الابتزاز والنقد: مَنْ هم «الناس»؟

ترد كلمة «الناس»، في نقاشات الشأن العام الحالية، بطريقة يمكن وصفها بالغريبة وغير المفهومة، إذ دائماً نرى متحدّثاً يحاول برهنة طرحه، بالتأكيد على هموم أو رأي أو معاناة «الناس»، وكأن هذا اللفظ يشير إلى كتلة متسقة ذات روح واحدة. إضافةً لادعائين، لا يمكن فهم مصدرهما، أولهما أن المتحدث يستطيع أن يعرف بالضبط ما يعتقده ويريده ويعاني منه «الناس»؛ وثانيهما أن ما يعتقده «الناس» صحيح ومُحِق، ويستحق التعاطف، وواجب الاتباع، لمجرّد أنهم «الناس».
غرابة استخدام المفردة تأتي من أنه لا يتسق مع أي مفهوم معروف في العلوم السياسة، ولا حتى مع الاستخدام العربي التراثي لها. نجد مثلاً في النص القرآني، الآية 173 من سورة «آل عمران»، استخداماً لافتاً جداً لكلمة «ناس»: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». ترد كلمة «الناس» هنا مرتين، وهي تشير إلى صنفين مختلفين من «الناس»، تربطهم علاقة معقدة. في تفسير الطبري مثلاً، تُستخدم عبارتا «الناس الأول، والناس الثاني»، لتفسير الآية، التي لا تتحدث فعلياً عن صنفين فقط من «الناس»، بل عن ثلاثة: «الناس الأول»، الذين نقلوا نوعاً من التحذير أو التهديد، وحاولوا تثبيط عزيمة مَنْ يخاطبونهم؛ و»الناس الثاني»، وهم المشركون، الذين يستعدون لقتال المسلمين؛ وأيضاً «ناس ثالث»، هم جماعة المؤمنين، ويُشار إليهم في بداية الآية بـ»الذين»، وقد رفضوا الخضوع للتهديد، ولم يزدهم إلا إيماناً. وعموماً وردت كلمة «الناس» عشرات المرات في النص القرآني، وهو مؤسِّس في اللغة العربية، في سياقات متعددة، وبمعانٍ مختلفة، فقد تشير إلى القلّة والكثرة، الإيمان والكفر، البعض والكل، التخصيص والتعميم، ما يؤكد أن اللفظ يحوي بذاته دلالات التعدد والاختلاف والنزاع، ولا يمكن أن يعني مجموعة أحادية، ذات توجه سياسي أو اجتماعي أو معتقدي واحد.
قد يبدو الحديث عن هذا نوعاً من توضيح البديهيات، فمن أين جاء الاستخدام الحالي لمفردة «الناس» إذن؟
إذا نظرنا إلى السمات التي تُسبغ على «الناس»، في ذلك النوع من الخطاب، فسنرى افتراضاً بأنهم فقراء، ويعانون، ويتعرّضون لاستغلال أو قمع أو فوقية، ويمتلكون نوعاً من «الفطرة السليمة»، التي لا يجوز معارضتها، وبالتالي فغالباً المقصود بالمفردة ما كان يسمى «الجماهير» أو «الشعب» في الخطابات القومية لعصر التحرر الوطني، ولكن تم تخفيف طابع المفردتين، ربما بشكل غير واعٍ، نظراً لتقادم تلك الخطابات، والنفور منها بين قطاعات واسعة، فصار الحديث عن «الناس» أكثر ألفة، وأقلّ صراحةً أيديولوجية.
فضلاً عن هذا فإن مقولة «الناس»، الذين يتمتعون بـ»ثقافة طبيعية» على ما يبدو، وفق ذاك النوع من الخطابات، وعلى ما في العبارة من تناقض، تميل إلى التنزيه، بمعنى أن نقد أي ظاهرة اجتماعية وثقافية، والاعتراض عليها، يصبح اعتداءً، أو فوقية، على «الناس»، كلهم. وبالطبع لا يمكننا أن نرفض ما يريده «الكل»، الذي لا بد أن ما يشعر به ويريده منزّه عن التشكيك والنقد، تحت طائلة وصم الناقد بالعنصرية. وهذا يساهم بجعل كثير من الظواهر، التي تنتجها أو تستفيد منها أكثر القوى محافظةً، أو حتى همجيّةً، فوق النقاش. مجدداً، نحن أمام نمط من الاحتيال الخطابي، الذي يصل إلى درجة الابتزاز، ولكن ما دوافع هذا الابتزاز حقاً؟ هل هو مجرد خطأ فكري، أو قبول بـ»أمر واقع» لا رادَّ له، أم أنه يعبّر عن أيديولوجيا أكثر تعقيداً؟

ما بعد «الجماهير»

على الرغم من أن مفردة «الناس» قد تملأ الفراغ الذي خلّفته مفردة «جماهير»، وتخففها، إلا أنها تحمل أيضاً دلالة أيديولوجية مستحدثة، أو بالأصح تحويراً أيديولوجياً: «الجماهير» موجود سياسي واضح، بمعنى أنها ائتلاف من فئات متعددة، يجمعها نمط من الوطنية، ومواقع اجتماعية متقاربة، ومصالح مشتركة، وتجد تمثيلها في قوة سياسية، أو دولة، تستقي شرعيتها من تلك «الجماهير»، وتحقيق تطلعاتها. وعلى الرغم من أن «الجماهير» تمتلك «فطرة سليمة»، وثقافة أصيلة»، إلا أنهما بحاجة دائماً إلى تشذيب وتطهير، مما علق بهما من «شوائب استعمارية»، أو «عادات وتقاليد بالية»، أو «خرافات». وتقوم «القوى التقدمية»، أي الجماعة أو الحزب القائد، أو أجهزة الدولة الأيديولوجية الأساسية، بعملية التشذيب والتطهير تلك، لتصل إلى «ثقافة جماهيرية» جيدة ونقيّة، تعبّر عن الجوهر الحقيقي للجماهير، الذي يمكن، على ما يبدو، أن تنساه أحياناً.
أما «الناس»، فهي مقولة تدّعي أنها مفارقة للسياسة والأيديولوجيا، فحضور «الناس»، وهمومهم وثقافتهم، يبدو أمراً بديهياً جداً، لا يجوز التدخّل به، ما يجعل «الناس» أقرب لـ»سكان أصليين»، أو جماعات إثنية مرتبطة ببيئة وأرض ما، وتجمعها علاقات عضوية. الاحتيال الخطابي هنا يقوم على أن المشار إليه بالمفردة هو كتل سكانية بالغة التعدد، تعرّضت لموجات متلاحقة من التحديث، منذ حوالي قرنين من الزمن، على يد دول متعاقبة، ما أدى إلى إعادة إنتاجها، وإنتاج علاقاتها الاجتماعية، أكثر من مرة، بالعلاقة مع الدولة التي تعيش فيها، والدول المجاورة، والتأثيرات العالمية؛ فضلاً عن أنها منقسمة بشدة، وخاضت صراعات اجتماعية داخلية، تصل إلى درجة التطهير العرقي والإبادة الجماعية. هدف الاحتيال هنا على ما يبدو، هو التعمية على كل ذلك التاريخ والعلاقات والأيديولوجيات، وفعل القوى السياسية والدول، ليصبح «الناس» أصحاب «حس سليم» عفوي، فوق تاريخي، والأدهى أنه واحد وأحادي.
تعادي مقولة «الناس» التحليل والنقد، وأي نشاط ذهني مركّب، بشكل مبدئي، فهو بالنسبة لها رفض لثقافة الناس، وعدم اندماج بهم (دون تفسير لضرورة هذا الاندماج، أو برهنة على أخلاقيته)، وهي بذلك أكثر قمعية وإلغائية من مقولة «الجماهير»، لأن الأخيرة تقوم بعرض أيديولوجي وتاريخي متكامل ومتسق، قابل نظرياً للنقاش، لتأكيد أحقّيتها السياسية، فيما مقولة «الناس» تقمع وتلغي عبر الابتزاز الأخلاقي والثقافي فقط. يمكن تتبع جذور انتقالنا من «الجماهير» إلى «الناس»، بعد انهيار خطابات التحرر الوطني الكلاسيكية، من خلال ملاحظة تقدّم أيديولوجيات، كانت في زمنها تعتبر جديدة (وما يزال البعض يصفها بذلك، رغم تقادمها، ومرور عقود على ظهورها وتجاوزها نقدياً) مثل «اليسار الجديد»؛ «الدراسات ما بعد الكولونيالية»؛ وصولاً إلى تقليعة «نزع الاستعمار»، التي باتت «صناعة» في المؤسسات الثقافية الغربية، حسب تعبير الباحث النيجيري أوليفيمي تايوو، وأنشأت نخبها وامتيازاتها الخاصة. وكان لهذا تأثيره بالتأكيد على منطقتنا، خاصة مع انتشار «المنظمات غير الحكومية»، التي روّجت لذلك الفكر، وموّلته، لأسباب معقّدة. ورغم التراجع الواضح لتلك الأيديولوجيات، ومصادرها التمويلية، خاصة مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الحكم، وتقدّم أحزاب اليمين، واليمين الشعبوي في أوروبا، فإنها قدّمت أدوات ومفاهيم، يمكن أن يتبنّاها حتى خصومها السياسيون. هكذا قد نرى مليونيراً أبيض في الإدارة الأمريكية، يتكلّم عن «نهاية عهد التدخّل الغربي»؛ أو نصيراً لقوى إسلام سياسي، تتلقى دعماً من دول غربية، يحذّر من التعرّض لثقافة «الناس»، بوصف ذلك «تعالياً استعمارياً» أو «مركزية غربيّة».
تتقاطع في مقولة «الناس» الاحتيالية أيديولوجيات ومصالح أطراف متعددة، تميل بمعظمها إلى التأقلم أو الدفاع عن سلطات وقوى سياسية واجتماعية قائمة، لدوافع متعددة، ولكن بشكل مخاتل، إذ لا تعلن بصراحة تأييدها أو التحاقها بتلك القوى، متحمّلةً مسؤولية ذلك، بل تختبئ وراء كيان غامض، هو «الناس»، الذين تتآلف روحهم الواحدة دائماً، للعجب، مع ما يدافع عنه أصحاب المقولة. من أين يأتي إذن كل هذا الصراع الاجتماعي؟

الناس «الحقيقيون»

إذا عدنا إلى دلالة كلمة «الناس» الأساسية، التي تحوي التعدد والاختلاف والنزاع، فلن نلحظ فقط بديهيات، مثل اختلاف آرائهم، وتعدد مواقعهم، وتضارب مصالحهم، واختلاف قضاياهم، بل أيضاً عمليات صناعة ثقافتهم الجماهيرية، وإعادة إنتاج بناهم وعلاقاتهم الاجتماعية؛ واختلاف مفاهيمهم عن الذات الفردية والجماعية؛ وكذلك التقنيات والممارسات السلطوية، التي ساهمت في إنتاج كل ذلك تاريخياً. إضافةً لتغيّر آراء ومواقع الفرد والمجموعة نفسها عبر الزمن. ملاحظة كل ذلك ستخرجنا من اعتبار «الناس» كياناً منزّهاً، بثقافة عضوية وأصيلة مضطهدة، فوق النقد. نقد «الناس» قد يكون نفسه نقد السلطة، ونقد البنى الاجتماعية والاقتصادية الاستغلالية أو الظالمة. ذاك النقد يأتي من «الناس» أنفسهم، إذ يبدو من الغريب أيضاً افتراض أن أي نقد سيجعلنا أمام مرتبتين: «الناس» المساكين، والناقد المستعلي، فالأخير، حُكماً، «ناس» أيضاً، ومن المفترض أنه يتمتع مثلهم بحق التعبير عن ثقافته وآرائه وهواجسه، إلا إذا كان التعبير مُحتَكَراً لمن يطابق التصوّر الأحادي للأمة وناسها، ما يعيدنا إلى المفهوم الإلغائي لـ»جماهير» أنظمة التحرر الوطني.
ما يجعل النقد داخلياً بين «الناس» هو اختلافهم ونزاعهم الاجتماعي بالضبط، فيصبح الجدل بينهم في الحيز العام ضرورة لا يمكن تجاوزها، بل ربما يمكن القول إن ما يجعل «الناس» ناساً، هو جدلهم وممارستهم للنقد، الذي ليس بالضرورة أن يكون «بنّاءً»، بل يحوي أشكالاً تعبيرية حادة، مثل التهكّم والهجاء. ولعل أصل التصور الغريب عن «الاستعلاء» بالنقد هو نزعة معاداة الاستعمار المبتذلة، التي تفترض أن النقد يأتي من منظور غربي استعماري، تجاه «سكان أصليين» مُستَعمَرين، وانتقل بعدها إلى المُستَلَبين بالمنظور الغربي، وكأنه يمكن التفريق بين ما هو «أصيل» و»استعماري»، أو «محلي» و»غربي»، بعد عقود من التحديث والاستقلال، بما في ذلك مفهوما «الأصليّة» و»المحلّيّة»، اللذين يحويان كثيراً من الجذور الغربية، بل حتى مفهوم «نزع الاستعمار» نفسه، الذي انتعش وازدهر في الغرب ومؤسساته، وانتشر منها إلى منطقتنا.
ليس تجريم نقد «الناس» إلا ستاراً لتبرير هيمنة فئات منهم على أخرى، أو حتى اعتدائها عليها، بحجة أن المعتدين يمثّلون جوهراً ما، يحقّ له أن يستأصل كل ما سواه: الثقافة والدين الأصيل؛ القومية الأسمى؛ الأكثرية؛ إلخ. ولذلك فإن هذا التجريم معادٍ بالعمق للناس، أي لما يُعرّفهم بوصفهم متعددين، في الوقت الذي يدّعي فيه الدفاع عنهم.
ربما كان الأجدى عدم الخضوع للابتزاز، فأفضل دفاع عن الناس هو إحياء تقاليد الجدل في الحيز العام، بما فيها من حدّة ونزاع، فذلك خيرٌ بالتأكيد من التستر على جرائم، تُرتَكَب يومياً بحق فئات كثيرة منهم، أو الحديث عنها بلغة «المناشدة»، وتجهيل الفاعلين أو التبرير المخاتل لتصرفاتهم، فقط لكي لا تُثار حفيظة سلطات وقوى، وجمهورها، ممن يريدون أن يكونوا وحدهم «الناس».

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية