«السَّرْجَم» رواية الجزائرية ربيعة جلطي: المشي بين الأسطورة والفلسفة وانكسارات الإنسان المعاصر

سارة سليم
حجم الخط
0

تقدّم الروائية الجزائرية ربيعة جلطي في عملها الجديد «السَّرْجَم؛ يأجوج ومأجوج»، إضافة نوعية إلى مسار الرواية العربية المعاصرة التي تعيد التفكير في علاقة الإنسان بالعالم، وفي قدرة الأدب على تأويل الراهن من خلال آفاق رمزية وأساطير عميقة. فالرواية لا تقف عند حدود الحكاية، بل تتجاوزها إلى مساءلة الوجود الإنساني وإعادة طرح أسئلة المصير والزمن والذاكرة من خلال بنية سردية تحتفي بالأسطورة وتستنطق الفلسفة وتتماهى مع قلق العصر الحاد والمزمن.
عندما تكون الأسطورة استراتيجية روائية لتفكيك العالم المعاصرترى الباحثة البريطانية كارين أرمسترونغ أنّ الأسطورة «صممت لمساعدتنا على التعامل مع المآزق البشرية المستعصية، وإعانة الناس على تحديد موقعهم في العالم، وتحديد وجهتهم فيه». هذا التصوّر يتجسّد بوضوح في رواية ربيعة جلطي؛ إذ يصبح الاشتغال الأسطوري جزءاً من البنية الفكرية للعمل، لا مجرد خلفية زخرفية. فالأسطورة تُستدعى هنا بوصفها قوة تفسيرية تُضيء مناطق العتمة، وتعيد ترتيب الفوضى الداخلية للعالم المعاصر. يتقاطع هذا مع أطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي كلود ليفي شتراوس القائل إنّ «الأسطورة ليست خرافة، بل نظام تفكير»، وهو ما تؤكّده الرواية من خلال شخصيات تبحث عمّا وراء الواقعي، وتعيش بين زمنين: زمن الحكاية المتوارثة وزمن الآلة المتغوّلة في هذا العصر المتشظي.
رواية «السرجم» لربيعة جلطي لا تعرض الواقع بوصفه مادة خاماً أو يوميات مباشرة، بل بوصفه كتلة رمزية تحتاج إلى تأويل. نحن، هنا، لا نرى العالم كما يظهر ويقدم في الأخبار أو تقارير الوثائقيات الباردة، بل كما ينعكس حين يمرّ عبر مرايا الأدب الساخن الضاج، فالسرد يضعنا أمام عالم متعدد الأصوات، يتداخل فيه زمن الجدّات بتوابله مع زمن الذكاء الاصطناعي بخوارزمياته، وتتقاطع فيه خرافات الطفولة مع ارتباكات الإنسان الحدث، حيث يتحول اليومي إلى أسطوري.
إنّ كلمة «السَّرْجَم» والتي معناها «النافذة» هي نفسها تتحوّل إلى استعارة كبرى تمثل العبور بين طبقات الحياة، الإطلالة على العالم بكل غموضه، والبحث عن المعنى أو عن الحقيقة النسبية داخل متاهة من الأسئلة. لذلك تقول إحدى شخصيات الرواية: «بعض الأسئلة تظلّ أجمل وأبلغ بلا إجابات»، إنه إعلان فلسفي وجمالي مفاده بأن المعرفة ليست خطاً مستقيماً، بل توترٌ دائم يتراوح ما بين السؤال والدهشة.

