الاقتصاد العراقي: الارتجال والشعبوية!

في قانون الموازنة الاتحادية لعام 2015، فرضت ضريبة مبيعات بنسبة 20٪ على كارتات شحن الهاتف النقال، وجاء هذا الإجراء في سياق محاولة حكومة السيد حيدر العبادي مواجهة الأزمة الاقتصادية حينها، لكن حكومة السيد محمد شياع السوداني صوتت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، وبعد تسلمها مهامها بأقل من شهر (أدت الحكومة اليمين الدستورية يوم 27 تشرين الاول/ أكتوبر 2022) على إلغاء هذه الضريبة، يومها سوغ رئيس مجلس الوزراء هذا القرار بأن هذه الضريبة «أرهقت المواطن، خصوصاً الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل»، وأن إلغاءها «جزء من إجراءات الحكومة للتخفيف عن كاهل المواطنين في ظل ارتفاع التضخم، وصعوبة الأوضاع المعيشية»!
بعد ثلاث سنوات صوتت الحكومة نفسها، وفي جلستها يوم 16 كانون الأول/ ديسمبر 2025، على إعادة ضريبة المبيعات تلك من دون أي تعليق عن إرهاق المواطن هذه المرة!
في 2020 أصدر محافظ البنك المركزي العراقي الدكتور علي العلاق تقريرا بعنوان: «تخفيض سعر صرف الدينار العراقي: المحددات والبدائل»، انتهى إلى أن خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي سيؤثر على «القدرة الشرائية للفئات الواسعة التي تعتمد دخولا محددة «، ومن ثم فإن «تخفيض قيمة الدينار العراقي في الوقت الحاضر لا يبدو ضرورة ملحة». بعد أقل من ثلاثة أشهر على نشر هذا التقرير، قرر البنك المركزي العراقي، بضغط من الحكومة العراقية/ وزارة المالية التي لا تملك أي صلاحية دستورية أو قانونية لذلك (يومها صرح محافظ البنك المركزي بأن تحديد سعر الصرف كان بطلب من وزارة المالية) خفض قيمة الدينار العراقي بما يزيد عن 21.8٪ (من 1180 إلى 1450 مقابل الدولار الامريكي)!
لكن البنك المركزي العراقي، وبضغط من الحكومة/ وزارة المالية، أصدر قرارا في تموز/ يوليو 2023 برفع سعر صرف الدينار العراقي إلى 1320 دينار مقابل الدولار، وذلك من أجل تخفيف آثار ذلك على المواطنين ومختلف القطاعات الاقتصادية! والجميع يعلم اليوم أن أي حكومة جديدة ستضغط مرة أخرى على البنك المركزي العراقي، والذي يفترض أنه مستقل ولا يتلقى أوامر من الحكومة، في اتجاه خفض سعر الصرف مرة أخرى، ربما إلى ما يزيد عن قيمة الخفض في حكومة السيد الكاظمي، لمواجهة الأزمة الاقتصادية الحادة التي يمر بها العراق اليوم، والتي يمكن أن تكون كارثية إذا ما انخفضت أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارا للبرميل!
هذه المقدمة ضرورية لمعرفة طبيعة الارتجال والشعبوية اللذين يدار بهما الاقتصاد العراقي، واللذين تجعل القرارات الاقتصادية خاضعة للاشتراطات السياسية بشكل كامل؛ فمن يعود إلى البرنامج الحكومي لحكومة السيد محمد شياع السوداني، سيجد أنه تحدث عن «وضع هدف لتخفيض نسبة الاعتماد على الإيرادات النفطية لتمويل موازنة الدولة خلال ثلاث سنوات الى (80٪) من خلال تنويع وتعظيم الإيرادات غير النفطية». لكن القرار الشعبوي بإلغاء ضريبة المبيعات على كارتات الهاتف المحمول كان مناقضا بشكل كامل لهذا الهدف، ولا يمكن التعامل مع قرار إعادة هذه الضريبة مرة أخرى إلا بأنه قرار ارتجالي آخر جاء لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تواجه الحكومة بسبب إنفاقها العام المفرط وغير المسبوق (وفقا لأرقام البنك المركزي فقد سجل الإنفاق العام عام 2023 زيادة نسبتها 35.8٪ عن العام الذي سبقه)!

اقتصاد الدول إنما يكون نتاج سياسات متوسطة وطويلة المدى، وليس نتاج قرارات ارتجالية وشعبوية للتغطية على سياسات الانفاق المرتجلة والشعبوية

بالعودة مرة أخرى إلى البرنامج الحكومي لحكومة السيد السوداني، سنجد فقرة تتحدث عن»ضغط الدين العام الى أدنى حد ممكن»، وأخرى عن «إصلاح النظام الضريبي والجمركي وضبط المنافذ الحدودية». لكن مراجعة الأرقام تكشف عن نقيض ذلك تماما؛ فالدين العام ارتفع خلال السنوات الماضية بشكل واضح، تحديدا فيما يتعلق بالدين الداخلي الذي ارتفع بنسبة تقارب 62٪ عما كان عليه لحظة استلام الحكومة لأعمالها نهاية العام 2022 (من 42.4 مليار دولار إلى 68.9 مليار دولار)!
في المقابل، لم نر أي إصلاح حقيقي فيما يتعلق بالنظام الضريبي والجمركي أو ضبط المنافذ الحدودية؛ فبالعودة إلى الأرقام سنجد أن إيرادات هيئة الجمارك المتحققة عام 2023 قد بلغت ما يقارب 1 ترليون و33 مليار دينار عراقي، أي ما يقارب مليار دولار فقط، في حين بلغ حجم الاستيراد في السنة نفسها 65 مليار دولار. وكما هو واضح فإن أرقام الجمارك المتحققة تبدو ضئيلة جدا، ولا تزيد على 1.5٪ من قيمة الواردات! في حين أعلنت هيئة الجمارك أن إيرادات الهيئة المتحققة شكلت زيادة مقدارها (28٪) مقارنة بالعام 2032، إلا أنها لم تقل إن هذه الزيادة مرتبطة بزيادة حجم الاستيراد الذي سجل نموا في تلك السنة بنسبة 19.3٪ وفقا لأرقام دائرة الإحصاء والأبحاث في البنك المركزي العراقي.
أما في العام 2024، ورغم الاتفاقية الموقعة في أيار 2021 مع منظمة الأونوكتاد (منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) لتمويل وإنشاء نظام الأونوكتاد الآلي للبيانات الجمركية ASYCUDA لغرض إصلاح وأتمتة عمليات التخليص الجمركي في العراق، حيث كان الجميع يتأمل زيادة واردات الهيئة، فإن الأرقام تكشف ارتفاعا في الإيرادات إلى 2 تريليون دينار، أي ما يقارب 1.5 مليار دولار، فيما بلغ حجم الواردات في السنة نفسها 87 مليار دولار، وهذا يعني أن الايرادات المتحققة لم تزد نسبتها عن 2.2٪ وهي زيادة ضئيلة جدا!
إن هذه الأرقام تعني، عمليا، أن نظام الأتمتة لعمليات التخليص الجمركي ASYCUDA، لم يحقق المرجو منه لأن واردات الهيئة بقيت متدنية جدا بالقياس إلى حجم الاستيراد، ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة، منها عدم إنفاذ قانون التعريفة الجمركية رقم 22 لسنة 2010 (الذي نظم عملية استيفاء الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة) والفساد في عمليات التخليص الجمركي، والتحايل على عمليات تهريب العملة وغسيل الأموال من خلال بضائع وهمية وغير حقيقية وتضخيم الفواتير، والإعفاءات الاستثنائية المرتبطة بالبنية اللصوصية والزبائنية للدولة العراقية!
اليوم مع بداية عام 2026، يتفاجأ الجميع بقرار العمل على تطبيق قانون التعريفة الجمركية الذي ركن على الرف على مدى 15 عاما، وكعادة الإدارة في العراق، لم يكن الأمر مرتبطا بإعادة هيكلة أو إصلاح النظام الضريبي والجمركي وضبط المنافذ الحدودية، بقدر ما هو استجابة للأزمة المالية ونقص السيولة الحاد الذي تعاني منه الحكومة، والذي جعلتها عاجزة على تمويل الرواتب الخاصة بالموظفين العموميين!
إن اقتصاد الدول إنما يكون نتاج سياسات متوسطة وطويلة المدى، وليس نتاج قرارات ارتجالية وشعبوية للتغطية على سياسات الانفاق المرتجلة والشعبوية!

كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية