الأمن السيبراني لا يشترط أن تكون «الدولة بوليسية»

لقد قيل قديما وفي سياق تاريخي معين، ذي صلة بمباشرة آلية النقد: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
الأمور الجليلة في تاريخ البشرية لا تقع إلا مراتٍ معدوداتٍ، محسوبة على رؤوس الأصابع، حاملة معها بذور التغيير اللواقح. من منا كان يصدق سقوط الأشجار العالية فوق أرضية الحدائق الخلفية للدول، بفعل هبة وسائل الاتصال الحديثة وفي طليعتها الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعرفة، التي باتت أشبه ما تكون بالكشافات الضوئية، تجلي ما استغلق من الجواهر والمكنونات؟ بحيث غدت تمتلك القدرة على اختراق أعتى الأجهزة الإلكترونية، والتسلل إلى قواعد البيانات الحساسة للمعاملات التجارية وأنظمة تدبير الإدارات العمومية والخاصة، دون الرجوع إلى مفاتيح وأزرارٍ عفا عليها الزمن.
لم تعد الدول أو المجموعات البشرية ولا حتى التكتلات الاقتصادية في مأمنٍ من هجمات وحش التكنولوجيا، الذي لا يرحم أحدا أو جهة ما، لاسيما في سياق تاريخي يعرف المواجهات العسكرية والاستراتيجية في أكثر من منطقة، وأكثر من إقليم. الأمر الذي يسهم بكيفية أو أخرى في تعقيد الوضعيات الإنسانية على أكثر من صعيد (حالة الحرب في غزة على سبيل المثال).
لعل المعادلة الصعبة تكمن في قدرة التقدم التكنولوجي على بلوغ الهدف المنشود بالنسبة للدول القوية تحت طائلة ومسميات عديدةٍ ومختلفةٍ، تستجيب في الغالب لمعجم تكتيكي، يخطف منا فرحة اللقاء باللغة التي طالما أطربتنا استعاراتها القديمة والحديثة حتى بتنا لا ننام إلا على إيقاع جرْس مفرداتها. فكيف ضيعنا اللحن القديم في زحمة الأشياء الحديثة باسم التقدم التكنولوجي الذي لا نملك منه ـ للأسف ـ سوى الفتات، وإلا كيف نفسر اختراق أنظمتنا المعلوماتية، وتقنيات تشغيل برامج تحوي في طياتها بيانات وأرقاما، يفترض أن تكون في مأمن من الهجمات الإلكترونية، الصديقة والمعادية لنا؟
الأمن السيبراني لا يشترط أن تكون الدولة بوليسية (والتشديد منا)، بل دولة حاذقة للتجارب العلمية الممكْننة، متجاوبة مع روح العصر. آنذاك وآنذاك فقط، بمقدورها درء المخاطر التي تتهددها من هذه الجهة أو تلك، ومن هذا الموقع أو ذاك.
في خضم النشاط التجاري أو التعامل الاقتصادي اليومي بين الدول وكذلك بين الشركات والتكتلات العملاقة، نستحضر قواعد اللعبة في مجال التكنولوجيا المتطورة بما فيها البرْمجيات والرقمنة وسواها من الوسائل الموظفة في ضبط الأرقام ومسْك الحسابات وتخزين المعلومات والبيانات العامة والخاصة.
إذن، نحن أمام تحد فعلي، يجد صداه في معادلةٍ واحدةٍ لا اثنتين أو ثلاث معادلات، ونعني بذلك التحدي العلمي، الذي يجد تفسيره في قدرة الدول والشعوب على امتلاك ناصية المعرفة العلمية، التي بمقتضاها، يستطيع الإنسان التخلص من القهر والاستبداد والاستعباد. بالعلم وحده، نستطيع أيضا بناء مجتمع، تسود فيه العدالة الاجتماعية واحترام الحقوق المدنية للمواطن، أنى كان انتماؤه الطبقي وقناعاته الفكرية والأيديولوجية. لعل المد الذي وراءه المارد التكنولوجي اليوم، ووفرة المعلومات ويسْر الرجوع إليها واستعمالها على نطاق واسع، عزز من دور العقل البشري، بل أكْسب الإنسان قوة المواجهة وإعمال أساليب النقد والمراجعة وتمحيص النتائج والتأكد من صدقيتها وصحتها.
إن الفورة التكنولوجية الحديثة والمعاصرة، ذللت الصعاب أمام الإنسان، ومهدت له الطريق كي يرتقي بفكره نحو مدارج العلم، المحددة بموضوعه وصيغة أسئلة محتواه، حملتْه على توظيف وتحليل واستخدام البيانات والمعلومات في حياته اليومية وفي بحوثه ومنجزه العلمي. نحن اليوم في مواجهة الذات من ناحية، وفي مواجهة الآخر من ناحية ثانية، فكيف ذلك؟ بالنسبة إلى الذات، علينا التحلي بالشجاعة لممارسة النقد الذاتي، وذلك بحصر لائحة عيوبنا وما أكثرها، سواء كانت فردية أو جماعية، سياسية أو محض تقنية، سواء كانت متعلقة بالسلوك الشخصي، أو بالسمات الفكرية والأيديولوجية. قد تسْعفنا الرطانات اللغوية الجميلة في صوْغ الشعارات والخطابات القومية، التي تدغدغ العواطف، لكن، للأسف لا تملك القدرة على كسْر قوالب الجاهز من التعبيرات، التي تحول – في معظم الحالات ـ دون تحْطيم أوهام الحقيقة.
من المحتمل جدا أن تلعب الأنماط التعبيرية الأثيرية منها والمسكوكة، دور المبدد لصورة الأنا في أعماقنا، التي ورثنا جيناتها كابرا عن كابر، لكن، كيف السبيل للخروج من شرْنقة الأسئلة الرتيبة، المتصلة بمتواليات المكرور من المواقف؟ كيف نضبط عقارب ومواقيت الحركات الاجتماعية المستقرة، وكذا الترتيبات العبثية التي أوْقعتنا في العدمية وسوء الفهم، حتى صرنا لا نتردد لحظة في التشكيك في أمورٍ وقضايا نابعة من صلب الهوية المشتركة؟
أما التفصيل في مواجهة الآخر، بعيدا عن معنى الجحيم، الذي ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي سارتر، فإنه يبدأ من تصورنا تجاه هذا الآخر، بحيث لا نملك درجة من الوعْي بالمعنى الواضح لأنفسنا، كي نجتاز عتبة العجز الذاتي، ومن ثم المرور إلى مرحلة الاستيعاب والتركيب. حري بنا أن نبحث في أصول وجوهر الأسئلة المرجعية التي عملت على تمْنيع الذات وإكسابها الطاقة اللازمة لمواجهة التحديات في عصر جديد، تسود فيه العلاقات الأفقية، على مستوى التحصيل العلمي والامتلاك التكنولوجي على الأقل ظاهريا، في مقابل ذلك تسود العلاقات العمودية لدى الدول العظمى وقوى الاستعمار الجديد في تعاملها مع البلدان النامية والشعوب المستضعفة، بحيث تتعمد اللجوء إلى استغلال مقدراتها والتحكم في رقابها وتعطيل وسائل التنمية فيها، باسم ذرائع واهية ودواع كاذبة، يتم في الغالب تكييفها وفق مصالحها القومية.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية