بعد مرور أكثر من عشرين سنة على رحيله عن حلبات الملاكمة، يعود الملاكم الأسطوري البرنس نسيم حميد الى البروز مجدداً، لكن هذه المرة عبر شاشات السينما في فيلم وثائقي يحمل اسم «العملاق» (جاينت) عن حياته ومسيرته الرياضية، التي ألهمت الملايين خلال عقد التسعينات، حتى ان بطل سلسلة أفلام «جيمس بوند» النجم الهوليوودي الايرلندي الشهير بيرس بروزنان قام بدور مدربه بريندان اينغل، فيما يجسد الممثل أمير المصري شخصية نسيم.
البرنس اليمني الأصل، الذي لطالما افتخر بأصوله وجذوره وعروبته واسلامه، شكل حالة فريدة في عالم الملاكمة البريطانية، فرغم أنه كان بطلاً في وزن الريشة «الأقل شعبية»، الا أنه ألهم الملايين من البريطانيين، خصوصا من ذوي الأصول الأقلية، بفضل أسلوبه الفريد في الترفيه والتشويق واثارة العواطف، فانقسم الجميع الى جماعتين، واحدة تعشقه وتعتبره مثلاً أعلى، والثانية لا تطيقه وتعتبره متكبراً ومتعجرفاً، لكن الأكيد أنه كان مثار اهتمام الكثيرين، حيث كان يملأ استادات ضخمة مثل «ويمبلي» بكل سهولة.
وحقق نسيم عدة ألقاب عالمية في وزن الريشة خلال مسيرته التي امتدت من 1992 إلى 2002، واشتهر بدخوله المذهل إلى الحلبة وتصرفاته الاستعراضية. ويتبع الفيلم صعود نسيم من بداياته المتواضعة، مع التركيز على علاقته الوثيقة بمدربه إينغل الذي توفي في عام 2018، الذي كان يدير صالة رياضية في مدينة شيفيلد حيث ولد نسيم وترعرع. وعندما أرسل والدا نسيم، أبناءهما إلى الصالة لحمايتهم من المتنمرين العنصريين، برز نسيم البالغ سبع سنوات بفضل حركاته السريعة. وأسهمت أساليب التدريب غير التقليدية التي اتبعها إينغل، إلى جانب موهبة البرنس، في وصولهما إلى القمة، لكن النجاح وضع علاقتهما أمام اختبار صعب. ويجسد الأخوان غيث وعلي صالح شخصية حميد في طفولته، بينما يؤدي أمير المصري الدور في مرحلة ذروة مسيرته. وأمضى المصري أربعة أسابيع في التحضير، حيث تدرب 12 ساعة يوميا، وخسر ثمانية كيلوغرامات من وزنه، وشاهد لقطات أرشيفية لصقل حركات حميد وأسلوبه الجريء. وقال المصري: «تجسيد شخصية بحجم حميد كان تحديا هائلا. كان أحد أبطال طفولتي». وأنتج الفيلم النجم العالمي سيلفستر ستالون، فيما كتبه وأخرجه روان أتال، الذي قال: «كان إينغل وحميد لامعين في مجالهما، لذا أردت أن أمنحهما فرصة متساوية». وحضر نسيم، البالغ حالياً 51 عاما، العرض الأول في لندن لكنه لم يشارك في إنتاج الفيلم، وقال: «لأكن صادقا، هذه ليست قصة عني. إنه فيلم عن الملاكم ومدربه. لم أشارك فيه على الإطلاق، لذا فهو يحتوي على بعض الأجزاء الجيدة وبعض الأجزاء السيئة» مضيفا أنه يخطط لإنتاج سلسلة وثائقية عن حياته بالتعاون مع الممثل مارك وولبيرغ.
وكان عقد التسعينات مثيراً وصاخباً في عالم الملاكمة، وحتى للذين لم يعشقوا لعبة الفن النبيل، أو رياضة الملوك، فانهم عشقوا هذا العقد من الزمن بفضل بروز البرنس، الذي جذب اهتمام مئات الآلاف ليس فقط من المعجبين الانكليز، بل الملايين من العرب، حيث كان في ذلك الوقت يلقب بـ«فخر العرب» الأصلي، قبل عقود من نجم كرة القدم المصري محمد صلاح.
نسيم ما زال الى اليوم يعتبر اسطورة الملاكمة البريطانية، وأحد أعظم ملاكميها على الاطلاق، وهو الذي أعطى لهذا الوزن (الريشة) الرونق والأهمية، على عكس المعتاد، حيث احتكر الوزن الثقيل كل الاهتمام العالمي ببروز أساطير على غرار محمد علي ومايك تايسون. ومنذ فبراير/شباط 1992 عندما لاكم في مباراته الاولى في مسيرته وحتى النزال الاخير في 18 مايو/ايار 2002 حقق نسيم 35 انتصارا منها 31 بالضربة القاضية، وتعرض لهزيمة وحيدة، جاءت في ظروف غريبة. لكن أسلوبه الساحر الذي عكسته مراسيم دخوله الحلبات، وتلاوته للآيات القرآنية، وفخره الشديد بعروبته، كان دائماً ما يميز منازلاته، حتى أن شعبيته انتقلت الى الولايات المتحدة، والتي فيها صنع أسطورته عندما تغلب على الامريكي العنيد كيفن كيلي في نهاية العام 1997 في نزال ظل عالقاً في الأذهان فترات طويلة. «ناز» حمل كل ألقاب وزنه، واحتفظ بحزام المنظمة العالمية للملاكمة لست سنوات. وفي 7 ابريل/نيسان 2001 تعرض لخسارة غير متوقعة أمام المكسيكي ماركو أنتونيو باريرا بالنقاط، وكانت الاولى والاخيرة في مسيرته البراقة، ليخسر معها الرهان مع نفسه، بعدما كان دائماً يردد «لن أهزم أبداً… خلقت لأفوز» وبعدها بعام لعب نزاله الأخير قبل ان يغيب عن الساحة والأضواء وهو في الـ28 من عمره.
لمن يتذكر تلك الحقبة الذهبية للبرنس نسيم، والتي قادت قناة «أم بي سي» الى رعياته وشراء حقوق نقل مبارياته ونزالاته بمبالغ كبيرة، فانه يتمناها أن تعود بنجم عربي جديد يخترق فيها حواجز النجومية العالمية، ويصبح من أساطير اللعبة، ويبقى خالداً في عقول وقلوب الجماهير، على غرار فتى عاش مع أسرته اليمنية الكبيرة في شقة فوق بقالة والده، وصولاً الى وصفه بـ«العملاق» على الشاشات الكبيرة.