المرأة لسان السرد الموجع والصادق

في عالم ربيعة جلطي، المرأة ليست مجرد شخصية في الهامش؛ إنها الذاكرة، الحكاية، البوصلة. النساء هنا يأتين من عالم الجدّات، حاملاتٍ نبرات الحكمة وملوحة التاريخ وصبر الأرض وأسرارها، ليس من قبيل الصدفة أن يُسلّم مفتاح السَّرْجَم لفتاة صغيرة: «لا تدخليه بضعف وخوف… فمن الشطط أن يظل الإنسان وحده حكيماً»، هذا الفضاء النسوي يعيد للمرأة دورها الأصيل في المعرفة، وإعادة تشكيل العالم من الداخل. المرأة في الرواية هي التي تقرأ «كتاب الحفر»، وهي التي تلمّ شظايا الحكمة الموزعة ما بين عالمين؛ عالم السرد الشعبي بعفويته وشعريته وعالم الفلسفة بأسئلته الجارحة والمجروحة.
والذاكرة وشم لا يمحى، إذْ تشدد رواية «السرجم» على أن الماضي لا ينسحب من حياتنا، بل يواصل تسلله عبر المسامات الدقيقة للروح: «الزمن لا يشفي، والماضي لا يموت… إنه يتسلّل خلسة إلى حواسنا»، هذا الحضور العميق للذاكرة يحوّل الرواية إلى مساحة مواجهة بين الإنسان وذاته، بين ما يريد أن يتجاوزه وما يتربص بعتباته في كل لحظة. وهنا تُعيد ربيعة جلطي صياغة العلاقة بين الزمن الفردي والزمن الجماعي في إطار فلسفي أقرب إلى قراءات بول ريكور في «الذاكرة والنسيان».
تقدّم الرواية نقداً لاذعاً لمظاهر الزيف التي باتت إحدى سمات العصر الحاضر، عالم التقمّص الدائم الذي يجعل الإنسان في حالة أداء أدوار مستمر: «فالعالم كله في حالة تقمّص يا صغيرتي»، إنه العصر الذي يتحوّل فيه الإنسان إلى نسخة من ذاته، مُحاصَر بالصور ومنصات التواصل والذكاء الاصطناعي الذي يهدد بأن يصبح هو المتحكّم الأول في مصائر البشر: «وصل غيابكم قبلكم… والدهر في عجلة من أمره»، بهذا المعنى، تنتمي الرواية إلى الأدب الذي يعيد التفكير في العلاقة بين التكنولوجيا والوجود الإنساني، بين الوعي والآلة، بين الحضور والغياب، بين الراهن والمتوقع أو الافتراضي.
الصحراء رمل الحضور الميتافيزيقي، وهي في الرواية ليست جغرافيّة فارغة أو صماء، إنها كينونة رمزية فصيحة، باطنٌ سخيّ يمنح العالم خيراته من دون بخل أو تقتير، ولكنه واقع معزولٌ ومنسيّ، إنها استعارة تُحمل على أكثر من معنى: معنى الحرمان، معنى الانتظار الطويل، ومعنى العالم الذي يوزّع عطاياه دون أن ينعم بها أبناؤه. تقول الرواية: «باطن الصحراء الممتدة أذرعه السخية نحو العالم لا يعكس ظاهرها الذي ظل نائياً»، بهذه الجمل تتجاوز الرواية مجرد رسم المكان إلى بناء فلسفة المكان الصحراوي.
إنّ إحدى أبرز نقاط قوة هذه الرواية هو قدرتها على استشراف المستقبل عبر قراءة دقيقة لاهتزازات الحاضر، فـ»السرجم» تُحذّر من زمن قادم تنعدم فيه المحبة، ويتضخّم فيه حضور الآلة، وفيه يتحوّل الإنسان إلى كائن فقد صوته الداخلي. بهذه المقاربة فالرواية نص يشكل خطابه الجمالي السردي جسراً بين الواقع والممكن، بين الحكمة القديمة والهواجس المستقبلية.
من خلال هذا العمل الروائي، تثبت ربيعة جلطي مرة أخرى قدرتها على بناء عالم روائي غنيّ، يستثمر في الأسطورة والفلسفة والحكاية الشعبية، ويربط بينها بخيط إنساني رفيع وقوي. إن «السَّرْجَم» ليست رواية تُحكى وفقط، بل تجربة تُعاش، ومرآة تُظهر هشاشة الإنسان وقوته، تيهه وبصيرته، انكساره وأمله، وهي قبل هذا وذاك نص أدبي مؤسس على بناء عمراني سردي تتقاطع فيه الأسطورة والحكاية واليومي في شعرية عالية التوتر.
وأنت تقرأ رواية «السرجم»، كما في روايات الكاتبة السابقة، تشعر بأنك أمام سرد بحمولة تاريخية وأسطورية وفلسفية واضحة، لكن ربيعة تقدم لنا كل ذلك في عوالم روائية شفافة دون استعراض خارجي يخل بالنص. عوالم تتماهى فيها المعرفة مع السرد السلس المنعتق من ثقل المفاهيم، ففي الرواية تساهم المعرفة في صناعة السرد دون أن تثقله، من هنا بدت الشخوص طبيعية وصادقة.
