كيف يكون ردّ عسكري مباشر، من دولة نووية على جارة لها نووية، ويحاذر سلفاً من وقوع حرب إقليمية بينهما؟
تلك هي المعادلة بين الهند وباكستان الآن. من بعد مقتلة السياح الهنود وادي بيساران بمرتفعات بهالغام في 22 إبريل.
لقد قُتل هؤلاء بدم بارد. وعلى ما يُستفاد من روايات الناجين، حاول المسلّحون التثبت من الهويات الدينية للضحايا قبل إطلاق الرصاص عليهم. ألهبت أخبار المجزرة الغلواء المحتقنة في عموم الهند. بخاصة في ظل سطوة اليمين القومي الديني الهندوسي الذي يعتمد بشكل أساسي على أداته التعبوية الضاربة ذات السمة الميليشياوية، «منظمة المتطوعين القومية» – راشترا سوايامسفاك سانغ – وما الحزب الحاكم – بهاراتيا جاناثا سوى تشكيل ملحق بها.
العصب الأيديولوجي لهذا اليمين، عقيدة «هندوتفا». وترى أن الهند هي الوطن القومي للهندوس. بدلاً من أن تتضمن هذه العقيدة جهوزية للاعتراف أكثر بباكستان كوطن قومي للمسلمين في جنوب آسيا، فإن جذورها تنضح بالعكس: رفض وحنق بسبب تقسيم الهند من الأساس. كونها ليست فقط وطناً قومياً بل هي أرض مقدسة.
في الهند، منطلقان أساساً للتصلب حيال المسلمين. أحدهما، مثله تاريخياً الخط المحافظ داخل «حزب المؤتمر». الذي، ورغم سيطرة خطاب «الوطنية الهندية الجامعة» – خطاب المهاتما غاندي وجواهرلال نهرو – على أدبيات هذا الحزب، لطالما حاول أن يتسلل ويسأل: لماذا هناك مسلمون في الهند أساساً، ما دامت قسمة 1947 تعطي للمسلمين بلداً، باكستان، انطلاقاً من مطالبة «الرابطة الإسلامية» به وبعد أن جرت الاستجابة للمطلب. كيف يعتمد الفرز الديموغرافي – الجغرافي على أساس ديني، ثم يصل عدد المسلمين في الهند اليوم إلى مئتي مليون نسمة. غالباً ما يعاد هذا الطرح لأول وزير داخلية بعد استقلال الهند: سردار فالابهاي باتل. كان له بعد الاستقلال عبارة حادة ذهب فيها إلى أن المسلم، لا يمكن، بحكم دينه، أن يتخذ من الهند وطناً له، ويعامل الهندوسي معاملة المواطن للمواطن. يوصف باتل بأنه «بيسمارك الهند» لأنه قاد عملية دمج مئات الكيانات الأميرية الداخلية في الدولة المستقلة، وثمة من لا يزال يفتح الدفاتر القديمة، عن السبب الذي دفع غاندي إلى الايعاز بالقيادة لنهرو وليس لباتل، والأرجح أن النفور بين هذين الشخصين كان ليفجر المسائل بينهما لولا وفاة باتل عام 1950. أما المنطلق الثاني، المتصلب حيال المسلمين في الهند فهو منطلق «الهندوتفا» الآنفة الذكر. مشكلته مع تقسيم شبه القارة، كما لو أنه كان يريد للسبعمئة مليون مسلم بين باكستان وبنغلاديش والهند الحالية أن يعيشوا اليوم تحت غلبة المليار هندوسي. عمليا، مشكلة جماعة «الهندوتفا» تعبر عن نفسها تنديدا محموماً بما يصفونه على أنه الخطيئة الأصلية لغاندي ونهرو: القبول بتقسيم الهند. ثم الخطيئة الجسيمة لأنديرا بنت نهرو: كونها، وهي تنتصر بشكل كاسح على الجيش الباكستاني في حرب 1971، اكتفت بفرض استقلال بنغلادش، ولم تحاول حسم الموقف في كشمير لصالح حكومة نيودلهي بشكل نهائي. يرى القوميون اليمينيون أن «شهامة» انديرا يوم أعادت 93 ألف أسير حرب باكستاني دون تحقيق مكاسب ترابية حاسمة في كشمير كانت إهداراً لفرصة القرن.
لا يشعر السواد الأعظم من مسلمي الهند اليوم بأي ذرة ولاء لباكستان. مع ذلك فهم يتهمون في ولائهم للهند ويساءلون أنى لهم هذا الولاء فيما الهند نفسها هندوسية من حيث الجوهر. لأجل ذلك جاء إقرار البرلمان لقانون المواطنة الذي يمنح الجنسية للاجئين من الديانات الدهارمية فحسب من الدول المجاورة، ويستثني المسلمين ليثير عاصفة استياء واسعة (2019) وكانت بعدها مظاهر البطش بالمسلمين، بالسكاكين والسيوف والهراوات والزجاجات الحارقة، في شوارع العاصمة (2020).
لا يغيب عن بال نيودلهي لحظة أن وراء باكستان، الصين، وأنها الصين نفسها التي كسبت، على حساب الهند، جولة، في التحولات التي حصلت في بنغلاديش في الآونة الأخيرة
يختلف الوضع في كشمير. لا يشعر سكانها بالضياع على غرار مسلمي باقي الهند. «لا للهند ولا لباكستان» كان هذا الشعار الغالب على المظاهرات الشعبية الاستقلالية فيها في الأعوام الأخيرة. بصرف النظر عن الواقعية التطبيقية لهذا الشعار، يتصرف مسلمو كشمير على أنهم أمة قائمة بذاتها، لها حق تقرير المصير. بدلا من أن يجري التفاوض معهم على الحكم الذاتي مثلا، أقدم اليمين القومي الديني على العكس تماماً عام 2019: ألغى الوضع الخاص بكشمير. أخضعها مباشرة للحكومة المركزية، دون سائر الولايات الهندية مرتبة.
مع هذا، تمكنت السلطات الهندية من السيطرة عاماً بعد عام على حركة الشارع في وادي كشمير. عملياً، وبعد سنوات من تعطل الأعمال والأرزاق جاءت انتعاشة السياحة القادمة من ولايات الهند، لا سيما من البنغال. جاءت المقتلة لتطيح بكل هذا المشهد، وتعود الكلمة للضغط الأمني على الناس.
استحضر في سياق تبرير المقتلة خطاب يتحدث عن خطورة توطين هندوس في الوادي ذي الأكثرية الإسلامية. في الواقع، كانت هناك أقلية هندوسية ملحوظة في عاصمة كشمير، سرينغار، وفي الوادي ككل، لكنها لاجئة في مدينة جامو منذ أواخر الثمانينيات. وهذه مفارقة أساسية لفهم الوضع. الدولة الهندية تفرض سياستها على مسلمي كشمير، لكنها لم تستطع الحيلولة دون طرد هندوس المنطقة منها. في المقابل، السياح الهندوس من الولايات البعيدة يقصدون هذه المرتفعات، ويجري الغدر بالعشرات منهم.
القسم الباكستاني من كشمير وضعيته أقل مرارة، لكنها أيضا ملتبسة. فهو ليس جزءا رسمياً من باكستان. تعتبر «آزاد كشمير» أنها تمثل الجانب «المحرر» بانتظار استفتاء تقرير مصير وفقا لشرعية دولية لن تأتي. هذا غير الجزء، الكبير مساحة، الذي تحتله الصين.
ينظر، تقليدياً، للنزاع حول كشمير، على أنه نزاع «محتبس» ومستدام، يلازم هذه الجبال، لا يكاد يفتر حتى يهب أواره من جديد. أشبه ما يكون بحرب مواقع طويلة الأمد، دون العودة لحرب الجبهات. لكن من يضمن عدم التمادي في عالم اليوم؟ بخاصة وأن التصعيد النوعي في فبراير 2019 كان بمثابة خيبة كبرى للهند لا تزال تجرجر آثارها. بعد هجوم دموي على الجنود الهنود آنذاك، نفذت القوات الجوية غارة جوية داخل الأراضي الباكستانية في بالاكوت، وفي اليوم التالي، ردت باكستان بإرسال طائراتها لمهاجمة أهداف هندية في كشمير، فأسقطت طائرة ميغ 21 وأسرت طيارها. مثّل «صدام بالاكوت» هذا نقطة تحول حساسة: اشتباك جوي مباشر بين قوتين نوويتين، وفوز باكستاني بشكل أو بآخر، إذ كان هذا أول طيار هندي يسجن منذ حرب 1971، ولم يعرف أساسا هل استطاعت الضربة الهندية تحقيق شيء يذكر. من يومها، و«حادثة بالاكوت» تستخدم كمادة صاخبة ضد حكومة نارندره مودي في الهند، وهذا بالتحديد ما يضغط على الوضع الراهن. إذ تريد الهند هذه المرة توجيه ضربة لباكستان، من دون فتح حرب إقليمية، لكنها تخشى أيضا من تكرار خيبة بالاكوت في فبراير 2019. بل هي تمني النفس بالثأر من تلك الخيبة. ليست هناك وصفة مضمونة سلفاً لتحقيق كل هذه الغايات في الوقت نفسه، خاصة وأنه لا يغيب عن بال نيودلهي لحظة أن وراء باكستان، الصين، وأنها الصين نفسها التي كسبت، على حساب الهند، جولة، في التحولات التي حصلت في بنغلاديش في الآونة الأخيرة. كثيرا، ما تدفع كثرة الانشغال بالمزاحمة الأمريكية الصينية، من النسيان، بأن الصراع الهندي الصيني، ولو من بوابة «المواجهة» بين الهند وباكستان، هو عصب التوترات الجيوبوليتيكية في آسيا.
كاتب من لبنان