السوبر تاريخ والمستقبل المغلق

يتحدث أحد الأصدقاء عن ذكريات مراهقته في قرية أردنية، ويأتي على تجربته القصيرة مع جماعة سلفية مرتجلة غير مرتبطة تنظيميا، وفي وسط الحديث، يذكر التسويق لحلم استعادة الأندلس، ليفلت مني تعبير استنكاري: أنتم أيضا، ففي فصول قديمة من حياتي، وفي مدينة خليجية صغيرة، كان أستاذ اللغة العربية ذو الميول القومية، يتحدث كثيرا عن الأندلس بوصفه الجنة المفقودة، ويأتي على أن جيلا يراه يستعيد الأندلس، وأنه ليس جيلنا، الذي ما إن يسمع جرس الفرصة حتى يهرع للملاعب، فالجيل الذي سيفعلها سيكون مختلفا وسيحظى بالتربية الصحيحة وفقا للأصول القديمة.
في دفاتر النشأة لجيل عربي كامل تخالط التاريخ، الذي كتبه روائيا علي أحمد باكثير، وسينمائيا يوسف شاهين مع الناصر صلاح الدين، الذي أتى ليلاقي الهوى الذي حمله مشروع جمال عبد الناصر القومي، وبالأدوات نفسها التي أعملتها البنية النظرية لحزب البعث في كتابات ميشيل عفلق، والتي تكاد لا تختلف جوهريا في مبادئها العميقة مع النظرية المؤسسة للفكر السلفي.
الارتهان لفرضية التاريخ المزدهر والسطوة الكاملة على مجرياته لمصلحة جماعة بشرية اتصفت بما يقارب الكمال الأخلاقي، مسألة فرضت نفسها على بعض النخب في مرحلة ما يعرف بعصر النهضة، أو محاولة النهضة العربية، في بدايات القرن العشرين، ولم تتوقف عند أوساطهم، أو أوساط الفاعلين السياسيين الذين كانوا يبحثون عن مصادر ثقة من أجل تحقيق الاستقلال العربي عن الهيمنة العثمانية، ولكنها تمددت في العملية التربوية والتعبوية، لتخلق أجيالا تحمل شعورا من الاستحقاق المزيف، والثقة غير القائمة على أي سند واقعي أو حقيقي في أن التاريخ ليس عليه سوى أن يلبي قائمة طلباتهم، من الأندلس إلى الصين، وبينهما فلسطين تحصيل حاصلٍ. التشكيك في المقدمات التي استندت إليها عملية التجميل الواسعة للتاريخ، كان مدعاة للغضب، وسببا لنبذ وإقصاء الكثير من الباحثين والمفكرين، والاتهام بالارتهان للغرب، بأدواته التي تسعى للحط من معنويات الأمة في نسختها الدينية الإسلامية، أو القومية العربية، وكان من ضحايا حالات الغضب والهياج طه حسين، وغيره من المفكرين الذين بدأوا بتفحص مقولات تاريخية، ولكن الواقع أن بعضا من المستحدثات التطهرية في التاريخ، تواصلت وما زالت مثلما يحدث في مسلسلات تاريخية تبدو وكأنها تقدم صكوك الغفران لشخصيات تاريخية كانت محلا لكثير من الجدل، في كتب التاريخ القديمة والمعاصرة للأحداث قبل أن تكون كذلك في القراءات النقدية المعاصرة. التشوهات في التاريخ لم تقتصر على الكيان الوجودي الكامل للأمة، فالكثير ممن يظهرون على الإعلام المصري، يلوحون بحديث «خير أجناد الأرض»، لإسباغه على الجيش المصري، وهو لم يرد في المراجع التاريخية، وما ورد حديث عن أجناد الشام، وهو حديث ضعيف وموضوع، كما يذهب علماء الحديث في مختلف العصور، وهذه البدعة التي تلقي بالحدث التاريخي إلى مرجعية غيبية سابقة، أو ترفقه بحمولة عاطفية قديمة، فالعثمانيون كانوا يضيفون على حديث فتح القسطنطينية «فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وهي غير واردة في كتب الحديث المعتبرة. وسط الحديث عن التاريخ المزدهر، أو المجيد، أتت الرسالة الغامضة التي حملتها البنى الفكرية، والتي تعني استعادة للماضي، من غير أن تجيب بطبيعة الحال هل ستعيد الماضي بعيوبه أيضا، العيوب نفسها التي قادت لسقوط بغداد على يد المغول، أو خروج المسلمين من الأندلس، أو ما يتوالى منذ ذلك الحين من هزائم متلاحقة ومتكررة ومتشابهة، تتخللها لحظات من النشوة قائمة على تأويلات وترصد مرضي وطفولي بالإشارات، ومعجزات تلصق بأشخاص لا يستحقونها مثل من كانوا يصرون على رؤيتهم لأحد الرؤساء العرب على صفحة القمر، أو يخترعون أحاديث من كتب مجهولة كانت تبشر بقدومه، ويعتبرون ذلك مقدمة لتحقق الوعد، ذلك الذي تساءل أمين معلوف، عن الجهة التي أصدرته، مَن الذي وعدهم؟

يعتبر الخطأ والخروج عن السائد والمألوف خطيئة في المؤسسة التعليمية العربية، بعد التأسيس التربوي الأحادي والمفارق لأسس الواقعية والنقد، والمتزمتون ب لا يطبقون ذلك في مجالات العلوم الإنسانية، بل يمدونه إلى العلوم الطبيعية

يمكن أن نطور السؤال ونتحدث عن ذلك الشعور بالاستحقاق، وأن نجعله من الأساس سببا للتراجع التاريخي المتواصل والمتعمق مع الوقت، فمن أين تأتت الثقة لأحد مشايخ السلفية المشهورين، ليقدم حلا للمشكلة الاقتصادية، بالعودة إلى السبي وتجارة العبيد، على أساس الغزو عاما والراحة عاما آخر، ولا يقدم الشيخ الذي اشتهر تسجيله المرئي قبل سنوات، أي مسوغات واقعية للنصر المؤكد الذي ستحققه جيوش المسلمين في هذه الحروب التي تنتمي إلى العصور الوسطى. ما لا يراه الشيخ وغيره، أن الجيوش العربية في المواد الدعائية التي تنشرها من وقت إلى آخر، تفتخر بطائرات صنعت في لوكهيد مارتن وبوينغ وسوخوي وميغ، وأن هذه الجيوش تحتاج للمحافظة على علاقة طيبة مع الدول المصدرة للطائرات من أجل الصيانة، وقائمة التسليح الاستراتيجي، تشمل تقريبا كل سلاح حاسم في أي معركة حديثة، وفوق ذلك، فإن الأساليب الأساسية في الإدارة والتسيير مثل، بحوث العمليات لم تتطور بناء على جهود عربية، وأن قيادات الأركان تتلقى التدريب المتقدم في أكاديميات عسكرية أمريكية أو بريطانية أو روسية. الجيوش التي ارتأت الاستثمار في تحويل العوائد المالية لاقتناء الأسلحة لم تتحول إلى تعبير حضاري، ولم تكن تستند إلى عمق حقيقي في الجامعات والمؤسسات البحثية، حيث يعتبر الخطأ والخروج عن السائد والمألوف خطيئة في المؤسسة التعليمية العربية، بعد التأسيس التربوي الأحادي والمفارق لأسس الواقعية والنقد، والعرب المتزمتون بالموروث لا يطبقون ذلك في مجالات العلوم الإنسانية، ولكنهم يمدونه إلى العلوم الطبيعية، التي كثيرا ما تطورت نتيجة أخطاء في المختبرات كانت تسعى لإثبات نتائج مغايرة أثناء عملية البحث. ومع ذلك، فما الدافع الذي يرى حلا للمشكلات من خلال الحرب، وهل الوجود في العالم يعني القوة المفرطة أو الغاشمة؟ أم يعني مقاربة واقعية للظروف السائدة واندماجا إيجابيا مع المعطيات السائدة؟ يتطلب ذلك تفكيك نزعة الاستحقاق وما يرافقها بالبطولة والقصص الملحمية، التي تغذي العقل العربي، وتدفعه إلى مساحات من السذاجة غير المتناسبة مع متطلبات العالم الحديث وشروطه.
تتكرر الوصفات نفسها المرة بعد الأخرى، وعلى الرغم من الحديث الكثير عن التفكير خارج الصندوق، الذي يبدأ تلقينه للشباب العربي، فإن ذلك لا يقوم على أساس تربوي ولا يمكن أن يواجه البرمجة المستمرة في المنازل والمدارس، التي تصر على أن المستقبل يتطلب الانكفاء إلى الوراء، والبحث في شخصية المخلص الذي سيبني جماعة المؤمنين المخلصين والقياسيين في برهة من الزمن، ويعيد تصحيح الأوضاع من جديد، ولا فرق في ذلك بين سلفيين أو بعثيين، أو أية تنويعات دينية أو قومية، أو حتى يسارية وليبرالية تمضي للبحث في مسوغات مشروعها المستقبلي عن تفاصيل قديمة في الماضي.
كاتب أردني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية