التبادل التجاري بين الصين والدول العربية: الفائض لمن؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

على الرغم من قِدَم العلاقات بين الصين والدول العربية فإن الربع الأول من القرن الحالي سجل قفزات هائلة في المبادلات التجارية والاستثمارات على الجانبين، ما جعل الصين تصبح أكبر شريك تجاري للعالم العربي، حيث تمكنت بسهولة من إزاحة الدول الصناعية الغربية من هيمنتها التقليدية على الأسواق العربية. وكانت الدول الاستعمارية الأوروبية قد هيمنت على الأسواق العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث ساد نمط التقسيم الاستعماري للعمل، وتخصصت الدول العربية في إنتاج وتصدير المواد الخام الزراعية والمعدنية والوقود، بينما تخصصت الدول الاستعمارية في إنتاج وتصدير السلع المصنوعة، لكنها بدأت تفقد مكانتها مع موجة الاستقلال الوطني في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث اتجهت الدول العربية إلى التصنيع واتباع سياسات تجارية حمائية لكسر هيمنة الدول الاستعمارية على أسواقها. ودخلت الصين بقوة إلى ساحة المنافسة التجارية والصناعية العالمية في نهاية عام 2001 بانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. ومع أنها اهتمت بالتوسع في أسواق الدول الاستعمارية القديمة (الدول الصناعية الغربية) وعلى رأسها أسواق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن الدول العربية حصلت على نصيب كبير من اهتمام الصين بالتوسع الاقتصادي حول العالم لثلاثة أسباب رئيسية: السبب الأول هو الحصول على الوقود من دول الخليج وشمال أفريقيا، والثاني هو السيطرة على الأسواق والتجارة خصوصا مع زيادة القوة الشرائية واتساع حجم هذه الأسواق، والسبب الثالث هو استغلال الموقع إلى أقصى حد ممكن، لمساعدة البضائع والتكنولوجيا الصينية على التغلغل في أسواق جنوب وشرق أوروبا وحوض البحر المتوسط وأفريقيا. وحققت الصين نجاحا كبيرا في التوسع الاقتصادي في الدول العربية خلال العقدين الأخيرين، ما يثير أسئلة كثيرة عن طبيعة تقسيم العمل في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، ومدى قدرة كل من الطرفين على تطوير هذه العلاقات لتحقيق التوازن في تبادل المصالح، وما إذا كانت الصين تسعى إلى تغليب نمط جديد من تقسيم العمل يحقق مصالحها الأنانية على حساب الطرف الآخر، وذلك من خلال إلقاء نظرة على طبيعة التجارة المتبادلة، وطبيعة موقع كل من الطرفين على خريطة سلاسل الإنتاج والإمدادات الثنائية والعالمية.

الإطار المؤسسي للعلاقات

تضاعفت قيمة التجارة المتبادلة بين الصين والدول العربية في عام 2024 بما يعادل عشرة أمثال ما كانت عليه قبل عقدين من الزمان، لتصل إلى حوالي 407 مليارات دولار، مقارنة بقيمة متواضعة بلغت حوالي 36.7 مليار دولار في عام 2004. وبلغت الصادرات السلعية الصينية إلى الدول العربية حوالي 206 مليارات دولار أمريكي، في حين بلغت الواردات من المنطقة العربية حوالي 201 مليار دولار أمريكي. ويبين التركيب السلعي للتجارة العربية – الصينية سيطرة السيارات والهواتف والسلع الصناعية والآلات والإلكترونيات على الصادرات الصينية، في حين يهيمن النفط الخام والغاز ومشتقاتهما والمواد الأولية على صادرات الدول العربية للصين.
وتشمل الصادرات الصينية الآن نطاقاً أوسع من السلع ذات القيمة المضافة العالية والمدخلات التكنولوجية المتقدمة. الظاهرة الجديدة اللافتة للنظر في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين هو الدور المتعاظم الذي تلعبه صناديق الثروة السيادية العربية في نقل الثروة المالية إلى الصين من خلال قنوات الاستثمار في القطاعات المختلفة بما فيها البتروكيمائيات وصناعة السفن ومشاريع البنية الأساسية.
ويتم توجيه العلاقات الاقتصادية العربية – الصينية وتنسيقها جماعيا من خلال منتدى التعاون العربي – الصيني الذي تأسس في عام 2004 ويضم الصين والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية وينعقد مرة كل عامين. وانعقدت الدورة العاشرة للمجلس الوزاري للمنتدى في عام 2024 بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسه. وجرى في الدورة اعتماد «إعلان بكين» الذي يعزز الشراكة الاستراتيجية ويضع أولويات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي. وتبنى المجلس الخطة التنفيذية للفترة 2024-2026 لمواصلة العمل في مجالات التعاون المتفق عليها.
كما أصدر بيانا بشأن القضية الفلسطينية دعا إلى وقف إطلاق النار، دعم حل الدولتين، ورفع المعاناة الإنسانية في غزة. كما جرى أيضا توقيع اتفاقيات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف مع الدول العربية والأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وتجدر الإشارة إلى أن السياسة الصينية من خلال المنتدى تنبع أساسا من مبادئ مبادرة الطوق والطريق، التي تعتبر واحدة من أهم مرجعيات السياسة الخارجية الصينية. أما السياسة العربية فلا مرجعية لها، حيث تختلف أهدافها في كل دولة عن الأخرى، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي. ولذلك فإن المشروعات التي يتم الاتفاق عليها داخل المنتدى تكتسب ملامح خيارات الصين في دعم البنية الأساسية لمبادرة الطوق والطريق، والتركيز على سد الثغرات في سلاسل الإنتاج والإمدادات بموارد وامكانيات متاحة بتكلفة أرخص لدى الدول العربية. وتتضمن أولويات الصين تعزيز استثمارات البنية الأساسية خصوصا في مجالات النقل والترابط والاتصالات والطاقة. ومن ثم فإن محركات نمو التجارة المشتركة تغذيها حاجة الصين إلى الطاقة الوفيرة المتاحة لدى الدول العربية في الخليج وشمال أفريقيا، وأيضا حاجتها إلى التوسع الاقتصادي في الشرق الأوسط وأفريقيا، ورغبتها في تعويض النقص الذي تعاني منه في تكامل سلاسل الإنتاج، وتكريس هيمنتها على الخامات والمواد المعدنية الأساسية والمواد الأرضية النادرة. وفي هذا السياق من الملاحظ أن الصين تبدي قدرا كبيرا من الاهتمام بتطوير ثروات الفوسفات والحديد والذهب واليورانيوم و أحجار الرخام في دول مثل مصر والمغرب والسعودية. وتُعدّ السعودية والإمارات والعراق وسلطنة عُمان وقطر ومصر أكبر الشركاء، حيث تُمثّل حصتها مجتمعة 84.8 في المئة من إجمالي التجارة.

عدم التوازن التجاري

تفترض أبجديات العلاقات التجارية بين الصين والدول العربية أن حاجة الأولى إلى النفط والغاز ومشتقاتهما تعني أن الدول المصدرة للبترول تحقق فائضا تجاريا كبيرا مع الصين، نظرا للعلاقات الوثيقة بين الدول العربية الخليجية وبين الولايات المتحدة وأوروبا. لكن هذا الافتراض يسقط فورا عندما نفحص أرقام التجارة المتبادلة بين الصين وكل من السعودية والإمارات، حيث نجد أن الصين في واقع الأمر تحقق فائضا تجاريا مع كل منهما. وفي حين أن دولا منفردة مثل السعودية وسلطنة عمان قد تحقق فوائض تجارية مع الصين بفضل صادرات الطاقة من حين لآخر، فإن التجارة الأوسع والأكثر تنوعاً تميل في الغالب لصالح الصين، التي تصدّر الآلات ومواد البنية التحتية والسيارات والإلكترونيات إلى المنطقة. في هذا السياق فإن بروتوكولات الدول العربية تتكون من النفط الخام بشكل أساسي، والمنتجات البترولية، والمواد الكيميائية العضوية، والبلاستيك. أما الصادرات الصينية فإنها تتكون أساسا من الهواتف، وأجهزة الكمبيوتر، والسيارات، والمنسوجات، والآلات. ويعتبر اعتماد الصين على الطاقة العربية عاملاً رئيسياً، حيث تُعتبر أكبر مستورد للنفط من المنطقة. يعمل الجانبان على توسيع نطاق التعاون ليشمل مجالات أخرى غير النفط، كالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والتصنيع. ومن المتوقع أن يظل حجم التبادل التجاري مرتفعا، مع نمو قوي ومستمر مدفوعاً بمبادرة الحزام والطريق الصينية و جهود التنويع الاقتصادي العربي.

الصين ـ السعودية

تظهر أرقام التجارة الخارجية أن الصين تستورد من السعودية أقل مما تصدر إليها، ما يعني أن الصين تحقق فائضاً تجارياً في تجارة السلع مع السعودية على أساس سنوي. قد تتذبذب اتجاهات الإحصاءات الشهرية من شهر إلى آخر، لكن الأرقام الإجمالية السنوية تبين غالباً أن إجمالي الصادرات الصينية أعلى من وارداتها من السعودية في كثير من السنوات الأخيرة. وكذلك الحال في تجارة الصين مع الإمارات. وتظهر بيانات التجارة أن الإمارات تستورد من الصين بكميات كبيرة (على سبيل المثال بلغ إجمالي الواردات من الصين نحو 84 مليار دولار في 2024)، في حين أن صادرات الإمارات إلى الصين تكون أصغر نسبياً. هذا يعني أن الصين تصدر إلى الإمارات أكثر مما تستورد منها، وبالتالي تحقق فائضاً تجارياً مع الإمارات أيضاً. بشكل عام، الصين لديها فائض تجاري كبير مع العالم ككل، حيث تجاوز فائض صادراتها على وارداتها أكثر من 1 تريليون دولار في 2025، وذلك بفضل قوة صادراتها الصناعية والسلعية مقارنة بوارداتها.
وتُعد الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا، بفضل وارداتها الكبيرة من النفط الخام السعودي، بينما تستورد السعودية سلعًا مصنعة مثل الإلكترونيات والصلب، بما يتماشى مع رؤية 2030 التي تعتبر مرجعية السياسة التنموية للبلاد. في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي صدّرت الصين 4.1 مليار دولار أمريكي إلى السعودية، بينما استوردت منها 4.77 مليار دولار، طبقا لمنظمة التعاون الاقتصادي. وجاء النفط الخام على رأس الصادرات السعودية للصين (3.93 مليار دولار). أما الصادرات الصينية إلى السعودية فتضمنت الهواتف (339 مليون دولار)، والسيارات (182 مليون دولار)، والمحولات الكهربائية (152 مليون دولار أمريكي). كما سجلت البيانات نموا كبيرا في واردات السعودية من الحديد والصلب الصيني في عام 2024، حيث بلغت قيمة واردات الصين 3.02 مليار دولار أمريكي.

الصين والإمارات

رغم ضخامة قطاع إعادة التصدير في الإمارات الذي من المفترض أن يمنحها قدرة أكبر على التوسع في الأسواق الخارجية، فإن الصين تحافظ على فائض تجاري كبير مع الإمارات، حيث صدّرت، على سبيل المثال، ما قيمته 6.79 مليار دولار بينما استوردت ما قيمته 2.6 مليار دولار في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي. وفي الفترة 2024-2025، عززت الصين مكانتها كأكبر شريك تجاري للإمارات، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 100 مليار دولار. ويتسم هذا التبادل التجاري بعجز كبير بالنسبة للإمارات، إذ تستورد آلات وإلكترونيات عالية القيمة 50 مليار دولار. وربما تكون واردات الإمارات من الآلات والمعدات جزءا من تجارة إعادة التصدير، وليست بغرض سد احتياجات داخلية، فالإمارات تستورد من الصين بمفردها حوالي نصف كل واردات دول الخليج. في المقابل تصدر الإمارات النفط الخام والغاز البترولي والمنتجات البترولية المكررة إلى الصين.
وطبقا لإحصاءات منظمة التجارة العالمية فإن واردات الإمارات من الصين في عام 2024 توزعت بين المعدات الإلكترونية والكهربائية حوالي 35.6 مليار دولار، والآلات 15.3 مليار دولار.
أما صادرات الإمارات إلى الصين فإنها تتركز في منتجات الطاقة، بما في ذلك النفط الخام والمنتجات البترولية المكررة. وفي مجال إمدادات الطاقة وقّعت شركات صينية اتفاقيات طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي المسال مع شركة أدنوك، ما يضمن إمدادات غاز مستقرة للصناعة الصينية. ومع نهاية عام 2025، شهدت صادرات الإمارات إلى الصين انخفاضًا بنسبة 19.5 في المئة على أساس سنوي، بينما استمرت الواردات من الصين في الارتفاع بنسبة 8.3 في المئة، مدفوعةً بزيادة الطلب على السيارات وأشباه الموصلات. وتُعد الصين أكبر مصدر للواردات إلى الإمارات، وفي المقابل تُعد الإمارات سوقًا رئيسيًا للسلع الصينية في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تستحوذ على أكثر من 50 في المئة من إجمالي صادرات الصين إلى المنطقة.

الصين والعراق

تحافظ الصين والعراق على شراكة تجارية قوية تركز على الطاقة، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري الثنائي حوالي 54.2 مليار دولار في عام 2024. وتُعد الصين أكبر شريك تجاري للعراق ومستثمراً رئيسياً فيه، بينما يُعد العراق ثالث أكبر شريك تجاري عربي للصين ومصدراً رئيسياً للنفط الخام. ويغلب على التجارة واردات الطاقة الصينية والاستثمارات في البنية التحتية. وبلغت واردات الصين من العراق ما قيمته 38.237 مليار دولار أمريكي، مدفوعة بشكل أساسي بالنفط الخام (63.8 مليون طن)، أما صادرات الصين إلى العراق فقد بلغت ما قيمته 15.986 مليار دولار. وبذلك فإن العراق حقق فائضا تجاريا بقيمة تتجاوز 22 مليار دولار. وأظهرت بيانات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أن واردات النفط الخام بلغت 2.17 مليار دولار في ذلك الشهر وحده. وقد حققت التجارة المتبادلة بين الدولتين خلال السنوات الخمس الماضية نموا بمعدل سنوي قدره 6.66 في المئة.

الصين ومصر

تتسم التجارة بين الصين ومصر بشراكة كبيرة ومتنامية، لكنها غير متوازنة، حيث تُعدّ الصين مصدرًا رئيسيًا للواردات المصرية. في عام 2024، تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 17 مليار دولار أمريكي، مدفوعًا بشكل كبير بصادرات الصين من الإلكترونيات والآلات والمركبات إلى مصر، بينما تُصدّر مصر بشكل أساسي موارد الطاقة والمنتجات الزراعية. وتشمل الملامح الرئيسية للعلاقات التجارية بين الدولتين ما يلي: اختلال الميزان التجاري، حيث تُعدّ الصين أهم الشركاء التجاريين لمصر. ويساعد تفوق الصادرات الصينية على تحقيق صادرات بالمليارات، في حين لا تصل صادرات مصر إلى الصين عن مليار دولار. على سبيل المثال، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، صدّرت الصين لمصر ما قيمته 2.04 مليار دولار، بينما لم تتجاوز واردات الصين من مصر 77.6 مليون دولار. وتشمل أهم واردات مصر من الصين المعدات الكهربائية والإلكترونية، والآلات، والمفاعلات النووية، والبلاستيك، والمركبات. أما صادرات مصر إلى الصين فإنها تتركز في غاز البترول، خام الحديد، وفوسفات الكالسيوم، وألياف الكتان. وتشير التوقعات إلى أن حجم التجارة الثنائية قد يصل إلى 19.6 مليار دولار بحلول عام 2027. وتتعزز الشراكة بشكل أكبر من خلال مبادرة الطوق والطريق وآليات التعاون المالي الجديدة المحتملة، مثل تسوية المدفوعات بالعملات المحلية.

الصين والجزائر

في عام 2024، كان التبادل التجاري بين الصين والجزائر غير متكافئ بشكل كبير، حيث صدرت الصين ما قيمته 11.7 مليار دولار أمريكي إلى الجزائر، معظمها من معدات الاتصالات (492 مليون دولار)، والمنسوجات (1.47 مليار دولار)، والحديد والصلب، والآلات. في المقابل، بلغت قيمة صادرات الجزائر إلى الصين 800 مليون دولار، سيطر عليها الغاز البترولي (391 مليون دولار). بهذا تُعد الصين مصدرًا رئيسيًا للواردات الجزائرية. ويكشف الميزان التجاري أن الجزائر تعاني من عجز تجاري كبير مع الصين.
وتشمل أهم الصادرات الصينية إلى الجزائر، الهواتف ومعدات الاتصالات في المقدمة، بالإضافة إلى السيارات والشاحنات (545 مليون دولار)، والحديد والصلب (653 مليون دولار)، والحجر والزجاج (212 مليون دولار أمريكي)، والشاي (70.9 مليون دولار)، والغسالات المنزلية (62.8 مليون دولار). أما الصادرات الجزائرية إلى الصين، فإنها تتكون غالبا من الوقود المعدني والنفط ومشتقاته. وشهدت الصين نموًا سريعًا في تصدير منتجات محددة ذات طلب عالٍ إلى الجزائر، بما في ذلك الأسماك المصنعة (113 مليون دولار أمريكي في عام 2024، وهو ارتفاع ملحوظ) والمنسوجات.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية