الربيع العربي وشكل الدولة الوطنية

لم تكن الدولة العثمانية بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان، لتفعل شيئا حيال مشروع تفتيت الجغرافيا التي كانت تابعة لها، وتمت معاهدة سايكس بيكو في 16 مايو 1916، وهي معاهدة مزقت الأمة العربية وحولتها إلى دول متناحرة ومتصارعة على الحدود التي رسمها الفرنسيون والإنكليز، بعد أن ورثوا تركة «الرجل المريض».
ومنذ سقوط الخلافة بعد حالة الانسداد التي شهدتها الامبراطورية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية البحث عن مرحلة جديدة، ظلت الدول العربية تحاول تجديد بنيتها الهيكلية، ضمن عملية تشييد الدولة من الصفر، بما أفضى إلى دوام تعقد الفكر السياسي، الذي أبقى على حالة الانحلال والتخبط الدائمين، يعكسه واقع التفتت الراهن للفضاء العربي الموزع على دول متعددة ترفض خلق فضاء مشترك للتعاون في ما بينها، رغم وجود مسميات اتحادية موؤدة منذ البداية مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، واتحاد المغرب العربي، والاتحاد الافريقي.
وقد جرب العرب القومية والقطرية والليبرالية والاشتراكية التعاضدية والملكية، ولم ينجحوا في بناء المشروع الوطني الذي يتكامل مع المشروع القومي الوحدوي، نظرا لسكون النظم الحاكمة وفسادها السياسي وتخلفها البنيوي، وهي التي قبلت التقسيم ولم تستكمل مشروع التحرر الوطني في فلسطين، الذي دفع باتجاهه جمال عبد الناصر، وبدأ يخبو بوفاته. وإلى الآن يدفع العرب ثمنا باهظا نتيجة معاهدة سايكس بيكو، التي قسمت الوطن العربي وخلقت حدودا مصطنعة بين الدول، لتنزع القوة عن القبائل والجماعات الأهلية، فنشأت الخلافات الحدودية بين مصر وليبيا حول قبائل أولاد علي، ومصر والسودان حول وادي حلفا، والجزائر والمغرب حول واحة تندوف وقضية الصحراء المتواصلة إلى الآن، ونشأ خلاف بين مصر وفلسطين حول مثلث العوجة، والكويت والسعودية حول المثلث الصحراوي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة. كما كانت واحة البريمي موضع خلاف بين عمان والسعودية والإمارات، وتنازعت قطر والبحرين حول الجزر المجاورة، وسوريا ولبنان حول مزارع شبعا التي احتلتها إسرائيل في ما بعد، ونشب الخلاف الذي كان من أسباب حرب الخليج بين الكويت والعراق، حول المنطقة الحدودية التي بها أبار النفط إلى الكويت شمالا والعراق جنوبا. وكان النزاع أيضا بين اليمن والسعودية حول عسير ونجران. إلى جانب تمزيق المتجانس، وتقسيم الأكراد بين جنوب شرق تركيا وشمال شرق العراق وشمال شرق سوريا وشمال غرب إيران، وغيرها من الامتدادات الجغرافية ضمن دول الشتات.

الشعوب العربية تعبئ حركتها ولن تتراجع موجة التغيير السياسي مهما تتالت عوامل تعطيلها

ولم تأت الثورات العربية بشعار الوحدة، رغم الحدود المصطنعة، وكأن أقطار الأمة استكانت لواقع القُطْرية، وانشغال كل بلد بمشاكله الداخلية إن لم تكن هذه الثورات قد انقلبت على نفسها بعد مشروع تفتيت المفتت، الذي نشهده منذ سنوات والعمل على تخريب الدول العربية من الداخل، بفعل الإرهاب والفوضى الخلاقة. وهذه المرة تنتصر إسرائيل، بدون أن تخوض حربا بعد أن صدّرت الفوضى والحروب إلى الوطن العربي ودعامتُها في ذلك الولايات المتحدة، التي اتبعت سياسة القوة الناعمة منذ عهدة أوباما. ويبدو العرب في حاجة إلى رسالة جديدة توحد طوائفهم وأعراقهم، وإلى «وعي عربي جديد» بتعبير حسن حنفي، يمكن أن يستفيد من تجاربه السابقة على أمل أن يقوم ربيع عربي لا يتحول هذه المرة إلى شتاء. وليس بالضرورة أن يكون الأمل العربي بالرجوع إلى ماضي التجارب الفاشلة والتمسك بالفكر المهزوم. لا شيء يمنع أن يكون هناك طموح إلى نموذج مغاير في المستقبل، يتجاوز المتاجرة بالأرشيف، والحنين إلى نماذج حكم تسلطية فاسدة، يكفي أن يحدث «اجتهاد جماعي» يدفع نحو الوحدة العربية، التي لا تمنع التعدد والاختلاف. وقد يكون ذلك أفضل من الوصول إلى صفقة القرن، أو سايكس بيكو جديدة أسوأ من القديمة، التي فككت الوطن العربي ورسمت الحدود بين دول غير متجانسة، ثم استعمرتها وتركتها بعد موجة التحرر الوطني تعاني أزماتها الداخلية وصراعاتها الحدودية، وهي إلى الآن تغالب نفسها، ولم تستطع أن ترتقي إلى مستوى «الدولة الوطنية الجامعة»، التي تستوعب المختلف وتشكل عنصرا إيجابيا في التكامل العربي لأمة واحدة تعيش في دول متعددة. ورغم أن الربيع العربي يتأرجح بين النجاح والإخفاق، إلا أنه قد يلتحف «مؤقتا» اللون الرمادي نظرا لمحاولات النظام القديم تطويق الحركات الاحتجاجية، وفرض الاستبداد وخنق المجتمع بآلة القمع والديكتاتورية الأمنية، تحت مبررات مختلفة، ناهيك من خصوصيته في كل بلد، سواء من حيث المنشأ أو السياق السياسي والمدني. وتتجلى هذه الخصوصية في البلدان التي لديها ماضٍ استعماري يصادف تاريخها الحديث وبالتالي ثقافتها ومؤسساتها وأيضا حدودها. في المقابل ما زال لديهم مسلسل البحث عن الهوية وعن الشعور بالانتماء وبناء الدولة. وعلى نحو ما استنتجه المفكر الايطالي سيزر ماريني في دراسته عن المجتمع العربي في الثورة وتحدي الغرب على البحر المتوسط، فإن هذا المجتمع يحاول اختبار «مجالات التغيير» ذات الصلة بالديمغرافيا والهجرة والإحياء الإسلامي، إضافة إلى الأدوار المتعثرة للمرأة داخله.
وضمن جدية التخلي عن الذهنية الاقصائية التي فشلت سابقا، فإن الشعوب العربية تعبئ حركتها ولن تتراجع موجة التغيير السياسي مهما تتالت عوامل تعطيلها. وبمثل ما فشل الحكام الذين فرضوا العلمانية المتصلبة، أكثر من نصف قرن، ولم ينجحوا في تغيير وجهة هذه المجتمعات، التي أنكرت إقصاء الدين من الفضاء العام، وأظهرت خلال موجة الربيع العربي أنها متمسكة بقيمها الدينية وثوابتها العقائدية، فإنهم سيفشلون مجددا في عسكرة المجتمع والدولة، وتملّك الفضاء العام، وتدجين الشعوب ومنع المواطنة التشاركية. وستمضي القوى الحية في طرح القضايا العامة للمجتمع، وهي أساسا القضايا المتعلقة بالحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة وإنصاف المرأة وتحرير الإعلام والصحافة، وأيضا بممارسة أجهزة الأمن لسلطات قمعية وكل ما يهدد المهمة الرئيسة، التي تخول للقوى التقدمية والتحديثية أن تبني الهوية الوطنية الجامعة، وتناضل من أجل مجتمعات مدنية تعمل على تطوير مؤسسات الدولة التي تميز نفسها عن النظام ولا تتماهى معه فتساهم في تغوله.
كاتب تونسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية