لم تكن دعوات التقريب بين الأديان أو المذاهب أو الأحزاب ماضيا وحاضرا، مسارا ميسّرا لسالكيه. بل كثيرا ما اعترضته المشاكل والعقبات. تماما كما هي محاولات التقريب بين الدول التي تختلف سياسيا أو إيديولوجيا.
فمسار التقريب ليس سهلا، وليس مضمون النتائج، كما أنه ليس بمنأى عن الاستهداف والتضحيات. فبموازاة تلك الدعوات ترتفع أصوات معارضي أي تقارب او تفاهم بين الناس، خصوصا من العنصريين والمتطرّفين من كافة الأطراف. هذا برغم أن الأديان والأيديولوجيات العامة تدعو عادة للحوار والتقارب، وترفع راية الإنسانية كشعار تنضوي تحته الأهداف والشعارات الخاصة بالمجموعات العاملة. ويمكن الادّعاء بأن ردود الفعل المضادة لأي مشروع تقريبي أو تصالحي بين البشر لا تقل حماسا وقوة من ذلك المشروع خصوصا إذا كان دعاة التقريب جادّين في مشاريعهم.
لماذا تتعملق الحالة النرجسية لدى البعض حتى تدفعهم للتصدي لما هو إيجابي ومطلوب لدى الآخرين؟ أهي القابلية للتشيطن؟ أهي تعبير عن الغرور والصلافة؟ أهو الجهل المركّب؟ أم أنه العداء العميق لما هو مجهول؟ إن من الصعب معرفة الأسباب، ولكن الواضح أن هذه الظاهرة ليست جديدة في المجتمع البشري، بل لها جذور عميقة تمتد إلى بداية تكوّن المجتمع الإنساني، ومحاولاته التنظير لقيم الخير والشر والسعي لإقامة منظومة بشرية أكثر تشبثا بالعقل والمنطق، وأقل استجابة لنداءات العاطفة والنرجسية. إن المجتمع البشري يمثل كتلة بشرية واحدة لا مكان واضحا فيها لخيوط التمايز الفاقعة، وكثيرا ما كانت القيم الإنسانية حاضرة في أذهان المنظّرين لذلك. هذه القيم ضمان لتعمق الشعور بتساوي أبناء الجنس البشري، وبدونها تهيمن القيم الشيطانية كالغرور والتكبر والاستعلاء. هذا من الناحية النظرية طبعا، ولكن عمليا كثيرا ما يكون هناك مفارقة في تعامل البشر مع بعضهم، لأسباب تتصل بالمكانة الاجتماعية او النفوذ السياسي أو الحالة المادّيّة للأفراد.
ثمة أبعاد عديدة لهذه الظاهرة التي يصعب تفسيرها أو استيعاب أسبابها. ومنها ما يلي: الأول: أن الشعور العميق بالتفوق القيمي لدى أية مجموعة يزيد من حماس معارضيها الذين يرون أنفسهم في مستوى دونيّ. وينجم عن ذلك تباين في الانتماء الأخلاقي وقد يشجع ذلك التباين على تصعيد التوتر وحدوث المصادمات أو الاعتداءات. ثانيها: أن المجتمع لا يخلو من أطراف تسعى للهيمنة من خلال تفريق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية، فتسعى لإثارة التصدعات بما لديها من أساليب وسبل. وفي الحالة الغربية ثمة أطراف محسوبة على اليمين المتطرف أو على «إسرائيل» لا يسرّها تصالح المجتمع مع نفسه من خلال احتضان العناصر ذات السحنة المختلفة خاصة إذا كانوا من المسلمين، فتستهدف مصالحهم ومؤسساتهم وأماكن عبادتهم، كل ذلك بهدف التحريض والإثارة والضغط على السياسيين لتغيير خططهم ومناهجهم خصوصا في مجال الانسجام الثقافي بين المكونات المجتمعية. ثالثها: أن بعض الأطراف المذكورة استوعب دور الإعلام في خلق الرأي العام الغربي، فسعى لاختراقه بزرع عناصر فاعلة بين الإعلاميين خصوصا الناشرين والمراسلين وكتّاب الأعمدة. وليس جديدا القول إن هناك حضورا واسعا لأعداء المسلمين في وسائل الإعلام الغربية. فمثلا هناك الآن حملة واسعة ضد بث مشاهد القتل والتدمير التي تحدث في غزّة لأنها تؤثر على الرأي العام وتكشف حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وتوجّه المشاعر ضده. رابعها: أنه برغم استهداف التوجهات الليبرالية والتقدمية ما تزال هناك تأثيرات لهذا التوجه في المسارات المجتمعية خصوصا النقابات العمّالية وصفوف الطلّاب. وقد انتشرت في هذه الأوساط مشاعر داعمة لفلسطين، التي ما برحت قضيتها رائجة في الأوساط الليبرالية المذكورة. ولذلك هناك سعي لـ «ضبط» الحرّيّات المتاحة خصوصا في الجامعات، ودعوات للسيطرة على منابرها لمنع تنامي ظاهرة دعم التوجهات التحرّرية والليبرالية والإسلامية.
المجتمع لا يخلو من أطراف تسعى للهيمنة من خلال تفريق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية
وتجدر الإشارة إلى التأثير الصهيوني على المؤسسات الكبرى كالجامعات. فقد كانت هناك مقاطعة من الجامعات البريطانية للجامعات الإسرائيلية استمرت ردحا من الزمن، ولكن نشاط اللوبيات الإسرائيلية استطاع إلغاء تلك المقاطعة الأكاديمية. وما أكثر الجهود التي بذلت، وما تزال تبذل لكسر المقاطعة العربية للكيان الإسرائيلي. خامسها: لم يعد خافيا على أي مراقب يقظ تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا الهادفة لتشويه سمعة الإسلام وأتباعه في أنظار القطاعات المجتمعية الغربية. وهذه الظاهرة في تصاعد برغم الضغوط لتخفيفها. فالإسلام بطبيعته دينٌ جاذب للنفس البشرية، وما أكثر الذين يعتنقونه سنويا من الغربيين طوعًا. وما اكثر التقارير التي تتحدث عن ازدياد عدد المسلمين والخشية من أن يكون الدين الأوسع في العالم في غضون ربع القرن المقبل. وهذا من شأنه إثارة الأطراف المعادية للإسلام لعرقلة التوسع المتوقع بشتى الأساليب. سادسا: لوحظ في الآونة الأخيرة إثارة قضية اللاجئين بهدف منع وصولهم إلى أوروبا، وذلك لخفض أعداد المسلمين الذين يمثلون نسبة واسعة من هؤلاء اللاجئين. وهذا توجه جادّ تغذّيه الاتجاهات اليمينية المتطرفة واللوبيات الصهيونية.
المعروف تاريخيا أن انتشار الإسلام حدث بشكل طبيعي، وليس نتيجة أعمال دعوية واسعة. فالمؤسسات الإسلامية في الغرب تصبّ أغلب اهتمامها على رعاية جالياتها بتوفير أماكن العبادة وضمان الطعام الحلال في الأسواق والحفاظ على عفّة النساء والفتيات وحماية الأخلاق الإسلامية من تأثير ثقافة التحلل التي تنتشر على نطاق واسع في الغرب. وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون هناك ترحيب بانتشار الظاهرة الدينية، فإن هناك حساسيات لدى بعض القطاعات الكنسية التي تخشى من ذلك الانتشار، وتعتقد أنه يؤثر على دوائرها المسيحية. ولو فكّر رجال الكنيسة في خطر تراجع الفكر الديني، أيّا كانت هويته، على الظاهرة الدينية بشكل عام، لما تحسّست بهذا المستوى. لذلك أصبح على المؤسسات الإسلامية وعلماء الدين والمثقفين والدعاة مدّ الجسور مع الأوساط الدينية الأخرى لطمأنتها بأن اعتناق الإسلام يخدم الظاهرة الدينية ولا يؤثر سلبا على أتباع الديانات الأخرى بشكل كبير.
وعند الحديث عن حوار الأديان وتقاربها تبرز التناقضات بين مواقف رجال الدين، وعمق خشيتهم من الذوبان خصوصا في هذه الحقبة الزمنية التي أصبحت وسائل التواصل بين الأفكار والثقافات تحتل مكانة مرموقة في التفاعل الديني. فهناك شعور متبادل بين كافة الأطراف بالخشية من توسع انتشار الإسلام، وأن يكون ذلك اختراقا للدوائر التقليديّة للأديان الأخرى. فالملاحظ أن المسلمين لم ينظّموا أنفسهم في مجال الدعوة والتبليغ، وأن اعتناق الآخرين للإسلام إنما هو بجهود ذاتية من قبل الأفراد سواء المسلمين أم المعتنقين الجدد. صحيح أن الكثير من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية تهتم بطباعة الكتب وإقامة الندوات وتوجيه خطابات للآخرين للاطّلاع على الإسلام، ولكن هذه الجهود غير منسقة وليس هناك جهاز مركزي موحد على غرار مجلس الكنائس العالمي الذي يعمل وفق خطط ودراسات وموازنات عملاقة.
الأمر المهم من وجهة نظر إنسانية أن يكون الحوار بين البشر أساسا لتنظيم العلاقات، خصوصا أن هناك قضايا تهم البشرية تتجاوز أشكال الانتماء. وهناك ظواهر طبيعية ومجتمعية أصبحت تتحدى البشر جميعا. فهل هناك خطر يتهدد الوجود البشري على هذا الكوكب أكبر من التداعي المناخي والاختلال البيئي؟ من المؤكد أن تعاون الأديان في هذا المجال سوف يساهم في الحد من هذه الكوارث. فالوجود الإنساني يسبق انتماء الأفراد للدّين او الحزب او الفئة.
وهناك قضايا أخرى تمثل تحدّيا للإنسانية، ومنها الجفاف وما ينجم عنه من مجاعات في مناطق عديدة من العالم. وربما القضية الأكثر إلحاحا هذه الأيام ما يعانيه أهل غزة بشكل خاص من مجاعة وسوء تغذية بالإضافة لتردّي العناية الصحية، وكلها مشاكلة ناجمة عن الاحتلال. وتكفي هذه القضية لجذب رجال الأديان المختلفة إلى طاولة مفاوضات لتنسيق عمل إغاثي مشترك يحمي حياة أكثر من مليوني إنسان معرضين للمجاعة.