الجوائز: بين بورصة القيم الأدبيّة والنكران

شاركت في أكثر من لجنة تحكيم في جوائز عربيّة وتونسيّة مرموقة مثل «جائزة محمود درويش» الفلسطينيّة، و«جائزة الأركانة» المغربيّة، وجائزة «الكومار» للرواية التونسيّة، وجوائز وزارة الثقافة التونسيّة التقديريّة، وجائزة البنك التونسي «أبو القاسم الشابي للأدب العربي» التي أترأسها منذ العام الماضي. وفي هذا وفي ما حصلت عليه من جوائز، وما أتابعه من سجال في عالمنا العربي يشارف اللغط، في أكثر الأحيان، حول الجوائز التي تُسند هنا وهناك؛ ما يتيح لي أن أتحدّث في هذا الموضوع بأكثر ما يمكن من الموضوعيّة. والجوائز ذات بعد رمزي لا أظنّه يخفى إلاّ عن الذين يترشّحون لها، حتى إذا لم يحالفهم الحظّ؛ انقلبوا يشكّكون في مصداقيّها. وقد يكون بعضها محدودا من حيث القيمة الماليّة؛ بالرغم من أنّ عيار أيّة جائزة هو بعدها الرمزي، وما ينطوي عليه من اعتراف بالعمل الأدبي، ومن ثمّة التشجيع على قراءته ونشره. وإن كان المردود المالي يساعد المبدعين على التحرّر من كثير من ضغوط الحياة الماديّة، ويتيح لهم أن يتفرّغوا للإبداع والكتابة. إذن لا وجه للمقارنة بين جائزة وأخرى، والمقارنة قد تكون مدخلا لمغالطات شتّى.
أمّا إذا انتقلنا إلى المجال السياسي، فإنّ الجوائز التي ترعاها الدولة هي التي تثير إشكالا غير قليل، إذ يرى فيها البعض تشابكا بين الثقافي والجمالي والسياسي أو الإيديولوجي؛ وإن كان هذا لا يصحّ دائما أو ربّما تختصّ به دولة دون أخرى، أو هو يتّخذ هيئات وأشكالا تختلف باختلاف النظام السياسي. وقد يكون الغرض تعزيز اللغة القوميّة والهويّة الوطنيّة، وقد يكون الدعاية المقنّعة لحرّيّة التعبير والتنوّع الأدبي. وقد يكون ترسيخ رمزيّة الدولة وتعزيز نفوذها، وفي هذا ما يفسّر إقصاء كتّاب وأدباء من معارضي النظام، أو أنّ مواقفهم لا تنسجم والخطاب الرسمي. ولعلّ هذا ما يجعل كتّابا وناشرين، يتحفّظون على «الجوائز الرسميّة»، بل يفضي ـ وهذا ما نغفله عادة ـ إلى لجوء الساعين إلى مثل هذه الجوائز، إلى نوع من الرقابة الذاتيّة على نصوصهم، وتعديلها إن لزم. وقد يكون مردّ الأمر عند الذين يأتون هذا الصنيع، إلى أسباب مختلفة فنيّة أو سياسيّة أو دينيّة، وقد تكون تقيّة أو درءا لشبهة، أو طمسا لأصل «مشبوه»؛ أشبه برواية ناسخة وأخرى منسوخة. وهو ممّا يجعل ذات الكاتب تترجّح بين أن تكون هيَ هِيَ وبين ألا تكون؛ فهي طورا وحدة ثابتة تتطابق وخطابها وتتزامن، وهي طورا آخر ذات مشطورة غير ما هي عليه في النصّ حال إنشائه. لكن قد تكون هذه الجوائز، في حال تغيّر النظام، أو في الثورات إجمالا، اعترافا بالكتّاب المعارضين الذي أقصوا واستبعدوا سابقا. على أنّي أسوق مثالا دالاّ من خارج العالم العربي، حتى لا أكون طرفا في «اللغط» الذي يثار حول جوائزه. وقد تخيّرت «جائزة نوبل» وفيها غنى عن الإكثار، وهي كما تقول باسكال كازنوفا في كتابها الممتع «جمهوريّةُ الآدابِ العالميّةُ»؛ لا تزال منذ انطلاقها 1901 الأكثر نفوذا واعترافا بها «شهادة» عالميّة أو شبه عالميّة، بالرغم من أنّ الشرعيّة الأدبيّة مصدرها النصّ، وليس الجائزة التي تسند إليه مهما تكنْ رمزيّتها؛ إذ هي لا تصنع الأدب كما يقول جورج أمادو، وإنّما الكتّاب هم الذين يصنعونها. ومهما يكن فـ»نوبل» لا تزال تحتكر سلطة «الإقرار الأدبي العالمي» وتستأثر به، حتّى وإن اعترض البعض على الأكاديميّة السويديّة التي «نصّبت» نفسها محكمة حياديّة لها شرعيّتها العالميّة. ولهذا الاعتراض وجاهته، إذ يحتكم أصحابه إلى «عيارات عموميّة» أُعلنت منذ بداية القرن العشرين، والعيار الذي يتصدّرها ذو طابع سياسيّ حيث فنّ الأدب الشرعي في عرف الأكاديميّة «أدب محايد» يأخذ بنوع من «الوسطيّة الأدبيّة». وقد لا يخفى أنّ مردّه إلى السياق التاريخي أي الحقبة التي سبقت الحرب العالميّة الأولى حيث ساد نوع من الإفراط في الولاء للقوميّات. وهو ما اقتضى نوعا من الحذر يمكن نعته بـ«السياسي» أو «الديبلوماسي». وتتمثّل كازانوفا، وعملها موثّق كأفضل ما يكون متنا وحاشية، بترشيح الكاتب السويسري كارل سبيتلر عام 1914 وهو المعروف بحياده أو «وسطيّته»، لكن الجائزة لم تسند إليه. وتكرّرت الحالة عام 1929 مع ثلاثة كتّاب ينتمون إلى دول محايدة هيرمان هيسه السويسري من أصل ألماني، والفنلندي فرانس ايميل سيلامبا، والهولندي جوهان هويزنغا. وتخلص إلى أنّ هذه «الحياديّة» التي وضعت على أنّها «قيمة فنّيّة» تجد معادلها الجمالي في وصيّة ألفرد نوبل «المثاليّة» من حيث الميل إلى «التناغم» و«التوازن» و«الأفكار النبيلة الخالصة» في فنّ السرد، والأخذ بنوع من التعقّل أو الاعتدال، إنّما هي ذات ملمح سياسي قومي؛ إذ تثبت أنّ لجنة التحكيم لم تكن محايدة. وبدأت العيارات أو بعضها يتغيّر منذ عشرينات القرن الماضي، من أجل التخلّص من هيمنة الأحداث السياسيّة، فروّجت الأكاديميّة لنوع آخر من الحياديّة أساسه «الوطنيّة المشتركة» أو المنفتحة. والحقّ أنّ هذا العيار اعتمد قبيل العشرينات بقليل مع ترشيح الإسباني بينيتو بيريز غالدوس عام 1915، واتّخذ ذريعة لرفض ترشيح أرنو هولز؛ لما تتّسم به أعماله الشعريّة من «هيمنة الملمح الألماني». وهذا العيار نفسه يفسّر فوز أناتول فرانس بالجائزة عام 1921؛ لما اتّسمت به أعماله من رفض القوميّة ورفض معاداة السامية. وليس في هذا ما يدلّ على «الحياديّة» المزعومة. ثمّ اتّخذ العيار سمة «شعبيّة»، وهو أن يكون العمل المرشّح مأنوسا عند عامّة القرّاء. ومن ثمّ استبعد شاعر فرنسي استثنائي في تاريخ الأدب الرمزي، هو بول فاليري؛ لما تتّسم به أعماله من «صعوبة واستبطان» كما جاء في قرار اللجنة. هذه العيارات التي «تتعايش» أكثر ممّا هي تتغيّر، وغيرها ممّا عالجته كازنوفا بأريحيّة علميّة، تلوح محكومة في مطاويها بهيمنة الأقطاب الاقتصاديّة والأسواق القوميّة القويّة، و«المركزيّة