تتضارب الآمال مع الواقع في منطقة الشرق الأوسط كما لا يحدث في أية منطقة أخرى. فالحديث عن «السلام» مع الاحتلال الإسرائيلي يوازيه ويتزامن معه قتل الفلسطينيين بدون حدود أو رأفة. والكلام عن مشروع الدولتين يتلازم مع المطالبة بإلغاء كبرى المجموعات الفلسطينية من الخريطة. كما أن الإشارة إلى أمن لبنان على لسان رئيسه تصاحبه الدعوة لحزب الله لإلقاء سلاحه. ومع الدعوة لتكثيف أعمال الإغاثة في غزة تتصاعد أعداد الذين تقتلهم القوات الإسرائيلية من الذين يتوجهون لاستلام تلك الإغاثة. فما هي هذه المنطقة التي تتكثف فيها المتناقضات بهذا الوضوح والاستمرار والكثافة؟
ليس هناك من تفسير لذلك سوى باستحضار الرؤية الإسرائيلية التي تعتقد باستحالة المواءمة بين هذه القضايا. أي أن السلام لا يتحقق إلا بالاستمرار في قتل الفلسطيينيين، وإقامة الدولتين لا يتحقق إلا بسحق حماس وبقية مجموعات المقاومة. ولا يتحقق أمن لبنان إلا بتجريد مجموعاته المقاومة من السلاح. أما توفير الغذاء فمشروط بقتل من يهرعون لاستلام حصصهم منه. فما هذا المنطق الذي لا يستقيم مع أبسط مبادئ العدالة؟
قد يتحدث البعض عن «الواقعية»، ولكن هذه الواقعية، ضمن هذا السياق، تعني تسليم المنطقة كلها لكيان الاحتلال ومنع وجود أية مجموعة أو هويّة أخرى. وهذا يعني إعادة تسويق مشروع الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على الشرق الأوسط باستسلام غير مشروط من الجانب العربي. أليس هذا ما كان يلمح له الرئيس الأمريكي العام الماضي عندما طلب من أهل غزة مغادرتها ودعا الدول العربية لاستقبالهم؟ وإذا كان للسياسة الغربية دورها في فرض هذه الهيمنة الصهيونية على المنطقة، فإن غياب الدور الفاعل للنظام السياسي العربي أفضى إلى إضعاف مقاومة المشروع الصهيوني خصوصا مع هرولة بعض الأنظمة للتطبيع معه.
بدلا من احتضان المقاومة الفلسطينية هرع العديد من الأنظمة العربية لتكثيف الضغوط عليها
ثمة تساؤلات مشروعة يجدر طرحها في هذا السياق: لعل أولها وأكثرها أهمية: هل ستنتهي المشكلة التي مضى عليها أكثر من ثلاثة أرباع القرن هنا؟ وتتلو ذلك تساؤلات مشروعة أخرى: أين هي اتفاقات أوسلو ومدريد؟ ما مصير مشروع الدولتين؟ ما موقع مدينة القدس في أي حل يُفرض على المنطقة؟ وأخيرا ما الذي يبقى من فلسطين للفلسطينيين؟ أم أن المشروع يقتضي كذلك إلغاء اسم فلسطين ومنتسبيها من التاريخ؟
من المؤكد أن أحدا لن يجشم نفسه عناء التعاطي مع هذه التساؤلات، خصوصا من يمتلكون القوة العسكرية ويعتقدون أنها الفيصل للمعارك السياسية والأخلاقية ذات الصلة بقضية فلسطين. فكيان الاحتلال لا يواجه ضغوطا من الأطراف الفاعلة في الساحة الدولية، بل يحظى بدعم غير محدود من الولايات المتحدة وبمستوى أقل الاتحاد الأوروبي. وبرغم ما يتردد أحيانا عن فرض عقوبات اقتصادية او عسكرية على الكيان، لم يتوقف تدفق أحدث الأسلحة لتل أبيب، ولديها عدد من طائرات اف 35، وهي الأحدث من بين الطائرات الأمريكية. يتوازى مع ذلك غياب دعم دولي يذكر للجانب العربي، خصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وهيمنة النزعة الاقتصادية على الصّين وتراجع انتمائها الأيديولوجي وحماسها لدعم الاتجاهات التحرّرية في العالم. وربما الضربة الأكثر إيلاما ما فعله الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، الذي أخرج مصر من محور الصراع مع «إسرائيل». ولكن برغم ذلك لم ينته الصراع العربي – الإسرائيلي ولم يستسلم الفلسطينيون برغم ما تكبّدوه من آلام بلغت في الوقت الحاضر إلى المجاعة التي بدأت تحصد أرواح الجياع خصوصا في غزّة.
الواضح أن هناك تعاونا إقليميا ودوليا لإزالة كافة العقبات التي تعترض استمرار الاحتلال. فبالإضافة للسياسات الهادفة للتطبيع معه وإدماجه في الشؤون الإقليمية الاقتصادية والسياسية والأمنية، تلاشت أغلب العقوبات الاقتصادية والحصار التجاري على كيان الاحتلال. حدث ذلك تارة بضغط أمريكي وتارة بسبب رغبة بعض الأنظمة الإقليمية في إنهاء حالة الحرب التي هيمنت على اوضاع الشرق الأوسط منذ العام 1948. وبدلا من احتضان المقاومة الفلسطينية هرع العديد من الأنظمة العربية لتكثيف الضغوط عليها، بوقف المساعدات المالية والدعم العسكري والتفاعل السياسي مع القضية التي كانت تعتبر أم القضايا في المنطقة. هذه هي رغبة بعض الأنظمة العربية الحاكمة، وليست رغبة الشعوب التي تشعر بانتمائها الفكري والنفسي والإنساني لفلسطين التي طالما تغنّى بها الشعراء والمطربون، ومن بينهم الراحلة فيروز المعروفة بمواقفها الداعمة لفلسطين وأغنياتها الحماسية خصوصا في أوقات الحرب. ففلسطين كانت على لسان كل عربي ومسلم وشريف حتى أصبحت عنوانا لظلامة الشعوب فتشبث بها المناضلون وطلاب الحرّيّة ليس في العالم العربي فحسب، بل في كافة أصقاع العالم. وبرغم الجهود الغربية لتطبيع الاحتلال والتشويش على فلسطين كقضية وعنوان نضالي وشعار ثوري، فقد توسعت دوائر الاهتمام العالمي بالقضية، وأصبحت «إسرائيل» في نظر الشعوب تمثل العدوان والاحتلال والظلم وانتهاك حقوق الإنسان، وتعتبر المثال الصارخ لسلبيات الرأسمالية العالمية الجشعة. وساهمت قضية غزّة وحصارها وانتشار المجاعة بين سكّانها في توسيع دوائر الاهتمام وتصاعد الغضب مما يراه العالم جريمة حرب واضحة. ونظرا لاحتمال تكثف الضغوط على أمريكا ودول الغرب للضغط على «إسرائيل» لإنهاء حصار غزة واستخدام الغذاء والدواء سلاحا ضد فلسطين، صدرت مبادرات سياسية من بعض السياسيين الأمريكيين للضغط من أجل تخفيف الحصار. وفي الأسبوع الماضي طرح بعض أعضاء الكونغرس مشروعين لقرارين بحظر مبيعات الأسلحة لـ «إسرائيل» بهدف وقف استهداف المدنيين في غزة خصوصا الذين يتوجهون للحصول على المساعدات الإنسانية من مراكز التوزيع. ولكن مجلس الشيوخ الأمريكي عرقل صدور القرارين برغم أنهما حظيا بدعم أكبر من إجراءات مماثلة شهدها الكونغرس في وقت سابق من هذا العام. والواضح أن طرح القرارين ليس المقصود منه تفعيلهما في الواقع ولكن للضغط على تل أبيب للتوقف عن اتخاذ إجراءات تحرج أصدقاءها الغربيين خصوصا إذا كانت تتناقض مع القانون الإنساني الدولي. ويصعب الاعتقاد بأن تتخذ أمريكا قرارات تؤثر سلبا على السياسة الإسرائيلية التوسعية.
وحيث أن الحديث هنا يجري حول قضية استمرت أكثر من ثلاثة أرباع القرن، فإن السجال حولها ضمن هذه الأطر لا يمثل موقفا دوليّا أو إقليميا جادّا، خصوصا بلحاظ غياب وسائل الضغط الفاعلة سواء من الجانب الغربي أو الدول العربية. وكان من أبسط التوقعات قيام الدول العربية التي طبّعت مع الاحتلال أو أقامت علاقات سياسية معه بتجميد تواصلها مع «إسرائيل»، فذلك أضعف الإيمان. ولكن لم يُلاحظ شيء من ذلك، ولم تعمد الأنظمة المطبّعة لغلق السفارات الإسرائيلية أو تجميد العلاقات الدبلوماسية. هذا برغم أن القضية ما تزال تحظى بدعم دولي واسع خصوصا على مستوى الشعوب التي كانت يوما ترفض مشاركة «إسرائيل» في الفعاليات التجارية والرياضية. وينظر ضحايا الاحتلال الإسرائيلي للمواقف الخانعة أنها طعنة في الخاصرة من أقرب الناس، لأن في ذلك تخلّيا عن المسؤولية الإنسانية والإسلامية، واستسلاما لواقع يفرضه الغربيون بالقوّة ويهدف لإبقاء أمة العرب والمسلمين في موقف الضعف والخنوع. إنه جانب من الحرب النفسية التي تدعم الأنماط الأخرى من الحروب والاعتداءات. وحتى الآن ليس هناك استسلام جماعي عربي للاحتلال بعد مرور أكثر من 45 عاما على زيارة السادات للقدس. وفي ذلك تعبير عن صلابة الموقف الرافض للاحتلال أو المستسلم لإملاءات الغرب، ودرس للأجيال المتلاحقة التي رفضت حتى الآن الخضوع للسياسات الأمريكية الداعمة، بلا حدود لكيان الاحتلال والمتجاهلة لقيم الحق والعدل وشروط الأمن والاستقرار.
في خضم الضغوط الأمريكية على الدول العربية للتطبيع مع كيان الاحتلال، تتواصل سياسات الاحتلال والقمع والاضطهاد ضد من بقي من أهل فلسطين على أرضها. وتشارك الجهات الداعمة للاحتلال في محاولات إفراغ ما بقي من الأراضي الفلسطينية من سكانها لتسهيل مهمة ضمها، كما حدث لمرتفعات الجولان التي أعلن نتنياهو ضمها لكيان الاحتلال، وذلك في «غفلة» من سوريا التي يراد لها الانفصال عن محور المقاومة. وليس هناك ردود فعل مناسبة من دمشق سواء للاحتلال الإسرائيلي للجولان، أو احتلال فلسطين، أو التمدد الإسرائيلي في المنطقة. وقد أصبحت سوريا أكبر بلد عربي مستهدف بالعدوان والاحتلال بعد أن تم تحييد جنوب لبنان في المعركة التاريخية مع «إسرائيل».
كاتب بحريني