الأمل وتاريخ الجنة

حجم الخط
0

الأمل مفردة ساحرة، تحمل في نسيجها الداخلي معانيَ كثيرة، ودلالات لا تحصى ومفاهيم تخصّ الإنسانية على نحو عام. كل إنسان يسعى فوق هذه البسيطة، لديه حلم وأمل وشغف موصول بالجنان والفراديس العلوية والسفلية. فالأمل يجعلنا نحلم ونعيش ونسعى الى الجنة، فالجنة في المفهوم الديني، وهو ما يتناوله كتاب «تاريخ الجنة» هي غاية البشرية منذ وجودها وطفولتها الأولى على هذا الكوكب الأرضي.
إذن الجنة هي حلم يراودنا ونحن نقطع السنوات المرسومة لنا، حتى تأتي المنية، مطلة ومبشرة بخاتمتها لنا، فعمر الإنسان يبقى قصيراً على الأرض، على الرغم من المآسي التي يلاقيها، والتراجيديات التي يراها ويعيشها، لتقلل بالتالي من حياته، وهي بالأساس قصيرة ومحدودة، رغم شساعة الأعمال التي ينجزها الإنسان، خلال مسيرته الحياتية، ويراها وهو يجسدها أمام الواقع على أنها كثيرة ومتعددة وزاخرة بسنوات من العمل والجهاد، والكد المتواصل في مسالكها وسبلها المتفرعة والمديدة.
من هنا وجد الإنسان نفسه أمام خيار الموت الماثل، فلا مهرب منه سوى الامتثال له، ولكن كيف؟ أليس هناك من كوّة يتسرب من خلالها ليحيا الحياة ويبقى؟ فالخوف من الموت هو الذي دفع الإنسان إلى الأمل، مهما كان نوع الأمل هذا، مؤجلاً بعيداً ومعقداً كذلك، لأن الامتثال له أي للأمل، عليك أن تدفع ثمنه، لكل شيء ثمن، والأمل هنا هو الجنة، والثمن هو الامتثال لشرط نيل الجنة، تلك التي ظهرت في البدء في الأدب السومري، فطرحته الملحمة الأدبية والشعرية على هيئة سؤال، وهو التملص من الموت، ومحاولة الإنسان السومري والبابلي الامتثال بين يدي الآلهة وتلبية مطالبها بالعبادة والقرابين، وكذلك كان الأمر في الحياة الفرعونية المصرية، حتى وصل الأمر الى الإيمان بالوحدانية، بوجود مُرتِّب ومدير للكون، هو الله، فانطلق هذا الإيمان والمفهوم بالتدريج نحو الديانات التوحيدية الإبراهيمية، وتم الارتقاء بالفكرة وتطويرها وتدويرها، لتصل إلى الإله الواحد في الديانة التوحيدية، التي ساندت فكرة الخلوص في نصوصها الثلاثة، الى مفهوم الجنة، التي تبنتها كل السرديات الدينية، متمثلة بأنبيائها وكتبهم الثلاثة، العهد القديم والعهد الجديد والقرآن، فهناك الأنبياء موسى وعيسى ومحمد، وهناك الوعد والهدية من الأديان الثلاثة للإنسان، الذي عمل جيداً في حياته على مكافأته بالجنة، التي سيعيش فيها خالداً، وينجو من عذاب النار والجحيم، الذي وعدت به الأديان الثلاثة، كعقاب للإنسان على أفعاله الشائنة.
تحت هذا المفهوم الأسطوري أولاً، والديني ثانياً، كتب المفكر والباحث العراقي فالح مهدي، كتابه الجديد «تاريخ الجنة»، وهو كتاب عالي القيمة في كتابته وتدوينه وشرحه، وفي قيمة مراجعه المهمة، عالية الدراية، من خلال استقائه من مراجع متعددة ودقيقة وفائقة في قيمتها العلمية والبحثية التنويرية، وهو يستقي ويسترشد ويكشف ويصقل المعلومة، ثم ينسبها لمصدرها الأولي ونشأتها الأولى ولكاتبها، أو مستخدمها ومستقيها من مراجع بعيدة وتاريخية وذات أصول دينية عالمية، وراسخة في معطياتها العلمية والتراثية وروافدها الإنسانية.

في أفق هذا المنظور، رأى علماء الأنثروبولوجيا، ووفق منهجهم العلمي ورؤيتهم الباحثة والمتقصية والمستكشفة، أن الدين هو أقدم ظاهرة متجذرة في الحياة البشرية، وعمرها أكثر مليون سنة، وعرفتها أغلب الشعوب والمجتمعات والتجمعات السكانية ومنذ زمن طاعن في البعد، وهنا كانت حيرة الكائنات، وهي تقف متسائلة عن معنى الوجود والكون، وعن معنى المسيرة الطويلة للمخلوقات، وهي تمضي حياتها في الحياة، التي يقابلها في النهاية الموت المحقق والمؤكد، الذي لا ينجو منه أحد من الكائنات والخلائق التي تتنفس هواء الحياة.
في مستهل الفصل الأول والمعنون «قراءة في الجذور الأولى للدين» يتطرق المؤلف في بحثه الشيق هذا الى كيف نشأ الدين وممن ولماذا، محاولاً تسليط الضوء على البدايات، بدءاً بتغير المناخ في افريقيا قبل ملايين السنين، ثم الاستقرار والاكتشاف عبر وجود الكائن البشري. ولكي لا يغوص الكاتب في مشكلات تاريخية طويلة وعريضة ومتشعبة، فهو يوجزها قدر الإمكان بمعرفته الرؤيوية والفكرية، مستغوراً مفاصل التاريخ البشري. فالدين كما يرى كان موجوداً لدى الناس بسبب الخوف من الحياة والطبيعة، وكان نوعاً من عبادة آلهات متعددة، إلى أن مرّ بمراحل زمنية كثيرة، فتطور الإنسان وارتقى بصورته الأولى من هيئة شبه بشرية وقريبة من نوع القردة كنياندرتال مثلاً، إلى ما وصل إليه في ما بعد من هيئة آدمية، دارون ونظريته المثيرة للجدل على سبيل المثال، ودوران الأرض، حسب الإيطالي غاليلو الذي حوكم بسبب نظريته، ثم اعتذرت منه الكنيسة بعد مرور أكثر من ألف عام. فنشوء القبيلة في وادي الرافدين نجده حسب المؤلف أدى فيما بعد الى نشوء الدولة، كمفهوم مغاير للقبيلة، آزرها نظام يحمي الكائن والمواطن من القتل والشر «العين بالعين والسن بالسن» حسب قانون حمورابي، وكذلك الجوائح، الطوفان مثلاً، وما ورد في الأساطير التي حيكت حوله، وكيف عملت الآلهة من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من كائنات الحياة حينذاك، ثم تنظيم الصيد والزراعة والري، وتوفير الطعام للعامة من الناس، وخلال حياة ما يشبه الرخاء والاستقرار راح الإنسان يفكر بالصانع والخالق والمدبّر الكوني، الذي هو الآلهة المتلبسة لبوس الله، فنشأ حينها التفكير الجدي بخالق واحد للكون، وليس متعدداً في آلهات، هنا بالذات أشارت الديانات الأولى المتطورة في بلاد بابل ومصر وفارس، مثل الزرادشتية وهي أول من أشار الى فكرة الإله الواحد، ومفاهيم الجنة والنار ويوم القيامة، بالتزامن مع الفترة الفرعونية والبابلية وسكانها من البابليين، ومن ضمنهم اليهود وما سطروه في «التلمود»، و»التوراة» وفي ما بعد تحوّل الى المسيحية والإسلامية، وهو بمثابة تدوير للأفكار والمعلومات، مع إضافة ما يناسب هذا الدين أو ذاك، لكي يتناسب وفق شعيرتها وما تصبو إليه هاتان الديانتان من آمال بين العامة.

يشير الباحث فالح مهدي إلى أن «لا قيمة ولا وجود للعهد القديم دون معتقدات وأساطير وسرديات بابل». يحدد المؤلف أن هذا حدث في المرحلة الأولى، أما المرحلة الثانية «فقد تمثلت بتأثر كتاب العهد القديم، بما وجدوه في الزرادشتية بعد الغزو الإخميني لبابل، التي تؤكد على الحياة الآخرة تأكيداً مطلقاً، حيث كان للزرادشتية دور في إغناء الموروث اليهودي».
وعن مفهوم الجنة وما يتعلق بكل تحولاتها ونشأتها وكيف بدأت وكانت، يفسّر المؤلف في أماكن عدة، كلمة الفردوس على أنها الجنة، وهي كلمة يونانية «برادايس» أصلها فارسي، وهي نفسها جنة عدن، وهي كلمة مركبة من عبرية وسومرية، «جان» عبرية و»أدَين» سومرية، فالفردوس الفارسي الزرادشتي هو «باري دي زا» وتعني بستاناً محاطاً بأسوار .
وحسب المؤلف في كتابه المهم والمثير هذا «يعتقد كبار الباحثين ومنهم الفرنسي بوتيرو، أن الحديقة التي سكنها آدم مع حواء هي ترديد للحدائق المعلقة في بابل وغيرها من الحدائق الآشورية».

شاعر وكاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية