يعتبر الانتقال إلى الطاقة الخضراء، والتوسع في إنشاء محطات الكهرباء التي تعمل بالطاقة النظيفة من أهم ملامح التنمية في العالم العربي في السنوات الخمس الأخيرة. وطبقا لإحصاءات وكالة الطاقة الدولية فإن الطلب على الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تضاعف ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة (2020 – 2024)، بزيادة تجاوزت 1000 تيراواط/ساعة، وهو ما جعل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثالث أكبر مساهم في نمو الطلب العالمي على الكهرباء بعد الصين والهند. وبالنظر إلى المستقبل، تتوقع الوكالة أن يرتفع الطلب بنسبة 50 في المئة فوق مستواه الحالي بحلول عام 2035، أي ما يعادل الطلب الحالي لألمانيا وإسبانيا مجتمعتين، الأمر الذي من شأنه أن يترك تداعيات كبيرة على أسواق الطاقة العالمية. ويعتبر نقص المياه والارتفاع الشديد في حرارة الجو، إضافة إلى التحول الصناعي أهم محركات زيادة الطلب على الكهرباء في المنطقة. وطبقا لبيانات الوكالة فإن مناخ المنطقة، الذي يتسم بالحرارة الشديدة وندرة المياه، من العوامل الأساسية لأنظمة الكهرباء الضرورية والمرنة لاستدامة الحياة اليومية، حيث يرتفع متوسط درجات الحرارة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكثر من ضعف المعدل العالمي، وتتجاوز درجات الحرارة في الصيف بانتظام 40 درجة مئوية. ولهذا فإن استخدام الكهرباء من أجل التبريد يشكل ما يقرب من نصف ذروة الطلب على الكهرباء في المنطقة وربع الطلب السنوي على الكهرباء – وهي كمية تفوق إجمالي استهلاك الكهرباء في جميع دول العالم باستثناء 15 دولة. و في حين أن نسبة ملكية مكيفات الهواء مرتفعة في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها منخفضة نسبيًا في جميع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى. وبحلول عام 2035، من المتوقع أن يكون التبريد المحرك الأكبر لنمو الطلب على الكهرباء في المنطقة.
وإلى جانب حرارة الجو تواجه المنطقة أيضًا ضغطًا مائيًا شديدًا، مع اختلال التوازن بين الطلب على المياه العذبة وإمدادات المياه المتجددة إلى ما يعادل أربعة أضعاف المتوسط العالمي. وتوجد في المنطقة سبع من الدول الثماني الأكثر شحة مائيًا على مستوى العالم. ومن أجل تلبية احتياجات الطلب على المياه أنتجت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 12 مليار متر مكعب من المياه المحلاة في عام 2024، وهو ما يعادل التدفق السنوي لنهر الفرات. ومن المقرر أن يتضاعف الإنتاج ثلاث مرات بحلول عام 2035. وفي حين تعتمد معظم عمليات تحلية المياه اليوم على النفط والغاز، فقد حدث آخر استثمار كبير في تحلية المياه بالتكنولوجيا الحرارية في عام 2018. ومن المقرر أن يتم تلبية النمو المستقبلي بالكامل من خلال تقنيات التناضح العكسي عالية الكفاءة التي تعمل بالكهرباء. ومع وفرة أشعة الشمس فإن الطاقة الشمسية يمكن أن تكون وسيلة رئيسية لإنتاج الكهرباء المستخدمة في تحلية المياه.
وإجمالا فإنه من المتوقع في عام 2035 أن يُسهم التبريد وتحلية المياه معًا بما يقارب 40 في المئة من النمو المتوقع في الطلب على الكهرباء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يُعادل عدة أضعاف المتوسط العالمي. ويعتبر النمو الصناعي، وكهربة وسائل النقل، وتوسع المدن من العوامل الرئيسية الأخرى المُحفزة لزيادة الطلب. ومن المتوقع أيضًا أن تُشكل البنية التحتية الرقمية الجديدة، بما في ذلك مراكز البيانات، والاهتمام المتزايد بإنتاج الهيدروجين للتصدير، مصادر إضافية لزيادة الطلب على الكهرباء.
هذه الزيادة الهائلة في الطلب المحلي على الكهرباء في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطرح تحديا كبيرا على معادلة تنمية مصادر الطاقة الإقليمية وتنوعها نظرا لتزايد اعتماد أوروبا على الطاقة من الشرق الأوسط. وتسهم المنطقة بإمداد أوروبا بما يقرب من ربع احتياجاتها السنوية من مصادر الطاقة المختلفة. المعضلة التي تبدو واضحة الآن هي أن معدل نمو الاستثمارات في قطاعات الطاقة المتجددة لإنتاج الكهرباء لا يزال أقل بكثير من المعدل اللازم لتغطية احتياجات الطلب المحلي من ناحية، والاستجابة في الوقت نفسه لاتجاه أوروبا إلى زيادة الاعتماد على تدفق إمدادات الطاقة، بما فيها الكهرباء من الشرق الأوسط. ويحتاج حل هذه المعضلة أولا إلى زيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة بمعدلات تتجاوز ضعف المعدلات الحالية، خصوصا في توليد الكهرباء من الطاقة النظيفة، وثانيا إلى تكثيف الاستثمارات في البنية الأساسية اللوجستية لتصدير الكهرباء وربط شبكات الإنتاج في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع أسواق الاستهلاك في أوروبا التي تعاني من تبعية واضحة في مجال الطاقة لقوى أجنبية منها روسيا والولايات المتحدة.
معضلة أمن الطاقة في أوروبا
ينتقل العالم تدريجيا إلى مزيد من الاعتماد على الطاقة المتجددة في كل مجالات الحياة تقريبا، بدءا من محطات توليد الكهرباء إلى محركات السيارات والقطارات، حيث تحل مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح محل مصادر الطاقة الناضبة مثل الفحم والبترول والغاز. وتمثل دول الاتحاد الأوروبي مثالا نموذجيا بعد الصين في عملية التحول إلى الطاقة الخضراء، حيث تراجع نصيب الفحم في توليد الكهرباء إلى أقل من نصيب الطاقة الشمسية، وارتفعت حصة الطاقة الشمسية إلى 11 في المئة بنهاية العام الماضي، في حين انخفضت نسبة الفحم إلى 10 في المئة، مع ميل للهبوط السريع في السنوات القليلة المقبلة بضغط من الاعتبارات البيئية وسياسات الحد من التلوث. وعلى الرغم من الثروة التي تتمتع بها دول الاتحاد الأوروبي من طاقة الرياح، والتقدم الذي أحرزته في تطوير تكنولوجيا الطاقة المتجددة، فإنها تعاني من عجز في الموارد المتجددة يجعلها أكثر احتياجا للاعتماد على الخارج في سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وقد اعتمدت أوروبا في السابق على روسيا إلى حد كبير في إمدادات النفط والغاز، ما تسبب في إثارة حفيظة الولايات المتحدة وقلقها من التأثير الجيوسياسي لهذا الاعتماد. وربما جاءت حرب أوكرانيا نتيجة غير مباشرة من نتائج رفض الولايات المتحدة لسياسة الطاقة الأوروبية، عندما بدأ تنفيذ خط أنابيب غاز السيل الشمالي الروسي. وكانت اتفاقية إنشاء الخط قد وُقِّعت في منتصف عام 2015 بين شركات غازبروم الروسية، ورويال داتش شل البريطانية الهولندية، وإي. أون الألمانية، وأو إم في النمساوية، وإنجي الفرنسية. كما وُقِّعت اتفاقية تمويل للمساهمين بين الشركاء في 2017. وعندما جاءت إدارة بايدن وصلت الضغوط الأمريكية على أوروبا إلى ذروتها، وتم تصعيد الصراع ضد روسيا إلى درجة الاستفزازات العسكرية التي أدت إلى الحرب التي لا تزال مشتعلة حتى الآن.
ويرتكز أمن الطاقة على مجموعة من العناصر الأساسية أهمها توفر وتنوع الإمدادات، وتطوير عمليات الإنتاج لتعويض السحب من المخزون الاحتياطي، ووجود البنية الأساسية للنقل والتداول بالنسبة للخامات، والبنية الأساسية للتصنيع، المصافي وغيرها، والتنسيق الإقليمي، وكفاءة إدارة الاحتياطي التجاري، والقدرة على تحمل الصدمات. وكانت الصدمة النفطية الأولى في عام 1973 اختبارا ثقيل الوطأة، كشف ضعف بنية أمن الطاقة في أوروبا، ما تطلب إجراء تعديلات عميقة طويلة الأمد لضمان عدم التعرض لمثل تلك الأزمات. ومع ذلك فإننا نعرف أن أوروبا تعرضت لازمة طاقة مرة أخرى مع بدء الحرب الأوكرانية- الروسية. ورغم الحرب فلا تزال أوروبا تعتمد على النفط والغاز المستوردين من روسيا عبر الأنابيب. وتصل نسبة الاعتماد على الغاز الروسي، الطبيعي والمسال إلى حوالي 19 في المئة، في حين هبطت نسبة النفط الخام إلى حوالي 3 في المئة فقط في العام الماضي. ومع تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية فقد أصبحت السوق الأوروبية أكثر انفتاحا على استيراد الطاقة من مصادر أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا والولايات المتحدة. وتشير الإحصاءات الأوروبية إلى شركاء الطاقة على النحو التالي:
أولا: الغاز الطبيعي (خطوط الأنابيب) تستحوذ الإمدادات من النرويج على ما يتراوح بين 33-34 في المئة من الإمدادات، تليها الولايات المتحدة بنسبة 16.5 في المئة، ثم الجزائر في المركز الثالث بنسبة 14.4 في المئة. كما تحصل دول الاتحاد الأوروبي على إمدادات أقل من المملكة المتحدة وأذربيجان ودول أخرى. وبلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال أكثر من 100 مليار متر مكعب في عام 2024. وأسهمت الولايات المتحدة وحدها بنسبة 45 في المئة من الإمدادات بالناقلات، كما أسهم موردون آخرون في تزويد دول الاتحاد الأوروبي باحتياجاتها، مثل روسيا، الجزائر، قطر، النرويج، نيجيريا.
ثانيا: النفط الخام ومنتجات البترول، تعتبر الولايات المتحدة والنرويج وكازاخستان من بين كبار الموردين في السنوات الأخيرة. وقد انخفضت حصة روسيا من واردات النفط الخام بشكل كبير. وتشارك في الإمدادات أيضا دول شمال أفريقيا مثل ليبيا والجزائر وغرب أفريقيا والشرق الأوسط أيضًا مصادر مهمة. وفي إطار سياسة التحول الأخضر خفض الاتحاد الأوروبي الحجم الفعلي لواردات المنتجات البترولية بشكل طفيف في عام 2024 مقابل عام 2023.
ثالثا: الوقود الأحفوري الصلب (الفحم)، كانت حصة كبيرة من واردات الفحم تأتي من روسيا. لكن الاتحاد الأوروبي قلل تلك الواردات بنسبة كبيرة مع التوسع في الاعتماد على الطاقة النظيفة وإغلاق عدد متزايد من محطات الكهرباء العتيقة التي تعمل بالفحم للحد من الانبعاثات الكربونية.
رابعا: الكهرباء، يستورد الاتحاد الأوروبي الكهرباء من الدول المجاورة غير الأعضاء: مثل سويسرا والنرويج والمملكة المتحدة وغيرها. كما يحصل على الكهرباء بكميات صغيرة من مصادر أخرى. وتعتبر كمية واردات الكهرباء من خارج الاتحاد الأوروبي ضئيلة إلى حد كبير قياسا بواردات الوقود. وتحظى دول شمال أفريقيا باهتمام كبير من الاتحاد الأوروبي في مجال الحصول على الكهرباء المُوَلّدة باستخدام مصادر الطاقة المتجددة، خاصةً عبر خطي الربط الكهربائي بين إسبانيا والمغرب. ويتم حاليا التخطيط لتوسيع شبكات الربط الكهربائي المستقبلية بين الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل خط التيار المستمر عالي الجهد المُخطط له بين المغرب وألمانيا، وخط الربط بين الجزائر وتونس وإيطاليا، لكن المشاريع المقترحة تحتاج فترة من الوقت حتى يمكن قياس طاقتها الكلية وإمكانيات التصدير إلى أوروبا.
وقفزت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من مصادر الطاقة المختلفة في عام 2022 إلى حوالي 600 مليار يورو خلال أزمة أسعار الطاقة؛ حيث ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي والنفط بشكل حاد. وفي العام التالي تراجعت إلى 427 مليار يورو بسبب الانخفاض الكبير في أسعار الوقود الإحفوري (النفط والغاز). واستمر تيار هبوط قيمة الواردات في العام الماضي لتبلغ 376 مليار يورو، بسبب انخفاض الأسعار وحجم الواردات.
وتبلغ حصة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة بمصادرها المختلفة ما يتراوح بين 15 إلى 20 في المئة من إجمالي الإمدادات. لكن أهمية هذه الحصة تتفوق على غيرها من حيث الموقع الجغرافي، واحتياجات تنويع مصادر الإمدادات، والامكانيات المستقبلية. فمن ناحية الموقع الجغرافي توجد طرق نقل قصيرة، وخطوط أنابيب عبر البحر المتوسط (من الجزائر إلى إسبانيا وإيطاليا، وبين ليبيا وإيطاليا)، وكابلات نقل كهرباء عبر البحر المتوسط. كذلك فإن إمدادات الطاقة من جنوب المتوسط والشرق الأوسط تسهم في كسر حدة اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال الأمريكي أو الغاز النرويجي. وطبقا للنظرة المستقبلية من المتوقع أن تلعب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دورًا أكبر في صادرات الهيدروجين الأخضر والكهرباء المتجددة إلى أوروبا، عبر مشاريع الربط الكهربائي الجديدة، وشراكات الهيدروجين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب والجزائر ومصر وغيرها.
مشاريع إنتاج وبنية أساسية عملاقة
منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي نشطت مؤسسات الاستثمار وشركات الطاقة الأوروبية في البحث عن طريق لتعظيم الاستفادة من مصادر الطاقة غير الناضبة الوفيرة في دول جنوب البحر المتوسط، خصوصا مع زيادة الاهتمام بالطاقة المتجددة النظيفة. وكان من أبرز المشروعات التي ظهرت في هذا السياق مشروع «ديزرت تك» الذي كان يتضمن بناء سلسلة من محطات الطاقة الشمسية العملاقة في بلدان جنوب المتوسط من المغرب إلى مصر، وتوصيلها ببعضها البعض، وربطها جميعا بشبكة الكهرباء الأوروبية الموحدة. لكن المشروع تعثر بعد سنوات قليلة من طرحه بسبب صعوبات في التمويل وعقبات تكنولوجية. ومع ذلك فإن فكرة ربط شبكة الكهرباء الأوروبية مع شبكات كهرباء دول جنوب البحر المتوسط لم تتوقف، خصوصا مع التطور الهائل في تكنولوجيا صناعة خلايا الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح وبطاريات تخزين الكهرباء العملاقة. وفي هذا السياق ظهرت مشروعات جديدة في المغرب والجزائر وتونس ومصر، مثل محطة ورزازات للطاقة الشمسية، أكبر مزرعة للطاقة الشمسية المركزة في العالم. وبلغت تكلفتها الاستثمارية حوالي 9 مليارات دولار وتبلغ طاقتها الإنتاجية حوالي 510 ميغاوات من الكهرباء. ومحطة بنبان للطاقة الشمسية في مصر. كما ان هناك خطوطا للربط الكهربائي، وسلسلة مشروعات في إطار مبادرة أوروبية جديدة لتعبئة مصادر الطاقة المتجددة مع دول شمال أفريقيا إضافة إلى الممر الجنوبي للهيدروجين الأخضر الذي تعلق عليه أوروبا أحلاما كبيرة. في نهاية الأمر فإن الاستثمارات في محطات توليد الكهرباء والبنية الأساسية يجب أن تكون كافية لتغطية نمو الطلب على الكهرباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكذلك تغطية احتياجات التصدير لأوروبا.