أعزي نفسي بأنه يوما ما، في مكان ما، وبعد مئة عام من إنكار ضناها ابن بطنها، ستعترف بي أمّنا السعادة، وستمسح على رأسي أخيرا وأنا متعلق برقبتها كطفل اشتعل رأسه شيبا، وماذا يكون هذا المكان سوى الجنة؟ يأتي هذا التساؤل على لسان الراوي البطل في رواية «مهنة سرية» الصادرة عن دار أقلام عربية للنشر والتوزيع للكاتب الروائي محمد بركة، وفيها يناقش عدة قضايا اجتماعية وإنسانية، تأتي على هامشها المقارنة بين حياة الغرب والحياة في البلدان العربية. محمد بركة الذي يستخدم هنا لغة روائية شديدة الحساسية والخصوصية، عبر سرد يُظهر فيه إحساسَه الشديد بالمفردات التي يستخدمها، باحثا عن صياغة تُدهش القارئ، لمَا فيها من جمال واختلاف، اختار هنا فكرة روائية قد تكون غير مسبوقة، إذ كتب عن فكرة أنْ يعمل رجل في الجنس ليمنح السائحات المتعة واللذة التي يبحثن عنها، محاولا أن يتقن دوره كما يجب في الفراش، متأرجحا بين مشاعر الحزن والحيرة.
خيبة أبيه!
هنا نجد أنفسنا أمام راوٍ حُرم من السعادة، نتيجة للمشكلات التي كان يراها بين أمه وأبيه وهو طفل، وقد تسبب أبوه، بشكل ما، في أن تخونه زوجته ، دون أن تعلم أن طفلها يرى ويسمع صنيعها: أنا الوارث أصلا لجينات أب أطلق الرصاص على العقل، وأم اختبأت تحت الجناح العملاق لطائر الأسرار، بريشه الأسود ومنقاره المعدني. كان الراوي يتعاطف مع أبيه، لكنه في الوقت نفسه يعشق أمه، كان يكره خيانة أمه لأبيه، لكنه لم يكن يستطيع أن يرفض أمرا لأمه، التي كانت تنصحه بأن يكون لطيفا مع النساء: كن محمود مختار تكن ستات الدنيا صلصالًا، مطالبة إياه ألا يخيب خيبة أبيه، الذي عجز عن إشباع رغباتها، وحينما كبر وبدلا من أن يعمل مدرسا للغة العربية، ضل الطريق وعمل في السياحة يبيع عَرَقه، لكن دون أن يفكر في أن يحب، أو يشعر بأي مشاعر تجاه إحدى عميلاته اللاتي كان يمنحهن فرصة النوم معه في مهنته السرية ، لأنه كان يظن أن هذا قد يضر بمصدر رزقه ولقمة عيشه.
علاء الراوي الذي يلتقي كل يوم، تقريبا، بامرأة مختلفة تدفع له مبلغا من المال، نظير أن تصل معه إلى ذروة نشوتها وبعدها ينتهي الأمر: تحولتُ إلى ماكينة تعمل في صمت، آلة من اللحم تمنح الطرف الآخر مبتغاه دون أن تفكر في نفسها، لم يكن يجد متعته في ذلك، بل هو يمارس هذا العمل للحصول على المال فقط، دون أن يسمح لمشاعره أو لقلبه بالعمل: أحترف مهنةً حساسة ومخجلة، بمزيج من الإثارة والخوف، كأني أوقّع عقدا مع الشيطان!
نير الظروف
في «مهنة سرية» يناقش محمد بركة مسألة أن يعمل رجل كـ»فتى ليل»، يكسب قوته من جسده، طارحا عدة أسئلة أخرى منها، لماذا يرحل الطيبون سريعا؟ لماذا يموت الأفضل بينما يعيش الأسوأ حتى يصل إلى أرذل العمر؟ كذلك تبدي الرواية دهشتها ممن يحاولون الظهور بصورة مزيفة تختلف عن صورتهم الحقيقية، ومن التغيير الذي لحق بالمجتمع، مستنكرة نظرة المجتمع إلى المرأة على أن جسدها الأنثوي هو أصل كل الشرور، محاولة إيجاد مبرر للذين يخطئون تحت نير الظروف. الرواية التي ترى أنه من الأفضل أن نتخلص من الأفكار المثالية التي تسببت في تخلف الشرق، رافضةً سلوكيات البعض، تشير إلى أن الحياة خليط من اللذة والألم، تشفق على الأطفال الذين يولدون في المجتمعات التي لا يحمل مستقبلها إلا الكثير من الضوائق الحياتية والمادية، في ظل اتخاذ البسطاء للجنس متعة بديلة ومتاحة، ينسون بها مشكلاتهم وهمومهم، مستنكرة ميل الكثيرين إلى تأجيل ما يجب عليهم فعله، وعدم إنجازهم له، كما تستنكر عدم الاهتمام بالمواعيد وانعدام احترامها، كذلك ترى الرواية أن مهنة «فتى الليل» التي يعمل صاحبها في سرية تامة، هي مهنة مثيرة للجدل في مجتمع شرقي، كذلك ترى أن الجنس هو أكثر الأشياء الواضحة غموضا، مظهرة أثر الإرهاب والثورات على المجتمعات، والثراء الفاحش الذي يعيش فيه الذين يتاجرون في المخلفات وتدوير القمامة، والمأساة التي يعيش فيها الفقراء محرومين من كل مقومات الحياة البسيطة. هنا كذلك يناقش محمد بركة، الذي أظن أنه سيجتهد كثيرا في روايته المقبلة حتى يتجاوز ما حققه في «مهنة سرية» على مستوى فرادة الرؤية وجودة السرد، قضايا مجتمعية أخرى، لافتا النظر إليها، طارحا أسئلته، منتظرا أن يمنحه الزمن إجابة عنها.
كاتب مصري