تمثل البندقية جزءا لا يتجزأ من هوية الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال الإسرائيلي. ورغم التوسع في استخدام مصطلح «الإرهاب» لتشويه وابتزاز قوى المقاومة المسلحة الساعية للتحرر، فإن ارتباط البندقية بالكفاح من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة لا يختفي ولا يتراجع، لأن لكل شعب وطنا، إلا الشعب الفلسطيني لا وطن له (سواء في إطار حل الدولتين، أو حل دولة واحدة ثنائية القومية، أو حل دولة واحدة ديمقراطية)، تهدده إسرائيل بالفناء التام، وهي تفعل ذلك بالفعل عن طريق الاستيطان ومصادر الأراضي والتهجير.
الآن، ومع دخول خطة ترامب بشأن مستقبل غزة مرحلتها الثانية، أصبحت مسألة نزع سلاح المقاومة، وتصفية كل المقومات العسكرية في القطاع، بما في ذلك الأسلحة الهجومية والدفاعية والذخائر والأنفاق والمعسكرات والورش المستخدمة في صناعة السلاح والذخيرة، هي العنوان الرئيسي الذي يشغل العالم. وبأخذ تجربة كل من أيرلندا الشمالية، وجنوب افريقيا في الاعتبار، فإن عملية نزع السلاح تمت في كل من الحالتين وفقا لإطار سياسي واضح، يحقق في الحالة الأولى إنهاء الحرب في أيرلندا الشمالية وإنهاء الحكم الطائفي، وبناء نموذج ديمقراطي لا ينطوي على تمييز في الحقوق والواجبات بين المواطنين، بصرف النظر عن الطائفة الدينية التي ينتمون لها. وقد نجحت منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي، بعد أن اندمجت في التنظيم السياسي (شن فين) في أعقاب اتفاق «الجمعة العظيمة» في أن تشارك في الانتخابات العامة، وتفوز بأكثرية المقاعد في برلمان أيرلندا الشمالية، وأن تتولى رئاسة الإقليم الذي يمثل واحدا من الأقاليم الأربعة الرئيسية، التي تتكون منها المملكة المتحدة.
في الوقت نفسه فإن عملية تسليم السلاح أشرفت عليها هيئة دولية مستقلة واستغرقت ما يقرب من 7 سنوات (1998- 2005). كذلك فإن تخلي حزب المؤتمر الوطني الافريقي عن الكفاح المسلح، تم في إطار اتفاق سياسي جرى تنفيذه بشكل متدرج على التوازي مع اتخاذ إجراءات دقيقة لبناء الثقة بين الطرفين.
ومن ثم، فإن التخلي عن الكفاح المسلح وإسقاط دور البندقية في الحالة الفلسطينية يجب أن يكون مشروطا بتوفر معطيات قوية ذات مصداقية، واتخاذ إجراءات لبناء الثقة بين الجانبين. بمعنى آخر لا يمكن الموافقة على إسقاط خيار الكفاح المسلح من دون مقابل سياسي حقيقي مضمون دوليا وشديد الوضوح من حيث الدقة، والتفاصيل، والجدول الزمني، والقبول بتحويل تشكيلات المقاومة المسلحة إلى تشكيلات سياسية تتمتع بحقوق المشاركة السياسية كافة وتولي سلطات الحكم من خلال انتخابات حرة تشرف عليها جهة دولية. كذلك فإن مشاركة تنظيمات المقاومة في البناء السياسي يجب أن ترتبط بالمشاركة في عملية إعادة بناء غزة. وتتمثل أهم الشروط المسبقة الواجب توفرها للموافقة على برنامج لنزع سلاح المقاومة، وتحييد غزة عسكريا ما يلي:
ارتباط البندقية بالكفاح من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، لا يختفي ولا يتراجع، لأن لكل شعب وطنا، إلا الشعب الفلسطيني لا وطن له
أولا: اعتراف إسرائيلي رسمي بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على الأرض المحتلة، يوافق عليه الكنيست والحكومة. حتى الآن تحصل إسرائيل على ما تريد من خلال خطة ترامب بشأن مستقبل غزة، من دون تقديم أي معادل سياسي للشعب الفلسطيني، بل إن الحكومة الإسرائيلية على العكس من ذلك تبدي ميلا شديدا للتطرف، سواء في غزة أو الضفة، وفرض المزيد من الشروط، والإصرار على فصل غزة عن الضفة الغربية، على غرار فصل القدس الشرقية عن الضفة. هذا الاعتراف الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه كان يتوجب الحصول عليه منذ اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بدولة إسرائيل (سبتمبر 1993)، وأقامت علاقات معها بمقتضى اتفاقيات أوسلو. ويعتبر الحصول على اعتراف إسرائيلي بحق الفلسطينيين في الدولة بمثابة تصحيح لخطأ تاريخي في المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية.
ثانيا: إطلاق حرية العمل السياسي المدني السلمي ضد الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة. لا يمكن حرمان الفلسطينيين من حمل السلاح ضد الاحتلال وحرمانهم في الوقت نفسه من النضال سياسيا ضده. وتوفر حرية العمل السياسي ضد الاحتلال شرط ضروري، لا يزال غائبا، الأمر الذي أصاب الجسد السياسي الفلسطيني بالكهولة والتيبس. إن إطلاق حرية العمل السياسي تعني استدعاء جيل جديد من الفلسطينيين لممارسة السياسة والمشاركة في الكفاح من أجل إقامة الدولة المستقلة ذات السيادة، من خلال أطر سياسية لا تقتصر بالضرورة على المكونات التقليدية، التي لا تزال تقف على رأس هذا الكفاح منذ ستينيات القرن الماضي. كما أن إطلاق حرية العمل السياسي يمكن أن يسهم في خلق تيارات ديمقراطية حقيقية داخل المنظمات السياسية الفلسطينية الكبرى، ما يعزز القوة والفعالية السياسية لتلك المنظمات ويغلق الطريق على تغليب نفوذ جماعات المصالح داخلها.
إن ما جاء في المرحلة الثانية من خطة ترامب بشأن نزع سلاح غزة، لا يمكن التسليم به من دون صدور إعلان سياسي تضمنه الولايات المتحدة والقوى الرئيسية في العالم، ويوافق عليه الكنيست الإسرائيلي، يقر بحق إقامة الدولة الفلسطينية، وفقا لجدول زمني محدد، يستجيب لحقوق الشعب الفلسطيني، الذي يناضل من أجلها منذ أكثر من مئة عام. هذا الإعلان يمكن أن يصبح فيما بعد أساسا لتطوير علاقات إقليمية صحية، بين دول وشعوب الشرق الأوسط، وإقامة سلام حقيقي يقوم على التكافؤ والاحترام المتبادل والتعاون المشترك، وليس على القوة والنفوذ المكتسب بالعدوان على الشعوب الأخرى. ويتطلب ذلك عمليا اتخاذ ثلاث خطوات متزامنة مع عملية تدريجية للتخلي عن السلاح إلى هيئة دولية مستقلة. الخطوة الأولى هي إنهاء احتلال قطاع غزة وإنهاء الحصار تماما، هذا يعني إنهاء تقسيم القطاع بين خطوط خضراء وحمراء، وإنهاء عزل القطاع عن الضفة الغربية، وترك مسألة حكم الضفة والقطاع ليقررها الفلسطينيون أنفسهم بالاشتراك مع شركاء إقليميين مثل مصر والاردن وقطر والسعودية وتركيا. هذه الرؤية تستدعي من جديد واجب ترميم البيت الفلسطيني سياسيا، وتقديم اعتبارات الوحدة السياسية الفلسطينية على خطيئة الاقتتال الداخلي بين الفصائل، الذي يمثل زادا تتغذى عليه إسرائيل وتزيد قوتها.
ثالثا: أن تصدر المقاومة الفلسطينية المسلحة بيانا تعلن فيه إنها على استعداد للتخلي عن استخدام السلاح، مقابل الاعتراف السياسي بها وضمان مشاركتها غير المشروطة في الحياة السياسية محليا وإقليميا ودوليا، ما يتطلب إسقاط تصنيف المنظمات، مثل حماس، كمنظمات إرهابية، لأن هذا التصنيف تصنيف جائر يخالف حق الشعب الخاضع للاحتلال، في استخدام القوة ضد القوة المحتلة، كما أنه يحرمها من ممارسة العمل السياسي الطبيعي، والمشاركة في صنع المستقبل الفلسطيني.
رابعا: في إطار ترميم البيت الفلسطيني من الداخل، وهو شرط أساسي للكفاءة في الأداء الدبلوماسي للكفاح الوطني الفلسطيني، من الضروري إنشاء جهاز موحد لإدارة المفاوضات بالتنسيق مع الدول العربية المعنية. ومن الملاحظ حتى الآن أن الدبلوماسية الإسرائيلية هي التي تقود الأداء العملي لخطة ترامب بشأن مستقبل غزة، فهي التي تتحكم في اختيار الدول التي تشارك في قوة الاستقرار الدولية، وتجري الاتصالات مع دول بعينها تختارها، منها إثيوبيا واليونان وإندونيسيا للمشاركة. كما أن إسرائيل هي التي تتولى عمليا وضع شروط تشغيل معبر رفح وتحديد العدد الفعلي للعابرين، وهي التي تحول دون دخول معدات ومواد البناء، وتحدد نوعية وقيمة ما يحمله الداخلون من أمتعة ونقود، وهي التي دعت إلى انعقاد مجلس السلام (بناء على طلب من نتنياهو) في هذا الأسبوع، وهي التي تقرر ما يدخل من مساعدات إنسانية، وهي التي أسست ميليشيات متعاونة معها في غزة من أجل إثارة الفوضى في القطاع ومساعدة أجهزة الأمن الإسرائيلية.
ختاما أعيد التأكيد على أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستعد لشن عمليات أوسع نطاقا من تلك التي شنها خلال الأسابيع الأخيرة. وإذا كان نتنياهو قد فشل حتى الآن في الحصول على موافقة ترامب بشن عملية عسكرية شاملة واسعة النطاق لنزع سلاح المقاومة، وتحييد غزة عسكريا بالقوة، فإن ذلك لن يمنع جيش الاحتلال من شن عمليات جزئية متقطعة، لكنها عنيفة ضد النصف الغربي من قطاع غزة، الذي يسكنه ما يتراوح بين 95 إلى 99 في المئة من السكان. وطبقا لتصريحات إيال زامير رئيس أركان الجيش يوم الجمعة الماضي: «لن نتخلى عن هدف الحرب المحدد، وهو نزع سلاح غزة بالكامل وتجريد حماس من جميع أسلحتها. نحن على أهبة الاستعداد للانتقال من الدفاع إلى الهجوم». هذا يعني عمليا أن القوات الإسرائيلية لديها خطط لاجتياح مناطق غرب غزة بلا تمييز وارتكاب مجازر إبادة جماعية جديدة بحق الشعب الفلسطيني، ويجب الاستعداد لذلك دبلوماسيا وهو الأهم في الظروف الراهنة.
كاتب مصري