سؤال يراودني دائماً حول الأدب الذي نكتبه، هل يمكننا كتابة الأدب من دون تجارب؟ كثيرون من الكتاب بزغوا فجأة وهم في سنّ صغيرة، وأخذوا مكانتهم في عالم الأدب والكتابة، وأصبح يشار إليهم على أنهم كتّاب صاعدون، ولا سيّما في فوضى الميديا الحديثة ووسائلها التقنية السريعة. وحين تندهش لسرعة هذا الصعود المباغت والمفاجئ، سيأتيك الرد سريعاً من أفواه سريعة في صياغة الكلام، لتفاجئك بأن الروائي الذي نال جائزة وهو في سن اليفاع، يمتلك موهبة قوية، وقادرة على اجتراح المعجزات وتسطير آلاف الصفحات، لما يمتلكه من باع في ابتكار الجديد واللافت في سياق الكتابة الإبداعية.
في هذه الحال يتداركك الصمت، ثمّ تسائل نفسك، أليس على الكاتب هذا أن يمر بمراحل تكوينية، لغوية وفنية وقرائية؟ كم قرأ خلال هذه السنوات القلائل التي كوّنته، وهي لا تتعدى نصف عقد من الزمن، ثم ماذا قرأ؟ وكيف واتاه الوقت في الإلمام والإحاطة بكل تقنيات وأساليب ورؤى الكتابة الروائية الحديثة؟ هل قرأ ديستوفسكي كله، ونجيب محفوظ كله، أم أن هذين الاسمين بالنسبة للروائي المعجزة مجرد كاتبين كلاسيكيين قد عبرهما الزمن، وتخطتهما الحداثة ومدارسها البنيوية الجديدة؟
فإذا نحن عدنا الى الموهبة كونها العماد الأساس لكلّ كاتب وشاعر وفنان، ألا يحتاج المبدع الحقيقي والأصيل هنا الى تجارب؟ الى تاريخ من الحياة؟ وزمن من التواصل مع المعيش واليومي والتفصيلي؟ ألا يحتاج الموهوب الى خيال مُعِيْن يبتكر ويخترع الروائع، لكي يرفد تجاربه والعمل الإبداعي بما سيضفيه عليه من أجنحة بارعة للتحليق في عوالم غرائبية وغير مكتشفة، ولم تطأها في السابق عين أو خيال ومجسّات موهبة أخرى؟
في الظن، أن غالبية الأعمال الخالدة والعظيمة كانت تمتح من تجارب هائلة كانت قد مرّت بها وخبرَتها وسبرَتْ عمقها ولامست ملامحها، وعايشتها بالروح والجسد وباللوامس الحسية والرؤيوية.
في المجال العربي هناك «الثلاثية» لنجيب محفوظ، و» الشراع والعاصفة « لحنا مينا، و»المسرّات والأوجاع « لفؤاد التكرلي، و» الخبز الحافي « لمحمد شكري، و» موسم الهجرة الى الشمال « للطيب صالح، و» اللاز» للطاهر وطار، و» الجبل الصغير « للياس خوري، و» أرض السواد « لعبد الرحمن منيف، « و» المتشائل» لإميل حبيبي، و» ثلاثة وجوه لبغداد « لغالب هلسا، الى آخر القائمة من الأسماء التي قدّمت تجارب روائية كانت قد عايشتها وهي كثيرة، ولا مجال لسرد المزيد من هذه الأعمال والأسماء، تلك التي اكتوت بنار التجربة الروحية والنفسية والحسيّة.
قبل عام التقيت في معرض القاهرة للكتاب بروائي مصري، غير معروف، أي لا تعرفه الميديا السائدة الآن، ولا هو يعرفها، فهو شخص لا يعرف الصحافيين، وكذلك لا يعرف الأدباء والكتاب، ولكنه يعرف ناشرين، وهذه من أبسط الأمور. فإذا كان لديك نص روائي مكتوب ورغبت في طباعته، فأنت في القاهرة ستجد ذلك، خصوصاً إذا كنت ممن سيدفعون للناشر ثمن الطبعة، أو أنّك وجدت ناشراً ما مُرحّباً بنصك الروائي، فلسوف ينشره ويتوقع ما سوف تجود به الطبعة من مبيعات وكتابات ولقاءات إعلامية، وغيرها من أمور ستسهم في رفع مكانة واسم المؤلف والناشر كذلك.
أعود الى هذا الروائي، الذي دخل الى عالم الرواية وهو طيار مصري متقاعد، قدّم روايتين لدار نشر ما، وقد رحّبت بهما الدار لسعة قلب ناشرها في فسح المجال للأسماء الجديدة في عالم الأدب، لخوض غمار النشر، وانتظار ما سوف يجود به العمل من ردود أفعال ثقافية وفنية ومادية أيضاً، فالناشر في النهاية يبحث عن المردود المادي كذلك، وهذا من حقّه كناشر عليه أن يتلقى صدى ما يعرضه من سلعة إبداعية.
هنا كنت أراقب المؤلف الطيار وهو في انتظار المشترين لغرض اقتناء عمله الإبداعي. المهم في الأمر أنني وجدت أن الرواية الأحدث للروائي الطيار هي من وحي تجربته في مجال الطيران، وفيها يتحدّث عن العالم الأرضي وهو فوق، أي وهو محلق في الآفاق، وكيف يرى وهو في الأعلى الأرض والحياة والكائنات، وهي في الأسفل، والى الناس كيف تسعى، والمدن كيف تظهر، والطبيعة كيف تبدو من الأعالي.
هنا الطيار المؤلف يتحدّث في نصّه الروائي من وحي تجاربه، ولولا هذه التجارب لما كان قد كتب ما مرّ به، وقد سرد، وأنا واقف الى جانبه، بعض ما مرّ به من تجارب في سنوات الطيران التي عاشها، وهي رحلات لا تحصى.
لكن المهم في هذه التجارب هو المشكلات والإحداثيات الرهيبة التي واجهته، وهو يطير في الليل والنهار نحو بلدان عديدة، طائراً ومحلّقاً فوق جبالها وسهوبها وأنهارها وبحارها ومدنها، ليراها وهي تتلألأ مثل كرات ذهبية، وقناديل ماسيّة، ومصابيح زمرّديّة، وهو يجوب السموات، غازياً ليلها المتعالي، وفجرها الغامض، محتضناً في الوقت ذاته الغيوم والنجوم التي يعبرها ويمر بها كل ساعة ودقيقة.
في تلك اللحظات ونحن واقفان ندردش حول عمله، وحول الكتب، ساءلته هل قرأ للروائي الفرنسي دو سانت إكزوبري شيئاً وهو روائي وطيار أيضاً، وقد كتب روائع عالمية تعد الآن من التحف الفنية والأدبية الروائية الخالدة؟ فكان الرد غير متوقع منه بالنسبة لي، حيث قال: لا لم أقرأ له … فأردفت وقلت له : لهذا الروائي الفرنسي روايات رائعة لا تنسى، وأنا قرأتها منذ زمن بعيد، وهي لا تزال راسخة بأحداثها في ذهني، كونها تتحدّث عن تجاربه في عالم الطيران، ورحت أشير الى رواية «طيران في الليل» و « بريد الجنوب «، ناهيك عن تحفته الفنية الخالدة « الأمير الصغير».
في داخلي استغربت الأمر، غير أني لم أُظهر حتى ولو طرفاً من دهشتي له، فطويت سؤالي، ولكنني ظللت أفكر في الروائي المصري الطيار، وأنا عائد في طريقي من المعرض الى حيث أسكن في مركز المدينة، فوصلت الى نتيجة من خلال تفكيري هذا
أن الروائي الطيار صديقنا، ليس من المفترض أن يطلع على أعمال الروائي الفرنسي، وأنه هنا في عمله الروائي المعروض في المعرض، إنما أراد أن يكتب عن تجربته، وعمّا لاقاه وشاهده وأحس به، وهو يخوض في مسالك وأهوال وأحوال عالم الطيران، وتفاصيل الحياة التي تصاحب مثل هذه المهنة الطائرة.
شاعر وكاتب عراقي