الأوروبيّة» وكأنّها «بورصة قيم». ولعلّ خير دليل على ذلك أنّ الفوز بنوبل حتّى الستينات، كان يبدأ من باريس باعتبارها في منظور الأكاديميّة السويديّة «العاصمة الأدبيّة»؛ وقد ظلّت فرنسا بصورة منتظمة في طليعة البلدان التي حصل كتّابها على نوبل. وقد يحتجّ البعض بأنّ نوبل تحرّرت من «المركزيّة الأوروبيّة» منذ 1913 بفوز طاغور وهو الهندي الذي يكتب بالبنغاليّة في بلد محتلّ. والحقّ أنّ فوزه يؤكّد هذه المركزيّة «الماكرة»، وينمّ عن «نرجسيّة استعماريّة» خفيّة؛ فقد رشّحته «جماعة الأدب الملكيّة» بلندن، على أساس الترجمة الأنكليزيّة التي شارك فيها الشاعر نفسه. ولهذه المركزية خلفيّة أخرى قد تخفى عنّا، فقد حصل عليها منذ الثلاثينات كتّاب من أمريكا: سنكلير لويس ويوجين أونيل وبيرل باك وأدب هؤلاء «امتداد أوروبي» حسب الباحثة. وقد يلوح الأمر مختلفا شيئا ما مع التشيليّة غابريلا ميسترال عام 1945 ممثّلة للفرع الأمريكي اللاتيني، لكن بـ«عمل شعريّ تقليديّ جدّا، وموصول بالأنموذج الأوروبي» هو أيضا. لكن هناك استثناءات قليلة جديرة بنوبل، مثل ميغيل انخيل استورياس وكاواباتا وول سوينكا وماركيز ومحفوظ… على أنّ إسنادها إلى نيبول جعل منها «جائزة النكران» بتعبير كازنوفا في مقال لها صدر بـ«لوموند»؛ أي التنكّر لمبادئ نوبل، لسببين أوّلهما أدبي، فهو كاتب مقلّد متخلّف عن الحداثة الأدبيّة بمئة وخمسين سنة، وأكثر كتبه تحقيقات ميدانيّة وليست أدبا. وثانيهما سياسيّ، فهو فضلا عن تبنّيه للقيم البريطانيّة، هندوسي متطرّف وعنصريّ؛ وقد صرّخ غير مرّة بازدرائه للإسلام ولما يسمّيه «الاستعمار العربي».
أمّا في العالم العربي فلم يفز بها سوى نجيب محفوظ، وقد يكون الأوّل والأخير. وهذه شهادة منشورة، من سلمى الخضراء الجيوسي، وقد رافقتها في الثمانينات إلى الأكاديميّة السويديّة بمناسبة انعقاد مؤتمر الشعر العربي والسويدي؛ تؤكّد صعوبة فوز العرب بها مرّة أخرى: «لم يكن هيناً أن أجد نفسي سنة 1984 واقفةً في أغنى المكتبات العالميّة بتراث الإنسان الفكري والإبداعي، مكتبة دار جائزة نوبل العالميّة في استوكهولم، التي تضمّ آلافا من الكتب من كل مكان في العالم، وأكتشف أن كلّ ما عندهم من الثقافة العربيّة أربعة كتب صغيرة مترجمة! موضوعة لا على الكواليس (الرفوف) المشرئبّة بل في درجٍ جانبي صغير! قلتُ للشاعر التونسي المعروف الواقف قربي: (هذا لا يصدّق يا منصف). وعلمتُ أنّ حياتي قد ختم الدهر عليها وأنّي لن أهدأ أبداً. ولم أهدأ. وما زلت أتساءل حتّى بعد نجاح مشروعي وصدور إحدى عشرة مجموعة كبيرة مترجمة وستة كتب حضاريّة، وعديد من الكتب ذات المؤلّف الواحد، وترحيب العالم الخارجي بكل هذا، كثيراً ما كنتُ أتساءل كيف ترك ويترك العرب تاريخهم وإنجازهم ضائعاً مجهولاً؛ وكأنّ هذا أمر طبيعي مقبول، كأنّه مفروض علينا من السماء…»
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية