«الرابع عشر من برومير» مجموعة القاص المصري أمل سالم: سردية الفصام بين المتخيل النموذجي والحكايا المصاحبة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

القصة القصيرة بعد أن غادرت مساحات التماهي والتداخل التي كانت تضعها في سياق واحد مع فنون سردية أخرى، أسست وجودها من خلال التركيز على المنعطفات الجذرية أو الحوادث المؤثرة الدامغة التي تقلب حياة الإنسان، فلا يعود ذلك الإنسان نفسه قبل مروره بالحدث، لكنه يتحول إلى شخص مختلف، يقارب الحياة في إطار وجهة نظر متشككة متخوفة، فتفقد أمنها ويقينها في الأشياء والمنطق المتعارف عليه، فمرورها بتلك الحوادث أو الحادثة زلزل منطقها، وأغبش رؤيتها إلى حد بعيد، ومن ثم نجد الذات بغيتها في التواري، من خلال أفعال تتحصّن بها لإسدال بطانات المقاومة والاستقواء.
في قصص «الرابع عشر من برومير» للكاتب أمل سالم هناك إصرار واضح على على كسر خطية السرد بأساليب متعددة، لا تندرج داخل الأساليب المعهودة أو الوسائل للقيام بذلك، فالكتابة هنا تستند إلى أساليب جديدة توجدها طبيعة الكتابة ذاتها، وطبيعة مرتكزاتها ومنطلقاتها، بداية من نزوع الكاتب إلى تقليب الظاهرة حول مجمل وجوهها الممكنة، ربما بسبب حضور المعرفي الذي يتجلى بأشكال عديدة، تشعر المتلقي بالقلق والإرباك في تلقي القصص، وتؤثر بالضرورة على حركة السرد وتناميه.
ارتباط قصص المجموعة بالمعرفي والإدراكي جعل الكتابة ترتبط بنزعة تأملية لحال البشر، ومعاينة أساليبهم في الحياة وطريقة ارتباطهم بها، وآليات التعاظم للإفلات من واقع لا يرحم، فاهتمام القصص الأساسي بالبشر في نزوعاتهم الفردية الغريبة، وردود أفعالهم الغالية. لا يترك أمل سالم في كتابته للقصة القصيرة – ربما لارتباطها بالتأمل والتجربة – القارئ يواجه القصة دون مقدمات كاشفة عن مكنونات ومصكوكات جاهزة مبنية على تجربة أو تجارب سابقة، يتمّ التعبير عنها غالبا في إطار سردي جمعي يتعدى حدود الذات ليلتحم – إمعانا في صوابه وموضوعيته – بالمجموع، بحيث تبدو رؤيته في بداية القصص، أو في المنعطفات الدالة الكاشفة عن الحركة والانتقال أشبه بالمؤقت أو الموجه لحركة المعنى في القصة، خاصة في ظل وجود شخصيات تقارب الآني بذاكرة منفتحة مشدودة للماضي، ولا تستطيع أن تتخلص من حضوره، وكأن هذه الذات المختفية وراء الكتابة ووراء صياغة الشخصيات تحاول أن تفسر انحيازاتها للخيارات الحياتية الممتدة، وتؤكد مشروعية هذا الاختيار، وتشير في جزئيات ليست بالوضوح الكافي لأسباب هذا الاختيار.

سردية الفصام والحكايا المصاحبة

لا تستند سردية الفصام في تحديدها إلى علم النفس، وإنما تستند إلى عمليات التغريب والتداخل التي يمكن أن تحدث أثناء القراءة، فقارئ المجموعة سيصاب كثيرا بالتعب الشديد في الوصول إلى تحديدات واضحة للأصوات الساردة في القصة أو في مجمل القصص، لأن الكتابة القصصية في هذه المجموعة لا تقدم للقارئ تحديدات يقينية لهذه الأصوات، إلا في جزئيات كاشفة عن نوعية الضمير السارد، وتحوّله من متكلم إلى غائب.
القارئ هنا أمام فصام فني لا يحفل بالاستواء والبناء الهارموني بقدر احتفاله بجمع المشابه والمباين في آن، فالكتابة ليست معنية بتقديم تحديدات واضحة للنقلة أو للتحول من صوت إلى آخر، ولكنها تقدم هذا التعدد بشكل متوال، وعلى القارئ – والحال تلك- أن يصغي إلى هذه التحولات، وإلى الأصوات الساردة التي قد تبدو متشابهة ومتباينة في آن، فيتعامل معها القارئ على أنها تجليات لصوت واحد، ولكنه سرعان ما يدرك أنها أقرب إلى التباين منها إلى التشابه.
يتجلى ذلك التوجه في مجموعة من القصص مثل (عبث)، و(صدفة)، و(شرك)، ففي هذه القصص وغيرها ليس هناك قصة بالمفهوم المعروف والمحدد، ولكن هناك تأمل لمواقف أو لموقف خارج التأطير الزمني، وهناك ترميز وإشارات متوازية، بالإضافة إلى فكرة التنكير في العناوين، فكأن الكتابة من خلال هذا التنكير تمثل إعادة شحن للكلمة بدلالات جديدة ليست معهودة أو مؤسسة.
وتنتج هذه الكتابة مجموعة من السمات، أهمها سمة التغييب، وليس المقصود التغييب الخاص بالنمو السردي الذي يتجلى حاضرا بشكل واضح، وإنما المقصود تغييب كل ما يكشف عن ملامح البطل أو الأبطال، فالشخصيات في هذه القصص يتمّ تغييبها، لأنها ليست إلا أدوات أو إشارات لحمل الفكرة التي تتحرك كل مكونات السرد للتأسيس لها ولوجودها. ففي قصة (شرك) تتجلى القصة مرتبطة بشخصين (رجل) و(أنثى) دون تحديد اسم لهما، لأن النزوع الكتابي لا يرتبط بهما، ولكنه يرتبط بالشرك البشري المصنوع بتخطيط واضح من القسيم الأنثوي، والشرك القدري الذي يهشم وجوده، ويفقده مرتكزاته، فتحدث إزاحة وخلخلة بين شركين، ويصبح للأخير الوجود المهيمن.
وتتساوق مع هذه الآلية وإن كانت تزيد عنها في الأثر في نفي ارتباط النص بذات محددة ومتعينة، آلية أخرى تتمثل في السرد التتابعي المتوالي والمتوازي لأصوات عديدة. وقيمة هذه الآلية تتمثل في تهشيم المركزية السردية وجرح البنية المغلقة بواحديتها، ففي السرد التتابعي المتوازي من خلال أصوات عديدة يعمل كل صوت ضد الآخر، ويهشم منطلقاته ارتباطا بمساحة تكوين وثقافة وتوجه كل صوت من الأصوات السردية.
ففي قصة (الحدث) هناك تغريب ناتج عن هذا التعدد، وناتج أيضا عن عدم وجود مرتكزات دالة كافية تكشف عن هذا التعدد والتنوع، ولن يتم الكشف عن ذلك إلا بالإنصات للبنية وتحول الضمائر السردية، والوعي الخاص بمكان كل صوت سردي داخل الباص. ففي هذه القصة هناك أربعة أصوات سردية تتابع مقاربة الحدث بشكل متوال، بداية من السائق، ومرورا بالسارد الأول الذي يجلس خلف السائق، والسارد الثاني الذي يجلس في منتصف الباص، وانتهاء بالسارد الأخير الذي يجلس في الصف الأخير، وكل واحد من هذه الأصوات يقدم رؤية محددة لحدث وحيد، من خلال الصيغ الكلامية والقولية لكل سارد منهم.
هناك أيضا في قصص هذه المجموعة آلية فنية مشدودة لسردية الفصام المبنية على قطع خطية السرد ونموه، فقطع هذه الخطية النامية ربما يتمّ في بعض الأحيان من خلال الحكايات المصاحبة التي تحمل نوعا من التشابه بين منطق السرد الأساسي وحركته، ومنطق الحكاية في إطارها العام. فالسرد في قصة (فصام) قائم على الفاصل الزمني الكبير بين عمر البطل وعمر المرأة، وهذا الفارق يتجاوب معه الحكاية المصاحبة التي تشكل خيطا سرديا له استقلاليته المتمثل في الفارق الزمني بين عبدالستار المعداوي وزوجته، ذلك الفارق الذي يكفل لقصة البطل في السرد الأساسي النامي مشروعية التجلي والحدوث والتحقق.
وقد تتمثل الحكاية المصاحبة في حوار دائر- في القصة ذاتها- بين شخصين في الباص، يستمع إليه السارد الفعلي في النص، فالمتأمل لهذا الحوار يدرك أنه حوار عادي، ولكنه- نظرا لطبيعته ومدار اهتمامه- يكون حاسما في الاختيار، وفي تبرير جنوح الذات لاختيار ما إذا لم تصل لنموذجها أو تمثالها الأنثوي، من خلال جنوحها إلى التوجه النقيض أو المقابل، والارتباط بأي امرأة، يجسّد ذلك التوجه قول أحد المتحاورين في رده على دهشة صاحبه من سلوكه: (ندما لا تجد حبيبتك، اذهب إلى أي امرأة أخرى، أول امرأة تقابلها في الطريق، يكون في صدرها الرغبة إلى صدر رجل).
إن التوحد في الجملة الأخيرة بين السردي والمحكي يكشف عن أن التعدد في الخيوط السردية في القصة الواحدة، أو في الحكايات المصاحبة، ليس إلا آلية للاحتماء تنتهجها الذات لإسدال نوع من الموضوعية على الاختيار، ولتفكيك حدة المسئولية المباشرة عن الفعل، وإلصاقها بآخرين يشابهونه في القلق، وفي فقدان الحلم والمثال على نحو ما يمكن أن نرى في قصة (مساحة السلالم)، حيث يطل التعدد والحكايا المصاحبة وجوها عديدة لذوات متشابهة فقدت بوصلتها.

المتخيل النموذجي وخلخلة اليقين

القارئ المتأمل لقصص المجموعة في كل تجلياتها وآلياتها الإبداعية، من خلال التعدد السردي المتوازي والمتوالي، ومن خلال الحكايات المصاحبة، والوقفات المعرفية والإدراكية، سواء جاءت بوصفها جزءا تمهيديا لعملية التجهيز الدلالي، أو جزءا من السرد للقيام بعملية التوجيه، أو نصّا قائما بذاته يدرك أن هناك حدثا ما، له فاعلية وأثر كبير في إحداث هذه التداعيات البنائية التي تحاول أن تكفل للذات وجودها، وأن هناك خللا ما أصاب منظومة الإدراك، فجعل الذات تنقسم داخليا فتتعدد وجوهها، ويتمثل ذلك الحدث في فقدان المرأة / المثال أو المرأة / الاستثناء.
المرأة المثال تتجلى في قصص المجموعة بشكل لافت بداية من القصة الأولى (فصام)، فتأتي وكأنها تمثل المحرض الأساسي والمثير الفعلي للكتابة، ولفعل الفصام والتشظي من حركة الذات انطلاقا من استغراب حالها، إلى تأمل نفسها بوصفها وجودا موضوعيا وحيزا للتأمل من خلال استيلاد مسافة فاصلة بين الذات وموضوعها. ويمكن تلمس ملامح ذلك المثالي الأنثوي المقدس من خلال بعض الألفاظ الدالة التي يمكن أن تحيل الأنثوي المعهود، إلى كائن يندّ عن التصور الواقعي المعهود، فنجد القصة تقول على لسان السارد العليم: (كان يمشي إلى جوارها كالظلّ الخائب الذي يتبع صاحبه دون شخصية تذكر).
إن تشكيل هذا المثال الأنثوي المقدس في قصص المجموعة يأتي خارقا لكل الأطر الحامية والبطانات الفاصلة التي تتدثر بها الذات في وحدتها، بحيث يبدو تجلي هذا التشكل شبيها بالريح التي تقلع كل شيء من جذوره، وتفقده مرتكزاته. ففي قصة (الرابع عشر من برومير) التي حملت المجموعة اسمها نجد الاشتغال على شهور السنة حسب تقويم الثورة الفرنسية، وقد جعل طبيعة هذه الشهور سببا لتأجيل التداخل والانسجام وفق التفكير المنطقي من خلال الوقوف عند دلالات هذه الشهور المرتبطة حتما بدلالات الفصول، وانشداداها إلى مؤسس جاهز في الأدب الأجنبي والعربي.
التكوين الإنساني مشدود إلى قطبين: مثالي وواقعي في التعامل مع المرأة، فسيطرة النمط المثالي ناتج عن غياب المعرفة التجريبية، وناتج عن خلل في الإدراك لطبيعة المرأة في نزوعها إلى الرجل، ومع سيطرة الواقعي هناك معرفة تجريبية، وأي غياب لقطب من القطبين يقتضي بالضرورة هيمنة للآخر، فحضور الواقعي يؤدي إلى غياب المثالي وجودا واقعيا، وإن ظل فكرة تعلن عن وجودها في لحظات، وحضور المثالي يجعل الواقعي في مرتبة أدنى، حين يوضع في نسق مقابل.
ففي (صدى الذبول) لا يمكن الحديث عن حكاية ذات بداية ونهاية، وإنما تستند إلى سرد معرفي بشكل عام من خلال سرد موضوعي لا يرتبط بشخص، سرد يشير إلى ضرورة التخلص من البقايا والكراكيب، لأنها في منطق القصة كاشفة عن الموت والثبات، يتخلل هذه السردية المعرفي بقايا ذاكرة من اتصالات هاتفية بين رجل وامرأة. القصة تكشف عن منطق الإنسان، بل عن منطق الحياة في ذبول الذاكرة أو ذبول البقايا التي تظل عالقة بالروح وتشوّش حركتها إلى أن تبدأ بالتلاشي تدريجيا.
أمل سالم: «الرابع عشر من برومير»
الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، القاهرة 2020
128 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية