الديمقراطية الغربية من مناشدات غزة إلى ضغوط سوريا

حجم الخط
0

«عندما تختبئ عناصر حماس بين الناس وخلف المدارس، فإن الأماكن المدنية تفقد وضع الحماية لأن الإرهابيين يستغلونها»… كانت الكلمات السابقة جزءا من حديث وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، أمام البرلمان الألماني في أكتوبر 2024 بمناسبة الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر 2023.
التصريحات التي تعرضت للكثير من النقد، وأثارت حالة من الجدل العالمي بوصفها تمنح إسرائيل «الحق» في قتل المدنيين، عبر قصف المناطق المدنية التي يعيشون، أو يحتمون فيها بالمخالفة للقانون الدولي، و»تبرر» السياسات الإسرائيلية غير الإنسانية والانتقامية التي ترقى إلى «الإبادة الجماعية»، عبرت عن موقف ألماني تماهى، كما العديد من الدول الغربية، مع تل أبيب بشكل كبير خلال حرب غزة الخامسة، متجاوزا القواعد القانونية، وكل ما يتعلق بالحقوق والحريات والديمقراطية.
ولكن في حين اختفت تلك المعايير والقيم في غزة، وتصاعد خطاب الكراهية وتجريد فلسطيني القطاع من إنسانيتهم، وبرز التماهي الغربي بصور مختلفة مع السردية الإسرائيلية حول «دعشنة» حماس، وامتداد تلك «الدعشنة» وما ترتبه من عقاب جماعي على عموم القطاع، عادت لتطل علينا بوضوح في الحالة السورية، في مرحلة ما بعد الرئيس الهارب بشار الأسد. معايير ظهرت بعد غياب في تصريحات بيربوك نفسها، التي أكدت في مقابلة صحافية في ديسمبر 2024 إن ألمانيا سوف تحاسب «جميع رجال النظام (السوري) على جرائمهم المروعة بكل ما يسمح به القانون من شدة»، مطالبة «السلطات الأمنية الدولية وأجهزة الاستخبارات» بالعمل معا من أجل تحقيق هذا الهدف.

«الديمقراطية» الغربية يتم توظيفها في خدمة المصالح الغربية نفسها بأكثر من توظيفها، كما يفترض، من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات وحماية الإنسان وحقه في الحياة الكريمة عبر العالم

وفي حين جاءت تصريحات برلين عن موقفها من مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف غالانت، متناقضة وتعبر عن محاولة توازن بين الرغبة في الحفاظ على العلاقات المميزة والخاصة مع إسرائيل، وما تفرضه التزاماتها الدولية والقانونية، حذرت وزيرة الداخلية نانسي فيزر «رجال نظام الأسد المروع» بوضوح من محاولة الفرار إلى بلادها، مؤكدة أنه لا توجد دولة «تلاحق جرائمهم بالشدة التي تلاحقها بها ألمانيا»، وإن «كل من كان ضالعا في فظاعات ليس بمأمن من الملاحقات هنا»، ما يعكس تناقضات واضحة في تعريف الجرائم ومرتكبيها، وفعل الملاحقة وآليات تطبيقها، والالتزام الألماني في الحالتين الفلسطينية والسورية. تعبر ألمانيا عن أحد تجليات التناقض أو الانتقاء الغربي في التعامل مع جزء من مشهد التطورات في الشرق الأوسط، بالعين المغلقة عن الحقوق والديمقراطية والإنسانية في حالة غزة، في حين تتعامل مع جزء آخر بالعين المفتوحة على الحقوق والحريات والديمقراطية والقانون الدولي والمحاسبة في حالة سوريا، وهي تحذر من ارتكب جرائم مروعة فيها، وتهدد بالملاحقة القانونية التي تتجاوز عنها في التعامل مع تل أبيب. في السياق المتناقض نفسه الذي ظهر واضحا بعد سقوط الأسد، كما كان يظهر قبله في تناقضات التعامل الغربي بين أوكرانيا وغزة، ظهر واضحا كيف يتم التجاوز عن حقوق الإنسان، وحياة الإنسان، ويتم إعلاء «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس» على حساب القانون الدولي في غزة، مقابل الحديث عن ضرورة قيام النظام السوري الجديد بضمان حقوق النساء والأقليات، وتأسيس نظام ديمقراطي والتطبيع ونزع السلاح، وغيرها من الاشتراطات المسبقة من أجل القبول بالتعامل مع سوريا الجديدة أيا كان من يتولى الأمور فيها، بالإضافة إلى وضع دمشق تحت أنظار العالم الغربي، من خلال عملية تقييم ممتدة ومراقبة مستمرة، دون أن تظهر إدانات واشتراطات واضحة أو متوازنة في التعامل مع إسرائيل، في ظل احتلالها للمزيد من الأراضي السورية، واستمرار انتهاكاتها للسيادة السورية وتهديد حياة السوريين عبر استهداف العديد من المناطق باسم القضاء على تهديد محتمل وضمان الأمن في اللحظة والمستقبل.
تعيدنا التناقضات القائمة إلى التساؤل حول «الديمقراطية» الغربية وكيف يتم توظيفها في خدمة المصالح الغربية نفسها بأكثر من توظيفها، كما يفترض، من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات وحماية الإنسان وحقه في الحياة الكريمة عبر العالم. انتقائية تطرح العديد من التساؤلات بعد أكثر من عام من حرب انتقامية في غزة، وانتهاكات الحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس والسجون الإسرائيلية. تساؤلات وتناقضات يعبر عنها المفكر الجزائري مالك بن نبي وهو يؤكد أن «الغرب لا يحمل قيمه معه خارج حدوده». ولكن في حين لا يحمل الغرب قيمه بالمطلق خارج الحدود، فإنه يحملها معه كلما كانت وسيلة وأداة يتم من خلالها تحقيق مصالح الغرب نفسه. وفي حين تطرح تلك التناقضات حول الديمقراطية تساؤلات مهمة حول الغرب وقدرته على تحقيق درجة من الاتساق بين المعلن من سياسات مفترضة تقوم على الأسس والقيم الإنسانية، وسياسات فعلية تتجاوز تلك الأسس والقيم، يظل السؤال مطروحا حول العالم العربي وكيف يتعامل مع الغرب وسياساته الانتقائية والمتناقضة، وكأن حرب غزة لم تحدث، والديمقراطية الغائبة في ساحة يمكن أن تعود وتفرض نفسها على دول المنطقة بحرية، ودون مناقشة في ساحة أخرى. وربما الأكثر أهمية وكأن مصالح العالم العربي خارج الحسابات العربية نفسها، التي لم تتوقف أمام تلك التناقضات، ولم تعلن رفضها لتلك الشروط والإملاءات النابعة من المصالح الغربية والضارة بالمصالح العربية في العديد من الأحيان.
لا يقصد بما سبق رفض الديمقراطية والحقوق والحريات، أو افتراض قبول الشعب السوري أو غيره من شعوب المنطقة بالتجاوز عن أوضاع السلطوية والقمع وانتهاك الحقوق والحريات، أو تقليل التحديات التي تواجه سوريا، التي لم تتخلص من مشهد تنافس دولي وإقليمي في ظل نظام سابق، إلا لتدخل في مشهد تنافس دولي وإقليمي أكثر تعقيدا. كما لا يقصد به التجاوز عن ضرورة المحاسبة واستعادة حقوق الشعب السوري، ولكن يقصد منها مواجهة الواقع وتطوراته، ووضع الغرب في حدود سياساته المتناقضة، والتعامل معه وفق أهدافه الحقيقية. وضع يفترض معه رفض الشروط والإملاءات التي تفرض على بعض الدول والنظم عندما لا تحقق المصالح الغربية باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، في حين يتم التجاوز عنها والمساعدة في انتهاكها في حالات أخرى تحقق المصالح الغربية، كما يحدث عبر استمرار بعض تلك الدول في إمداد إسرائيل بالسلاح المستخدم في حربها في غزة وغيرها من الساحات العربية، وتقييد محاسبة تل أبيب عن تلك الانتهاكات كما يفترض. بدوره يحتاج العالم العربي إلى حالة من التوافق، يتم في إطارها وضع تصور عربي للتعامل مع القضايا الإقليمية وفقا لمصالح دول المنطقة وشعوبها، وتحديد أسس التعامل مع الغرب بعيدا عن الإملاءات والشروط، ورفض الرضوخ لمطالب هي في النهاية جزء من سياسات انتقائية ترى العالم أحيانا بعين مفتوحة على الديمقراطية وأحيانا أخرى بعين مغلقة عنها خاصة أن الخسارة النهائية تكون للمصالح العربية كما يحدث في غزة وسوريا ولبنان، حيث التوسع الإسرائيلي باسم الأمن.
بالمجمل، يتجاوز العديد من الدول الغربية عن الديمقراطية باسم حماية أمن تل أبيب، ولكنها لا تتجاوز عنها وهي تتحدث عن سوريا الجديدة ومستقبلها، أو غزة و»يومها التالي»، والسلطة الفلسطينية ونسختها المحدثة أو «المصلحة»، بغض النظر عن المخاطر والتهديدات المحتملة والمتحققة على المستوى العربي مادامت المصالح الغربية محققة ومعها المصالح الإسرائيلية، وفي القلب منها هدف حماية أمن تل أبيب، وربما توسعها ضمن تحرك استباقي يقوم على توسيع إسرائيل الصغيرة على الخريطة، كما أشار الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بغض النظر عن المتضرر في الإقليم وتناقض الاحتلال مع القانون الدولي، والانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية مع الديمقراطية الغربية.
كاتبة مصرية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية