الاستثناء المغربي

كل أضواء الرياضيين، فاعلين ومراقبين، مسلطة حالياً على كأس افريقيا للأمم، التي تنظمها المملكة المغربية للمرة الثانية في تاريخها. وتأتي المناسبة هنا ليس مجرد تكريس لتجربة في تنظيم التظاهرات الدولية، واحتضان الأحداث العالمية، لكنها تجسيد لدبلوماسية فاعلة.
بكل تأكيد، ستختلف التجربة المغربية عن التجربة القطرية في استقبال كأس العالم المقبلة من زوايا عدة، لوجيستية، سياسية واجتماعية أيضا، لكن هذه الفعاليات مجتمعة باتت تجسد لدى عدة دول عربية إرادة سياسية في تفعيل مقاصد جيوستراتيجية، تعبر كل على حدة عن خط دبلوماسي متكامل، سياسيا بالمعنى السامي للسياسة، عبر تكريس نمط وصورة يلتقطها مواطن العالم بسهولة، ويتفاعل معها، واقتصاديا عبر توجه تقليدي قائم على ضمان شركاء وممولين، وأيضا عبر خلق بيئة حاضنة لفرص عمل مضمونة، وقابلة للتطور، واجتماعيا عبر مناسبات تستقطب الجماهير، رياضيا كما أسلفنا، أو في مجال الدبلوماسية الثقافية – ويجدر بنا هنا الحديث عن المعارض، مثل معرض الدار البيضاء للكتاب.
الجيوستراتيجية، مفهوم غالبا ما لا نتناوله بقدر من الكفاية، فلا مجرد القوة الناعمة تحركه ولا مجرد الاستثمارات الاقتصادية، ولا مجرد العلاقات الدولية،
بل كل هذه العوامل مجتمعة. وهنا تكمن المسألة، فالجيوستراتيجية تموقع، توجه ثم مكانة. تموقع أولا، كما تفيده بكل البساطة البادئة الإغريقية «جيو»، أي الأرض. كل بلد يسعى للعب ورقته الجيوسياسية، أي فرض موقعه في مسرح العلاقات الدولية، عبر تحديد جيوغرافي وإقليمي تقرأ سطور دبلوماسيته بوضوح. في حالة المغرب، نصرة العدالة الدولية عبر نهج الوسطية في العمل الدبلوماسي.

تختصر ترجمة الجمع الحتمي بين العولمة والحداثة إلى جمع مختار بين الأصالة والمعاصرة، طريقا سالكا إلى استثناء متوسطي يشهده التاريخ. إنه الاستثناء المغربي

ينجر عن هذه المقاربة الوسطية، تموقع يجعل المراقب يميز أثر الموقع الجغرافي – حوض المتوسط في نموذجنا – والقوة المؤثرة التي تتشكل من طبقات تاريخ حولت بلدا إلى ملتقى للأمم، يكرسه عصر الحداثة عبر مدينة طنجة، مدينة دولية استمدت من تدويلها انخراطا في المبادلات العالمية حول منطقتها الحرة، إلى مركز إقليمي لاقتصاد المعرفة. من التموقع يولد التوجه، وهو، في سياق العلاقات الدولية، ما يدفع بالبلدان إلى التمركز في خريطة النمو (دول نامية) والصعود (دول صاعدة). هنا، أصبح من اللازم أن نعيد النظر في استعمالاتنا المعتادة لهذه المفاهيم، على ضوء تطورات فرضها تموقع دول في السياق الجديد الذي خلقته العولمة. من بين هذه الدول، دول عربية، وهنا لا نتحدث عن مجرد دول منطقة الخليج، لكن أيضا عن التجربة المغربية الفريدة، ما الذي مكن المغرب من تسنم مراتب لافتة في هذا السياق الجديد؟ أساسا استعداد مسبق لمواجهة تحديات عالمية جديدة، هذا الاستعداد، خدمه عنصران متلازمان: الانفتاح والوسطية. ولئن كانت التحديات جديدة نسبيا بمفعول ترسخها في المنافسة التكنولوجية العالمية، فقد تعاقبت أيضا سلسلة من العوامل، جعلت من المغرب ملتقى رهانات تحول إلى أداة استراتيجية لأخذ القرارات المصيرية عبر مقاربة للثقافة والعلوم والفنون، محكومة بالرؤية النقدية بالمعنى الأصلي للكلمة، أي الحكم الذي يعرف كيف يفرق بين الجوهري والعرضي، بعبارة أخرى، بين ما يحتاجه بلد من بنى تحتية وقطاعية وأيضا فكرية لكي يتقدم، وما يجب إقصاؤه في المقابل من خيارات حتى لا يقع في فخ الانعزال والانطواء، الذي دائما يشكل بداية للمزايدات الأيديولوجية ومنطلقا للسلوكيات المتطرفة .
بكل تأكيد، يوجد استثناء ثقافي مغربي، كما يوجد استثناء ثقافي فرنسي، وفي الحالة الفرنسية العبارة معروفة إن لم نقل مستهلكة، لكن الاستثناء الثقافي، بمعناه الإجرائي، أي جملة السلوكيات التي تحددها رؤية خاصة للثقافة، يجب أن تصبح متداولة في المقاربات التي تتناول مكانة المغرب على الساحة الدولية. نعم.. المكانة، فبعد التموقع والتوجه، وصلنا إلى ثالث محدد للتعامل الجيوستراتيجي. لقد وجه انخراط المملكة المغربية في المنظومة الفرنكوفونية بحكم تاريخها، مجموعة من خياراتها التي حددت استراتيجية تعامل مع الواقع، على ضوء براغماتية سياسية، مكنتها من تحقيق سلسلة من النجاحات حيث فشل كثيرون. يتمثل ذلك أساسا في طبيعة الحداثة التي اختارها المغرب. هنا، يختصر مفهوما الأصالة والمعاصرة (اللذان وقعت تسميتهما عنوانا لحزب سياسي رئيسي) المنحى الذي رسم ملامح الحداثة المغربية، تلك التي تجمع من جهة بين الزنقة والدوار والقيسارية (بنية مقنطرة للسوق تتضمن متاجر ذات جدران متوازية) وفنجان القهوة وعربة بائع الحوت، والرياض والدكان من جهة، ومن جهة أخرى، الترام والطرق السيارة والمدارس العليا وجامعة متعددة التخصصات التقنية، ومراكز تجارية ممثلة للعلامات التجارية الرئيسية، وقطاع جوي ومصرفي رائد (الخطوط الملكية المغربية)  (والبنك التجاري وفا).. كل هذه الأمثلة، كما تفيد العبارة، على سبيل المثال، لا الحصر.
أجل، تختصر ترجمة الجمع الحتمي بين العولمة والحداثة إلى جمع مختار بين الأصالة والمعاصرة، طريقا سالكا إلى استثناء متوسطي يشهده التاريخ. إنه الاستثناء المغربي.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية