الصهيونية… “قداسة الشعب” مقابل “قداسة الإله”

حجم الخط
0

بدأت حكاية “شعب الله المختار” من أجل هدف واضح، وهو تكريس “قداسة الشعب” المستمدة من “قداسة “الإله”، مع ما للإله من قداسة في الوعي الإنساني، حيث إنه مصدر القداسة الأصيل الذي تأخذ منه كل المقدسات قداستها.
هذا هو الأساس، لكن المتتبع للفلسفة الصهيونية – وهي فلسفة مادية – يجد أن هذه الفلسفة – وعلى عكس غيرها من الفلسفات المادية – توظف الإله توظيفاً نفعياً، لتستمد منه القداسة، ثم مع الزمن، وبشكل تدريجي تقدم على نزع القداسة عن هذا الإله، لنقلها إلى المقدسات الأخرى التي ما نالت قداستها إلا بالانتساب إلى الإله، على العكس من الفلسفات المادية التي تمنح الإنسان خصائص الإله، وتنكر قداسته من الأساس.
واتساقاً مع التصورات الصهيونية تنتقل القداسة من “الإله” إلى “الشعب”، وهذا هو الهدف، من وراء نسبة الشعب إلى الإله، أي “قداسة الشعب”، لا “قداسة الإله”، ليتحول الشعب في “الوعي الآيديولوجي الصهيوني” إلى إله، منزه عن الخطأ، ونافذ الإرادة، ومبرر الأفعال، مهما كانت فظاعة تلك الأفعال.
لكن “قداسة الشعب” ليست المحطة الأخيرة من محطات إزاحة القداسة، ونزعها عن الإله، إذ لا بد لهذا الشعب من قادة وممثلين، يُختزل الشعب فيهم، ويقودونه في دروب الحياة الوعرة، وبالتالي فإن “قداسة الشعب” تنتقل بشكل فعلي إلى هؤلاء القادة الأفراد الذين أخذوا قداستهم بسبب انتسابهم إلى شعب، أخذ قداسته بسبب انتسابه إلى الإله، قبل أن يُجرَّد الإله من قداسته، لصالح الشعب، ومن ثم يُجرَّد الشعب من تلك القداسة لصالح الأفراد، ليكون الهدف النهائي من كل تلك التفاعلات هو إضفاء القداسة على أفعال الأفراد، وليس على الشعب أو الإله.
وغير خافٍ الهدف الحقيقي من وراء تلك الفلسفة، وهو الهدف المتمثل في “تعطيل المحاسبة والمساءلة” في حق قادة إسرائيل، وقد أسهمت هذه الفكرة التي تكرست على مدى عقود من الزمن في منح “حصانة قانونية وعرفية” لزعماء إسرائيل، ضد أية مساءلة أو محاسبة، جراء الفظائع التي ارتكبها هؤلاء القادة، ضد الفلسطينيين والعرب، على امتداد تاريخ دولة نشأت على يد مجاميع مسلحة متطرفة، ارتكبت فظائع في حق الفلسطينيين، قبل أن تندمج هذه المجاميع، لتشكل “جيش الدفاع الإسرائيلي الأكثر أخلاقية في العالم”، في مفارقة لم يكن القبول بها أو استيعابها ممكناً لولا تسرب فكرة القداسة من “الإله” إلى “الشعب”، ومن ثم إلى “الزعماء” الذين “لا يُسألون عما يفعلون”، بحكم أنهم – دينياً – “أبناء الله وأحباؤه”، حسب التعبير القرآني، وهم – مدنياً – “طليعة وحراس الحضارة الغربية في الشرق الأوسط”.
وإذا كانت الفلسفات المادية – بشكل عام – قد نزعت بالفعل “القداسة” عن الإله ومنحتها للإنسان، وإذا كانت “النيتشوية” قد تصدرت هذه الفلسفات فإن الفلسفة الصهيونية تعد – من هذه الناحية – البنت الأكثر انتساباً لنيتشه وأفكاره، مع أن الصهيونية طورت أداءها انطلاقاً من الدين، بهدف تقديس “الإنسان اليهودي”، على عكس نيتشه الذي طور فلسفة تقوم على “موت الإله”، لصالح الإنسان، ونزع القداسة عن الإله لصالح هذا الإنسان الذي وإن كان مقصوداً في عمومه، إلا أن تجلياته “الآرية الغربية” كانت المآل الأخير الذي وصلت إليه الفلسفات المادية.

عكست الصهيونية الآية، فلم يعد الشعب مقدساً، لأنه “شعب الله”، بل أصبح الإله مقدساً، لأنه “إله الشعب”، في تفريغ فج للقيم الروحية، لصالح الأعراق البشرية

وهنا تنبغي الإشارة إلى الأثر الكبير لنيتشه على فلسفتين عنصريتين متضادتين، هما “النازية والصهيونية”، مع أن نيتشه – ربما – لم يكن يقصد المناحي العنصرية التي آلت إليها الفلسفات المتأثرة بأفكاره. فالنازية انطلقت من “تقديس الإنسان” لتخصيص هذا التقديس وحصره على العنصر “الآري/الألماني”، فيما انطلقت الصهيونية من “تقديس الإنسان”، لتخصيص هذا التقديس وحصره على “العرق السامي/اليهودي”، الأمر الذي أدى إلى صدام حتمي بين هاتين الفكرتين، بما أن كل فكرة تعكس محتوى نقيضاً للفكرة الأخرى.
ومن هنا اندلعت فظائع الهولوكوست النازي، أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفظائع التي كانت ترتكب بمنطق تبريري، ينطلق من منطلقات عنصرية قائمة على أساس: “قداسة الغاية وقداسة الساعين لتحقيقها” من النازيين، وهي المنطلقات ذاتها التي تنطلق منها الحركة الصهيونية في تعاطيها مع الآخر العربي، بعيداً عن منطق المساءلة والمحاسبة، واعتماداً على منطق: “قداسة الغاية وقداسة الساعين لتحقيقها” من الصهاينة.
هذا التساوي في الأفعال من طرف ممثلي حركتين متناقضتين يعد منطقياً ومفهوماً، إذ أن الحركتين (النازية والصهيونية) متفقتان حول مبدأ “قداسة العرق”، ولكنهما مختلفتان حول نوعية هذا العرق، فهو “الآري/الألماني” عند النازيين، وهو السامي/اليهودي عند الصهاينة الذين أخذوا قداستهم من “الشعب المختار” الذي أخذ قداسته من “إله الشعب”. وهنا عكست الصهيونية الآية، فلم يعد الشعب مقدساً، لأنه “شعب الله”، بل يصبح الإله مقدساً، لأنه “إله الشعب”، في تفريغ فج للقيم الروحية، لصالح “الأعراق البشرية”، وهو ما ينسف كل الأديان والرسالات السماوية، بما فيها اليهودية التي أفرغتها الحركة الصهيونية من محتواها الروحي، بعد أن حولتها إلى وسيلة مبتذلة، لتحقيق أهداف سياسية خالصة.
من هنا أصبح اليهودي يهودياً، لا من كونه يتبع الوصايا العشر وبقية التعاليم الروحية لأنبياء بني إسرائيل، وإنما من كونه أحد أفراد “شعب مقدس”، بغض النظر عن التزام الأفراد أو الشعب بالتعاليم المقدسة، حيث تصبح أفعال الفرد – لا وصايا الإله – هي المقدسة، ومن هنا تحولت اليهودية من “ديانة” إلى “عرق”، وهذا هو أخطر تحول مرت به اليهودية، ووظفته الصهيونية، بوصفها منتجاً للفلسفة المادية الغربية في تجلياتها الداروينية/النيتشوية التي تمجد القوة إجمالاً، رغم اختلاف التفاصيل والمسارات.
يذكر عبد الوهاب المسيري أنه تعرف على فتاة يهودية لم تكن تمارس أياً من الشعائر اليهودية، وأنها كانت تصر على تقديم نفسها بصفتها يهودية، وأنه قال لها: “سارة إن قلت إنك أعظم امرأة في العالم فسأصدقك، أما أن تسمي نفسك يهودية فهذا صعب علي تصديقه”، ولكنها كانت تصر على ذلك التوصيف. وحين سألها: لماذا هذا الإصرار على اليهودية، بما أنها لا تمارس الشعائر؟ قالت “أريد أن أكون جزءاً من شيء قديم”.
مرة أخرى، إنه الميل للانتساب للمقدس بغرض أخذ القداسة منه، ومن ثم نزعها عنه، وجعلها حصرية في من ليسوا مقدسين على الإطلاق، وذلك لنسف مبادئ المساءلة والمحاسبة والقوانين والأعراف.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية