد فقط، لكنه مرتبط تماماً بما يسميه الخبير الاستراتيجي الفريق المتقاعد قاصد محمود، الحصار السياسي الذي يمارسه اليمين الإسرائيلي على الأردن، ليس فقط في موضوع وملف الضفة الغربية ولا حرب غزة، ولكن أيضاً في سوريا ولبنان والعراق.
المطلوب واضح من مجلسي النواب الأعيان، بموجب خطاب العرش الملكي الدستوري الأخير، وهو أوضح من الحكومة على هامش الأولويات الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، فيما لا تزال الخطة المعتمدة مساري التحديث الاقتصادي والسياسي.
المفيد بالمسألة أن الحكومة متفرغة للأولويات المحلية الاقتصادية، ولا تزاحم في الملفات الجيوسياسية والاستراتيجية، حيث إجراءات احتياطية اتخذ بعضها، وبعضها الآخر في طريقه للنفاذ، وسط انطباع بأن خبرات الدولة العميقة ليس من الملائم الاستهانة بها، خصوصاً أن الأمريكي والإسرائيلي يعملان مسبقاً بأن أي ترتيب إقليمي بدون «ضمان مصالح الأردن» لن يكتب له أي نجاح.
الرأي الأخير هو الذي طالما سمعته «القدس العربي» من الرئيس الجديد لمجلس النواب مازن القاضي ويؤكده الجنرال محمود في كل المناقشات ذات الصلة بموضوعة الحصار الجيوسياسي الذي يمارسه يمين اسرائيل.
هنا تبرز التشخيصات التي تشير بوضوح إلى أن الشعور بالقلق مؤشر -كما يرى المحلل الاقتصادي الدكتور أنور الخفش- على إدراك مسبق لحجم المخاطر.
وهي حالة لم يسبق للأردن أن عايشها منذ توقيع اتفاقية وادي عربة عام 1994.
وهذه الحالة تؤكد بأن الاتفاقية، عملياً، لم تعد ضامنة لأي شيء.
رغم ذلك، ينصح الخبير القانوني الدولي أنيس القاسم للانتباه: «وادي عربة، رغم كل الملاحظات عليها، فهي لا تزال من عناصر الاحتياط الاستراتيجي للأردن».
وقف القاسم مثلاً ضد الدعوات الشعبوية والمعارضة التي تقترح التخلص من اتفاقية وادي عربة، ولا يزال يعتبرها ورقة استراتيجية. لكن في قياسات الرأي العام وحتى في قياسات الصالونات والنخب السياسية، لا بد من الإشارة إلى أن اتفاقية وادي عربة تفقد قيمتها مادامت تفاعلات الإحساس بالمخاطر عموماً وصلت إلى الإقرار بمعادلة «نشعر بالقلق».
هنا، تتطلب المتغيرات قراءة مختلفة لمسار الأحداث، والاستعدادات في كل اتجاه واضح أنها بدأت من عند المضمون والمحتوى الأساسي في خطاب العرش الأخير.
وهو مضمون حاول جمع الأردنيين على قلب خطاب وثابت واحد، وإن كانت المؤسسات والأدوات والرموز الموجودة يمكنها قراءته بصورة متباينة هنا أو هناك؛ وفقاً للأهواء مرة، وللكلاسيكيات في التفكير مرة أخرى.
بمعنى آخر، سلم التحديات لم يعد من الممكن إنكاره أردنياً، يبدأ عند الحصار الجيوسياسي الإسرائيلي ولا ينتهي به، مما ساهم في إفراز قواعد مختلفة في لعبة الاشتباك الدبلوماسي، تدفع عمان للبقاء في أقرب نقطة ممكنة من دول الاتحاد الأوروبي الشريكة والصديقة التي تخفف من ضغط اصطفافات الإدارة الحالية في واشنطن.
الرئيس دونالد ترامب بدأ فترته بحجب المساعدات للأردن وباقتراحات التهجير، وبقي عدائياً لفترة أطول من الوقت عندما فرض رسوماً بمعدل 20 على التجارة الأردنية. ولتقليصها إلى 10% فقد ابتز فريقه عمان في ملف «السيارات الصينية»؛ فتسبب بمشكلة للتعاون الاقتصادي والتجاري الصيني مع الأردن.
لذلك، في فهم المؤسسة الأردنية، يبدو أن التحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بغياب الضمانات الأمريكية التي كانت راعية لمصالح الأردن لأكثر من 60 عقداً في الماضي.
لكن بوجود إدارة منفلتة وغير مضمونة، يمكنها تأسيس ممارسات تؤذي المصالح الحيوية في النتيجة وفي أي وقت، من دون أن تتوفر القوة لدى أصدقاء عمان القدامى وفي الحزبين للتحرك المضاد. لا بل يمكنها -بسبب السلبية والعدمية- تهديد حتى مصالح الأردن. وتلك -برأي الخفش وآخرين- مسألة باتت أقرب من أي سيناريو آخر.
الأردن في المقابل، يلجأ إلى تكتيك «التنويع»؛ فأحد الموفدين أرسل إلى «بكين» بعيداً عن الأنظار.
والملك عبد الله الثاني يزور اليابان السبت، قبل تدشين «جولة آسيوية» مهمة. والمجاملات الدبلوماسية مع إيران تتواصل ببطء شديد، والانفتاح «أكبر» مع تركيا، والحكم السوري الجديد يحظى بكل «الحنان والرعاية» والدعم، والعلاقات مع قطر ومصر في أفضل أحوالها؛ لأن بعض الرسائل أرسلت لباكستان مؤخراً.
حراك دبلوماسي أردني نشط للغاية في اتجاهات متنوعة وغير مسبوقة لا يعني إلا حقيقتين:
الأولى أن الاسترخاء قرب «الجار الإسرائيلي» أصبح أقرب إلى «صعوبة النوم والقلق الشديد».
والثانية أن الضمانات الأمريكية لم تعد مقنعة أو منتجة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية