السيرة البارودية: جميل البارودي وسيارة سعود الفيصل

منذ سنوات، لا يتوقف الكاتب السعودي محمد السيف عن تقديم سير شخصيات غنية بالتجربة، لكنها غدت مجهولة أو منسية في الذاكرة المعاصرة. ولهذا، يمضي السيف في مشروعه بعناد المؤرخ، وبصوت الراوي، ليُعيد إلينا سير أشخاص غابوا عن حياتنا، ما يجعل من كتابة السيرة عملاً شاقاً، لكنه ممتع في الوقت ذاته.
لأن الكاتب في هذه الحالة، مضطر إلى تخيّل عالم بطله. وهذا التخيّل لا يتعلق فقط بجمع وتقميش بعض التفاصيل هنا وهناك، بل باكتشاف الوثائق والذاكرة، ودمج البطل في العالم والفضاء والزمن الذي كان يعيش فيه. وبالتالي تصبح مهمة الكاتب هنا مضاعفة، إذ يصبح تخيّل حياة البطل جزءاً من مشروع أكبر يتجاوز جمع التفاصيل عنه. ولعل هذا هو المراد من عالم السيرة، فالسيرة تتيح لنا مصادر وعوالم جديدة لرؤية التاريخ والأحداث، وهي تتغلغل ببطء في حياة الناس. كما أن ما يميز السيرة هو أنها مشروع قابل للانفتاح والتأويل الدائم، ولن نبالغ إن قلنا، إنه ليست هناك سيرة واحدة لأيٍّ شخص، وإنما هناك ألف وجه ووجه لسيرنا الذاتية، وفق تعبير فرجينيا وولف. وهذا بقدر ما يعقّد عالم السيرة، إلا أنه يجعلها أيضاً حقلاً وتجربة مليئة بالقصص والحكايا والخيال. ولكن، لو توقّفنا الآن عند نصوص السير الذاتية وفنونها، وحاولنا المضي قدماً مع السيف في سيرته الجديدة عن جميل البارودي، بطله الجديد، فمن هو؟ وما الدافع الذي جعل كاتباً سعودياً يعيد إلى الذاكرة قصة شخصية لبنانية؟
قد يخيل للقارئ من العنوان أننا أمام سليل السياسي السوري المعروف فخري البارودي. لكننا، ومع عبور المقدّمة، نكتشف أن الباروديين كُثُر، وأنهم لا ينتشرون في سوريا فحسب، بل في مصر وجبل لبنان. لكن من هو جميل البارودي؟ ولماذا نقرأ سيرة عنه؟ السبب يتعلّق باللحظة التي تنبّه لها السيف في كتاب سابق له، وهي لحظة الأربعينيات والخمسينيات، وتحديداً داخل وزارة الخارجية السعودية. ما يلاحظه السيف أنها لحظة سُمّيت فيها وزارة الخارجية السعودية بـ»وزارة السوريين»، بسبب وجود أعداد كبيرة من أصول سورية جغرافية، سوريين وفلسطينيين ولبنانيين، الذين ساهموا في تأسيس ودفع عمل وزارة الخارجية السعودية خلال الأربعينيات والخمسينيات، من أمثال فؤاد حمزة وخير الدين الزركلي ورشاد فرعون، وهو أمر سيستمر حتى نهاية السبعينيات.
تعود أصول أسرة البارودي المسيحية إلى بلدة «سوق الغرب» في جبل لبنان، وهي بلدة تميّزت مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بوجود عدة مدارس أمريكية وسوق صغيرة، كما امتازت المدينة بسمعة جمال بناتها، ما جعلها تتحول إلى «بلدة ملكات الجمال» في لبنان في النصف الأول من القرن العشرين. ولعل هذا الجمال كان سبباً غير مباشر في دخول الشاب جميل البارودي لاحقاً عالم الدبلوماسية.

الأمير سعود الفيصل خلال الدراسة
في جامعة برنستن

لكن قبل الوصول إلى هذه اللحظة، لا بد من الإشارة إلى أن جميل البارودي وُلد عام 1905 وكان والده صيدلانياً معروفاً في البلدة وبيروت عموما، كما بدا والده – كما ينقل عنه الأب لويس شيخو – مغرماً بالآداب والآثار العربية، وصاحب مكتبة كبيرة تضم عدة مئات من المخطوطات النفيسة. ويبدو أن الولد، على الرغم من وفاة والده وهو في عمر صغير، تأثّر بعالم الثقافة والاهتمام باللغة العربية، ما جعله مهتماً بكتابة الشعر والإبداع العربي، وهو أمر لم يقتصر على جيل البارودي، بل يمكن القول، إن هذا الاهتمام جاء امتداداً لاهتمام النخب المسيحية العربية في لبنان باللغة العربية منذ أيام بطرس البستاني، إذ لعب المسيحيون العرب في مدن مثل بيروت ودمشق دوراً مهماً في نهضة اللغة العربية. ورغم احتكاك قسم من هؤلاء المثقفين المسيحيين بالثقافة الفرنكفونية، لكنهم في المقابل ظلوا يعتزون باللغة العربية بوصفها لغة الخطابة والوجدان والعاطفة.
درس جميل البارودي الكيمياء في الجامعة الأمريكية. وفي عام 1929 قرر السفر إلى بريطانيا وفرنسا، وعمل في تجارة وتمويل المشاريع الكيميائية، وإلى هذه اللحظة، يبدو الشاب في سيرته سائراً على درب والده، لكن حدثاً سيغيّر من حياته، قبل أن تأتي الحرب العالمية الثانية لتنقله من ضفة تاجر إلى ضفة عالم الدبلوماسية السعودية في أمريكا.
أخو «ملكة جمال لبنان»
امتازت بلدة سوق الغرب بجمال فتياتها.. ينقل عنها أنها أول بلدة ربما فكّر أهلها بإعداد مسابقة تُعنى بملكات جمال لبنان. وهناك تفسير لهذا الجانب، وهو أن هذه المسابقة كانت بمثابة مناسبة وفرصة لتزويج عشرات الفتيات من شبّان لبنانيين مهاجرين، فقد كان الحفل حدثاً اجتماعياً. وشاءت الصدف أن تكون سامية أخت الشاب جميل، ملكة جمال البلدة، في صيف عام 1935، ولاحقا لبنان. عُرفت أخته بجمالها الطاغي ذي المسحة الشرقية، وازدادت شهرتها عندما تُوّجت «ملكة جمال سوريا ولبنان» في العام نفسه، ورغم انتشار صيت جمال الفتاة في المشرق وأوروبا، مع ذلك ظلّت متمسّكة بفكرة العائلة وتكوينها.
في هذه الأثناء، جاء رجل أربعيني، تاجر، ومثقف أيضاً، يدعى شارل قرم، كان وقتها وكيل شركة فورد للسيارات في الشرق الأوسط، كان شارل في الثانية والأربعين من عمره، بينما لا تزال سامية في الحادية والعشرين. مع ذلك، حصل النصيب، وانتقلت سامية إلى نيويورك وأنجبت أربعة أولاد لاحقاً. في عام 1939 تبنّى شارل دعم وتمويل فكرة مشاركة لبنان في معرض نيويورك الدولي. فاستعان بصهره جميل. وصل جميل إلى نيويورك، وبعد أسابيع قليلة اندلعت الحرب العالمية الثانية، ولذلك قرّر ترك بريطانيا والاستقرار في أمريكا.
خلال إقامته في أمريكا، طلبت منه الحكومة الأمريكية ترتيب الدعاية الحربية باللغة العربية، لكنه رفض. عاد ووافق لاحقاً على تدريس الضباط الأمريكيين اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط في جامعة برنستون.

لقاء العمر
أثناء إقامة البارودي في بريطانيا، تعرّف على الأمير الشاب فيصل بن عبد العزيز. كانا في عمر متقارب، ويحملان أفكاراً جديدة عن العالم، ولذلك توثّقت العلاقة بينهما. وفي عام 1943 زار الأمير فيصل – وزير الخارجية آنذاك – أمريكا، وقابل رئيسها فرانكلين روزفلت، وقد تميز بقدرة فائقة على التكيّف أدهشت الأمريكيين، لأنه ظل في ثيابه العربية يُجيد الحديث بكل أدب. مكث الوفد السعودي بضعة أيام في واشنطن، وهي رحلة سيروي عنها خليل الرواف ـ أول ممثل عربي سعودي في هوليوود ـ تفاصيل عديدة، في مذكراته التي أشرف السيف أيضاً على طباعتها قبل عدة سنوات.
المهم أن الأمير فيصل استغل زيارته وسعى إلى مقابلة الصديق الذي تعرّف عليه في بريطانيا، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عاد الأمير فيصل مرة أخرى إلى أمريكا، وضمّ جميل البارودي إلى الفريق الدبلوماسي السعودي. لم يكن ضمّ وجوه عربية إلى الحقل الدبلوماسي السعودي آنذاك أمراً استثنائياً، فمن خلال بحث محمد السيف في أرشيف الدبلوماسية السعودية في الخمسينيات، نعثر على أسماء عربية عديدة، وفي الغالب سورية أو فلسطينية أو لبنانية، مثل: أسعد الفقيه، عمر حليق، إسماعيل الخالدي، أحمد الشقيري، الذي سيرأس لاحقاً منظمة التحرير الفلسطينية. وكل هؤلاء وغيرهم عملوا في الدبلوماسية السعودية.
أصبح البارودي لاحقا مندوب السعودية في الأمم المتحدة، واشتهر في هذا الجانب بفصاحته واندفاعه الجريء، ما جعله محل حديث الصحف العالمية.

البارودي وتاريخ الصليبيين:


من الأشياء اللافتة في خطابات البارودي داخل الأمم المتحدة، التي خصّص لها السيف فصلاً واسعاً، هو موضوع حساسيته من موضوع الدين، في السياسات الدولية، وتذكيره الدائم بالتاريخ الصليبي في المنطقة. فخلال مناقشة مشروع ميثاق حقوق الإنسان، بدا حذراً من عبارة «حرية تبديل الدين» ولذلك طالب بشطبها، وقد تبدو هذه المطالبة، كونه مندوبا عن دولة تعد مركز الإسلام، وتعتمد الرؤية الوهابية. إلا أننا نراه يفسر هذا الرفض من منطلق أكثر لبنانية ومشرقية، إن صح التعبير، إذ يرى أنه يجب ألا ننسى أنه عبر التاريخ كانت الإرساليات التبشيرية قد أساءت استخدام هذا الحق، ورغم أنه يؤكد أننا نعيش اليوم في عصر التسامح، لكنه يعود ويؤكد ضرورة ألا نهمل أن الدعاية الحديثة يمكن أن تؤثر فيه.
ويمضي في مناسبة أخرى إلى القول، إن الصهاينة يستغلون الدين لإحكام سيطرتهم على الشرق الأوسط، ولكنهم يجب أن يتعلّموا الدروس من التاريخ. فقبل قيام الصهيونية، كما يذكر، فشلت المسيحية ومن بعدها الإسلام في العمل بالروح نفسها، أي استخدام الروحي في سبيل الزمني. ولذلك فهو يعتقد أن الصليبيين فشلوا في احتلال الأرض المقدسة، كما فشل العباسيون والأمويون في استخدام الدين لإحكام هيمنتهم.

سيارة سعود الفيصل:
وعن علاقة البارودي بالأمير سعود الفيصل وزير الخارجية الأشهر في تاريخ المملكة العربية السعودية في القرن العشرين، ومن القصص الطريفة التي تروى هنا، أن الأمير سعود أقنع والده بشراء سيارة له أثناء دراسته في جامعة برنستون عام 1961، وحينما علم البارودي، غضب واتصل بالملك فيصل متسائلاً: «بدكم تخربوا الأولاد؟» فرد عليه الملك فيصل قائلاً: «أنت المسؤول والقرار راجع لك».
وفي لقاء آخر طلب الأمير من البارودي مبلغاً من المال لشراء حذاء جديد، إلا أن الأخير، وعوضاً عن إعطائه المال، أمر السائق بأخذ الحذاء القديم لإصلاحه. وربما في هاتين الحادثتين ما يشير إلى جدية البارودي وتقشفه وصرامته في حياته اليومية. فهو، وإن كان آنذاك يمثل مندوب السعودية، لكن ينقل المقربون منه أنه كان يتناول طعامه في الكافيتريا العامة، بدلاً من الصالات المخصصة للدبلوماسيين.
في عام 1978 توفي البارودي، ونعته جريدتا «الواشنطن بوست» و»نيويورك تايمز» بوصفه أحد أشجع الدبلوماسيين العرب في التعبير عن رأيه بمنتهى الصراحة. غاب ذكر البارودي لاحقاً، وولدت أجيال عديدة لا تعرف عنه شيئاً. ويحسب للسيف هنا أنه استطاع، من خلال سيرته، إعادة تعريفنا بشخصية منسية في عالمنا العربي، الذي يزخر بالمنسيين والمهمشين.

كاتب سوري

مصحح

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية