كلما ازدادت تخبطات ترامب وعزلته حتى عن أقرب المقربين من حلفاء أمريكا، كما هو حاصل مع أوروبا وكندا والهند واغلب الدول المتضررة من السلوك غير المسؤول لإدارته كلما ازدادت قابلية الصين على الاختراق وعلى اكتساب ثقة واحترام كل الأطراف، بالرغم من المحاولات الأمريكية المكثفة لشيطنة الصين !
ولم تنطلق الترامبية من فراغ عندما اعتبرت الصين هي القوى العالمية الوحيدة القادرة على تجاوز أمريكا اقصاديا ثم استراتيجيا، وعليه اعتبرت إعاقتها في عقر دارها الآسيوي أم المهمات لجعل أمريكا عظيمة مجددا، وذلك من خلال تعظيم منافسة جوارها، الهند واليابان وكوريا وأستراليا، وإثارة المخاوف من تمددها الناعم في دول جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، وكسر حلقات وصلها العقدية في بلدان الشرق الأوسط وتحديدا الخليج ثم افريقيا، كإيران، وجنوب افريقيا، واستخدام إسرائيل كحارس إقليمي لتطويق الاختراقات المحتملة، كل هذا لإبعاد الصين تدريجيا عن مصادر الطاقة التقليدية، وجعلها مرتهنة للمنظم الأمريكي الذي يصر على أن يكون الدولار هو الغطاء النقدي الوحيد للتجارة بكل أنواع الطاقة الأحفورية عالميا وخاصة النفط والغاز ناهيك عن احتكار المعادن النادرة التي تدخل في صميم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وبالتوازي يجري تركيز أمريكي مباشر على النصف الغربي من العالم لتمشيطه من الجيوب الصينية باعتباره حديقة خلفية وأمامية للمركز الأمريكي تطويرا «لمبدأ مونرو»، من غرينلاند وكندا الى الأرجنتين مرورا بالكاريبي وفنزويلا وكولومبيا والبرازيل، ومغازلة روسيا لإضعاف اندفاعتها نحو الصين وذلك بتحقيق تسوية مرضية لها مع أوكرانيا ووضع أوروبا أمام الأمر الواقع الذي سيدفعها حتما لتفاهمات مع روسيا بموجبها، يُرشق الناتو شرقا، وتعيد العمل لحنفيات النفط والغاز الروسي، فبسبب المقاطعة الأوروبية تحصل الصين على غاز ونفط روسي بأسعار تفضيلية مع تنسيق استراتيجي، تبلور معه تكاملات ندية، للغرب عموما وأمريكا خصوصا، أي اللعب الأمريكي على نقطة الضعف الصيني في اعتمادها الكبير على مستوردات الطاقة الأحفورية، وهي قادرة على تجاوزه بإبداع غير متوقع، أساسه أن التجارة الحرة هي سلاح الأقوياء في المنافسة والعكس صحيح !
لا وجود لقوى محايدة للتحكيم تستطيع فرض تطبيق القوانين المرعية عندما يملك أحد اطراف معادلة التنازع المقدرة على انتزاع مطالبه بالقوة
يقترن نجاح الصين في سعيها المتأني لتحقيق الخطوة المنتظرة نحو التفوق الاستراتيجي على منافسيها، بمقدار نجاحها في تحقيق معادل للردع، يقيها شرور الإعاقة الأمريكية وليس الأمر متعلقا فقط بالقدرات العسكرية التي تناظر أقصى ما بحوزة أمريكا وحلف الناتو، وقد شارفت هي على تحقيق هذا المبتغى، حسب ما استعرضته في الذكرى الثمانين لانتصارها على اليابان في الحرب العالمية الثانية، إنما في قدرتها على بناء تحالفات ممتدة، تشكل فضاء دفاعي لمداراتها كالأحزمة المحصنة والقباب التي تمتص الهجمات المتوقعة وغير المتوقعة ومن الجهات الست، وتغطي بمدياتها الأرض وما حولها، إقامة تحالف نوعي مع الأقطاب المتضررة استراتيجيا من سياسة ترامب، المتمثلة عمليا بالسياسات الأمريكية المتفردة في قيادة العالم، ببعد القطبية الواحدة، والتي تعمل على تخليد احتكارها للقوة الفائقة، عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا، بالتخادم مع مراكز القرار الأوروبي، بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، عبر حلف الناتو، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، إضافة لمجموعة السبع الكبار، التي تستقطب الثقل الياباني كعملاق متغرب وكندا ظهيرة أمريكا، بتجانس مصلحي وتبعي مع دول تعد جسور وقواعد اقليمية للأخطبوط الغربي، ككوريا الجنوبية والفلبين وأستراليا، وكل هؤلاء باتوا متضررين من الحمائية الأمريكية وتجاوزاتها البغيضة للأعراف الدولية. وأما أكثر المتضررين من الهيمنة الأمريكية على العالم، حيث يحاول أغلبهم التكتل لردع ما أمكن ردعه، كما في مجموعة بريكس وشنغهاي، والمنظمات المتخصصة في الأمم المتحدة !
الصين هي الند الفعلي للغطرسة الترامبية، بالقوى الخشنة والناعمة، فاقتصادها وتكنولوجيتها تزاحم أمريكا في كل الأصقاع، وهذه أوروبا وكندا تجد بالتعامل مع الصين فرصا موثوقة وعلى العكس تنعدم ثقتها بترامب ورسومه المتحركة !
علاوة على أن الصين منفردة تملك سوقا استهلاكيا داخليا هائلا يجعلها تغالب مظاهر الأزمات الاقتصادية الدورية كالكساد والتضخم، وهي بتدخل الدولة وتخطيطها وتنميتها ورعايتها المنعشة للدورة الاقتصادية أكثر حصانة من نظيرتها الأمريكية، لكن كل هذا لا يكفي للاستدامة المضمونة استراتيجيا، فالمنافسة ليست حرة وبالتالي ليست شريفة، والالتزام بضوابط منظمة التجارة العالمية انتقائية ولا وجود لقوى محايدة للتحكيم تستطيع فرض تطبيق القوانين المرعية عندما يملك أحد أطراف معادلة التنازع المقدرة على انتزاع مطالبه بالقوة وبالوسائل غير الشرعية كالعقوبات الكيفية او بالمصادرة او بفرض الرسوم غير المنصفة او بالحصار والغزو، القوة الاقتصادية في حاجة للحماية والردع، وعندما لا تكتفي أمريكا بتكتل الناتو وتذهب لنشر قواعدها بشراكات عسكرية ثنائية لتطويق الصين وحصارها كما تفعل مع الفلبين وأستراليا وتايوان وتتسابق لتسليح الدول المحيطة بروح العداء والتربص، فإن ردود فعل الصين ستكون أكثر حكمة عندما تستثمر بعزل أمريكا، والسلوك غير المسؤول لرئيسها ذي السمعة السيئة!
وصفت السي أن إن الأمريكية العرض العسكري الصيني الضخم بمناسبة مرور 80 عاما على انتصار الصين في الحرب العالمية الثانية : عرضا مرعبا ومتعمدا للأسلحة مصمما لإرسال رسالة مفادها أن رؤية شي جينبينغ لنظام عالمي جديد، تتربع الصين على قمته ستدعم بأسلحة عالية التقنية على ما يبدو، وفي كثير من الحالات، متقدمة على منافسيها. قيل إن من يتحكم في أوراسيا سيتحكم في العالم، وهذا ما أكده بريجنسكي في كتابه رقعة الشطرنج الكبرى، عندما قال : أوراسيا محور للسيطرة العالمية، وهي قلب العالم، وقد أثبتت الحرب الأوكرانية، وما يحاوله ترامب بصددها حقيقة الخشية الأمريكية من الملامح المتحققة لتحالف الصين الجيواستراتيجي مع روسيا وتحويلها التناقضات الى فرص عابرة للحدود تسهم في تذويب عوائق الانفتاح على الهند وآسيا الوسطى وإيران وتركيا وبما يجعل من القطبين ظهيرين لبعضهما ويفرضان شروطا ليقين عالمي جديد يتجاوز شيخوخة النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، لتكون أوراسيا طريق الحرير الصيني نحو الغرب وبتسويق روسي، وهذا ما يؤهل الصين نحو استعادة سلمية لتايوان على طريقة هونغ كونغ التي احتواها التنين الصيني رغم كل التعقيدات. الاستخبارات الامريكية ونقلا عن صحيفة وول ستريت جورنال أفادت بأن الرئيس الصيني شي أمر جيش بلاده بأن يكون جاهزا للسيطرة على تايوان بحلول عام 2027، كما أكد الرئيس الصيني لترامب وفي أكثر من مناسبة، بأن عودة تايوان أمر مفروغ منه، وأن التدخل الخارجي هو الذي يعقد هذه العودة وجاءت العقوبات الصينية الأخيرة على 20 شركة أمريكية وشخصيات تنفيذية مرتبطة بالتصنيع الحربي بسبب إعلانها عن بيع أسلحة لتايوان بقيمة 10 مليارات دولار لتؤكد جدية التوجه الصيني، وتأتي المناورات العسكرية الصينية الضخمة حول تايوان كتحذير صارم ضد أي تدخل خارجي، أما أشباه الموصلات التي تنتجها تايوان والتي لا يستغني عنها ترامب، فالصين مستعدة لصفقة تناسبه، ولا تجعله خاسرا، كي يربح ما يسد رمقه من أشباه الموصلات دون تكاليف حرب غير مضمونة النتائج !
كاتب عراقي