تؤسس ربيعة جلطي ورشتها الروائية داخل هاجس أسطرة اليومي السياسي والاجتماعي والسيكولوجي الذي تعيشه الجزائر بتوابل أسلوبية جمالية عريقة نشعر وكأنها قادمة من ألف ليلة وليلة مرورا بالأساطير القديمة وابن حزم وسرفانتيس وصولا إلى بورخيس. وهي في ورشتها هذه تركز كثيرا على دور اللغة في العملية الإبداعية، فتعمل على المداخل الشعرية، بعيدا عن أمراض المناجاة الفارغة، ودون أن تفقد جماليات السرد وفتنة الحكاية التي يتطلبها عمران الرواية المعاصرة.
إن الأسطورة التي تؤسس داخلها رواية «السرجم» ليست تخمة معرفية والغرض منها ليس إعادة سرد وقائع الأسطورة المعروفة لكن الغاية الأدبية منها هي كتابة أسطورة يومية جديدة لتاريخنا المعاصر على إيقاع الزمن المتوحش الحاضر، فالروائية تستثمر في جماليات الحكي الأسطوري المتنوع سعيا لأسطرة الواقع في سرد روائي جديد.
إن التجربة الأكاديمية الطويلة لربيعة اجلطي وكذا تجربتها الشعرية وإتقانها للغات أجنبية كالإسبانية والفرنسية، وقراءاتها وكتابتها بهاتين اللغتين بالأساس، مكنها من تقديم نص روائي بإيقاع جديد، حيث يجد القارئ العربي نفسه أمام سرد روائي يشبه ملتقى مركز العالم.
إذ يشعر القارئ العادي كما الناقد المتمرس حيال رواية «السرجم» وكأنه في منطقة أدبية سردية تتقاطع فيها مخيالات لتراثات متعددة تصب جماليات متدفقة قادمة من المتون العربية والإفريقية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية، كل منطقة ثقافية ولغوية لها خصوصياتها الجمالية. وهذا ما يجعل من تجربة ربيعة جلطي الروائية إضافة نوعية في السرد العربي الجديد.
ولخلق سرد روائي جديد وذكي ومغاير حيث تستثمر ربيعة جلطي في مسألة الرقائق الإلكترونية المزروعة في رؤوس بعض الشخوص الروائية ومن خلال هذه اللعبة الجمالية تصبح الرواية تتمتع بمساحة واسعة من الجغرافيا أي الأمكنة المتعددة ومن الأزمنة المتداخلة البعيدة والقريبة والحاضرة والمستقبلية، وحيال ذلك يتجلى لنا عالم روائي بآفاق فلسفية مفتوحة على مشكلات العصر دون أن يفقد هذا الراهن تواصله مع الماضي الذاكرة، لقد جعلتنا لعبة الرقائق الإلكترونية المزروعة في رؤوس الشخصيات نقرأ نصا يمتلك رؤية للعالم شاملة ومبررة حين يكون هناك انتقال من مكان إلى آخر أو من زمن إلى آخر، وبهذا تجعلنا رواية «السرجم» أمام تقنيات سرد مريح ومقنع عن الأسطورة وفيها وبها كل ذلك من خلال التكنولوجيا المتقدمة.
في هذه الرواية تصالح ربيعة ما بين الوسائط اللغوية الشعرية السردية والوسائط المعرفية الأسطورية الدينية والتكنولوجيا المستقبلية، من هنا يطل القارئ على نص روائي البطولة فيه تمتزج فيها البشري والروبوتي في سرد يراوح ما بين الفانتاستيكي والتاريخي، ما بين الديني والتكنولوجي، ما بين المستقبلي كما يتوقعه العلم بخواريزميته الجديدة والتصورات الدينية كما تقدمها الأساطير التي وردت في النصوص المقدسة أو الشعبية.
تقرأ رواية السرجم عن طريق المشاهدة فأحداثها تتحرك وتتقدم كوقائع فيلم من الأفلام الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا في تأثيث عوالمها وشخصياتها. ولا تتردد الروائية بين الحين والآخر في استعارة بعض مفردات قاموس لغة التكنولوجيا لكنها تتحول إلى سرد أدبي يخرجها من برودتها ليمنحها حرارة طقوسية متماهية مع حبكة الرواية. ‎
ولأن ربيعة جلطي تتحكم في دقائق عوالمها الروائية، فقد استطاعت أن تخلص نصها الروائي من مرض البدانة الذي بات مرضا شائعا في الكتابة السردية العربية، فرواية «السرجم» نص ضد الثرثرة إنه يشبه تلك المنحوتة التي تخرج بعد معاناة وبعد حفر ونحت وتدوير من كتلة حجرية كبيرة تم تشذيبها وتطويعها بهدوء ودقة ثم بث فيها روح الروائية وروح الحياة اليومية.
إن رواية «السرجم» تتجاوز زمنها دون أن تخطئه سوسيولوجيا، وتفتح أمام القارئ أبوابا للتأويل، وتعيد للخيال مكانته بوصفه قوة معرفية، لا لعبة لغوية فارغة.

ربيعة جلطي: «السرجم ــ يأجوج ومأجوج وسفر الحفر»
دار العين، القاهرة 2025
195 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية