الانتخابات العراقية… أكذوبة الكتلة الأكبر

يشكّل مفهوم «الكتلة الأكبر» في العراق واحدة من أكثر القضايا السياسية التي شوّهت فكرة الانتخابات ومعنى التداول الديمقراطي منذ عام 2010. فالمصطلح الذي يبدو في الدستور واضحا وبسيطا ـ الكتلة التي تفرزها صناديق الاقتراع وتضم أكبر عدد من النواب وتتولى ترشيح رئيس الوزراء ـ تحوّل عمليا إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة عبر تحالفات ما بعد الاقتراع، لا عبر إرادة الناخبين لحظة التصويت. ومن هنا بدأت أكذوبة الكتلة الأكبر وتحوّلت إلى قاعدة راسخة في الحياة السياسية العراقية.
كانت انتخابات 2010 حدثا مفصليا في هذا المسار. فقد فازت القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي بالمرتبة الأولى، وحصدت واحدا وتسعين مقعدا، مقابل تسعة وثمانين لائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي. وفقا للمنطق الانتخابي البديهي، كان يُفترض أن تتولى القائمة الفائزة حق تشكيل الحكومة. لكن تفسير المحكمة الاتحادية لمفهوم الكتلة الأكبر، بدّل المعادلة بالكامل، إذ قضت بأن الكتلة الأكبر هي تلك التي تُشكّل داخل البرلمان بعد إعلان النتائج، لا التي تفوز بأكبر عدد من المقاعد يوم الاقتراع. وهكذا تحوّل المسار من احترام النتائج إلى إعادة تجميعها، ومن منح الفائز حق التكليف إلى منح الأقوى في صناعة التحالفات ما بعد الانتخابات هذا الحق، ما أتاح للمالكي تشكيل كتلة جديدة تحت قبة البرلمان، وانتزاع التكليف من الفائز الأول.
لم يكن الحكم مجرد تفسير قانوني عابر، بل بداية تشوّه بنيوي في العملية السياسية، فالقرار أثار غضب القائمة العراقية وقطاعات واسعة من الشارع السنّي والكردي، وعدّته محاولة للالتفاف على نتائج الاقتراع وترسيخ هيمنة قوى الاسلام السياسي الشيعية الحاكمة. ومع الزمن، تحوّل التفسير إلى سابقة قضائية تسمح بإعادة خلق «فائز» جديد بعد إغلاق صناديق الاقتراع، ما أضعف الثقة بالانتخابات نفسها، ورسّخ الانطباع بأن الصناديق ليست سوى محطة شكلية قبل الدخول في مفاوضات في الغرف المغلقة، تقرّر مصير السلطة بعيدا عن إرادة الناخبين. ومنذ ذلك الحين، أصبح السؤال الحقيقي في كل انتخابات عراقية ليس: من فاز؟ بل: من يستطيع أن يصنع الكتلة الأكبر داخل البرلمان؟ وفي كل دورة، تكرر المشهد ذاته؛ تتقدّم كتلة في النتائج، لكنها لا تحصل على حق تشكيل الحكومة إلا بالقدر الذي تنجح عبره في بناء تحالفات تتجاوز أحيانا هويتها السياسية والبرنامجية، وحتى قواعدها الانتخابية. وفي المقابل، لا يجد الخاسرون ما يمنعهم من قلب الموازين عبر اتفاقات سرية بعد إعلان النتائج. وهكذا تتحول العملية الانتخابية إلى مقدمة تفاوضية، لا إلى آلية حاسمة لاختيار السلطة.

حكومة تتشكل وفق اتفاقات فوقية، ورئيس وزراء يتحرك ضمن مساحة ضيقة، وديمقراطية تبدو في ظاهرها انتخابية، لكنها عمليا تُدار من خارج صناديق الاقتراع

أدى هذا الواقع إلى سلسلة من الأزمات السياسية المزمنة، فقد طالت مفاوضات تشكيل الحكومات، وتعمقت الانقسامات الطائفية، وتكاثفت الشكوك حول حياد القضاء وقدرته على حماية روح الدستور. كما تكرّست ثقافة المحاصصة باعتبارها الطريق الوحيد لتأمين الاستقرار السياسي، فيما بقيت نتائج الانتخابات مجرّد مؤشر أولي لا يعكس بالضرورة شكل الحكومة المقبلة. وفي كل محطة، كان المواطن العراقي يخرج بانطباع أعمق بأن صوته لا يكفي لصناعة التغيير، وأن اللعبة تُدار خارج الصندوق لا داخله. تجلّى هذا المسار بوضوح بعد كل انتخابات لاحقة، بما في ذلك انتخابات 2014 و2018 و2021. ففي كل مرة تُعلن المفوضية النتائج، يسود الاعتقاد بأن الفائز لن يكون بالضرورة هو المكلّف بتشكيل الحكومة. وتبدأ جولات مفاوضات معقدة بين القوى الشيعية من جهة، والقوى الكردية والسنّية من جهة أخرى، لتشكيل كتلة أكبر قادرة على حصد التكليف وتوزيع الرئاسات الثلاث وفق التفاهمات ذاتها. وهكذا يصبح المسار السياسي محكوما بإرادة غرف المشاورات المغلقة، لا بإرادة ملايين الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم أملا في التغيير.
إن هذه المفارقة بين النص الدستوري والتطبيق السياسي ليست مجرد خلل تقني، بل أزمة شرعية عميقة، فالديمقراطية في جوهرها تقوم على أن يكون لصوت الناخب وزن حقيقي في اختيار السلطة، لا أن يتحول إلى خطوة رمزية تُستكمل لاحقا بتحالفات تنسف معنى الفوز والخسارة. وفي ظل استمرار تفسير «الكتلة الأكبر» بصيغته الحالية، ستظل الانتخابات مجرد طقس سياسي لا يضمن التداول الفعلي للسلطة، وستبقى النتائج قابلة للمساومة بعد إعلانها.
في الانتخابات العراقية الأخيرة تكررت المعضلة الدستورية التي كشفت عن استمرار المأزق ذاته، الذي لازم البلاد منذ خمسة عشر عاما؛ إذ لم تُحدث نتائج الاقتراع أي تحول في القاعدة السياسية التي رسّختها سابقة 2010. فالفائزون بالمقاعد لن يكونوا بالضرورة أصحاب القرار في مسار تشكيل الحكومة، بل بقيت موازين القوى محكومة بترتيبات ما بعد الانتخابات التي تدور داخل الأطر الحزبية الضيقة. وفي الوقت الذي أفرزت فيه النتائج تقدما نسبيا لبعض القوى الساعية إلى كسر احتكار التمثيل الشيعي التقليدي، فإن المعادلة لم تتغير فعليا. اليوم تحاول القوى الشيعية، كما جرى في دورات سابقة، فرض ثقلها عبر جمع أطراف متعددة تحت مظلة تكتل يفرض قوته على الفرقاء، ليتم تحوّل مركز القرار الحقيقي، الذي يحدد شكل الحكومة، بعيدا عن المنطق الانتخابي المباشر. وتظهر متابعة النقاشات السياسية في الساحة الإعلامية، أن القوى المهيمنة تعاملت مع النتائج باعتبارها بداية المفاوضات لا نهايتها، وأن سؤال «من الفائز؟» بقي أقل أهمية من سؤال «من سينجح في تجميع كتلته الأكبر داخل البرلمان؟». وهو ما يعني أن العملية السياسية، رغم الوعود المتكررة بالإصلاح، عادت إلى قواعدها القديمة التي تعدّ التحالفات المغلقة بديلا عن الإرادة الشعبية، وتمنح الفاعلين التقليديين القدرة على إعادة إنتاج السلطة حتى في مواجهة نتائج انتخابية قد لا تكون لصالحهم. وفي قلب هذا المشهد، برز موقف محمد شياع السوداني بوصفه نتاجا مباشرا لهذه البيئة السياسية المعقدة، فالسوداني الذي جاء أصلا من رحم التفاهمات بين قوى الإطار التنسيقي في انتخابات 2021، وجد نفسه اليوم مطالبا بالظهور كمرشح توافقي يحافظ على دعم الكتلة التي جاءت به، وفي الوقت نفسه يقدّم صورة لرئيس وزراء قادر على إدارة الدولة بقدر من الاستقلالية. غير أن واقع المشهد السياسي كما يوضحه الإعلام العراقي، يضع السوداني في موقع شديد الحساسية؛ فهو لا يستطيع مغادرة المظلّة التي أوصلته إلى السلطة، ولا يبدو في الوقت ذاته قادرا على تبني رؤية مختلفة عن المنظومة، التي تقوم أصلا على مبدأ الكتلة الأكبر بصيغتها التي تتجاوز نتائج الاقتراع، مع هذا التوازن المضطرب يصبح مستقبل السوداني السياسي مرتبطا ببقاء معادلة الكتلة الأكبر كما هي، لا برغبة الناخبين في التغيير، وبذلك يكون حظه بولاية ثانية قليل جدا نتيجة تكتل القوى الشيعية الذي يقوده المالكي، والذي يعمل على حرمان السوداني من ولاية ثانية. وهذا الأمر يعيد إنتاج الإشكالية الأساسية: حكومة تتشكل وفق اتفاقات فوقية، ورئيس وزراء يتحرك ضمن مساحة ضيقة، وديمقراطية تبدو في ظاهرها انتخابية، لكنها عمليا تُدار من خارج صناديق الاقتراع.
لقد مرّ أكثر من عقد ونصف على لحظة تحريف مفهوم الكتلة الأكبر دستورياَ، وإذا كان العراق يسعى فعلا إلى بناء نظام ديمقراطي مستقر، فلا بد من إعادة الاعتبار لفكرة أن الاقتراع هو لحظة الحسم، وأن تشكيل الحكومة يجب أن يُمنح لمن نال ثقة الناخبين أولا، لا لمن ينجح في جمع التواقيع عبر الصفقات المريبة في الغرف المغلقة، ما لم يحدث ذلك، ستظل «الكتلة الأكبر» عنوانا لأزمة دائمة، ورمزا لفجوة متسعة بين المجتمع والسلطة، ومرآة لخلل سياسي يعرقل كل محاولة إصلاح.

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية