اكتمال مشروع عربي يعيد رسم مسار اللغة عبر القرون

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة – «القدس العربي»: في لحظة ثقافية ذات صدى يتجاوز الجغرافيا العربية، تحوّلت الدوحة إلى منصة لحدث لغوي نادر في تاريخه وحجمه، مع الإعلان عن اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
أعاد الحدث، الذي جمع باحثين ومؤسسات من مشارب متعددة، طرح أسئلة كبرى حول موقع اللغة العربية في المعرفة الإنسانية، ودور المشاريع المؤسسية طويلة النفس في إعادة بناء الذاكرة اللغوية للأمم، في عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية والمعرفية.
أُقيم الحفل صباح أمس الاثنين برعاية أمير دولة قطر. وجاء الإعلان تتويجًا لمسار علمي امتد لسنوات، أُنجز خلاله أحد أكبر المشاريع المعجمية التاريخية عالميًا، من حيث المنهج والحجم والزمن الذي تغطيه المادة اللغوية.
يمثّل اكتمال معجم الدوحة التاريخي تحوّلًا نوعيًا في البحث اللغوي العربي، كونه معجمًا تاريخيًا يوثّق نشأة الألفاظ العربية، وتحولاتها الدلالية والصرفية والاستعمالية، ضمن سياقاتها الزمنية والمعرفية والحضارية.
يعتمد المعجم على مدوّنة نصية واسعة، تنطلق من أقدم الشواهد العربية الموثقة، وتمتد إلى الاستعمالات الحديثة، بما يتيح قراءة تطور اللغة بوصفها كائنًا حيًا متفاعلًا مع التاريخ.
هذا الطابع الزمني التفصيلي يضع المعجم في مصاف التجارب العالمية القليلة التي أنجزت معاجم تاريخية شاملة للغات كبرى، ويمنح الباحثين أداة علمية قادرة على إعادة تفسير النصوص، ومراجعة المفاهيم، وفهم التحولات الثقافية التي انعكست في اللغة عبر العصور.
في كلمته الافتتاحية، قال المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي عزّ الدين البوشيخي إن المشروع ثمرة عمل مؤسسي تراكمي طويل، واصفًا المعجم بأنه «مشروع علمي عميق يعيد الاعتبار للمنهج التاريخي في دراسة العربية، ويمنحها أداة علمية تليق بثقلها الحضاري». وأشار إلى أن المعجم يهدف إلى حفظ الهوية اللغوية، وبناء معرفة رصينة تستند إلى التوثيق والتحليل.
تناولت كلمات المشاركين العلاقة بين المشروع المعجمي والتعليم وبناء المعرفة. وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي في قطر لولوة الخاطر أكدت أن المعجم يشكّل رافعة تعليمية ومعرفية، ويسهم في تطوير تعليم اللغة العربية، من خلال إتاحة مادة تاريخية دقيقة تساعد على فهم تطور المفاهيم والمصطلحات.
واعتبرت أن الاستثمار في المشاريع اللغوية الكبرى يندرج ضمن بناء رأس المال المعرفي، وتعزيز الهوية الثقافية في سياق عالمي متغير.
من جهته، شدّد المدير العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة سالم المالك على القيمة العلمية للمعجم، معتبرًا أنه إضافة نوعية للمشهد اللغوي والثقافي، عربيًا ودوليًا. وقال إن المشروع يفتح آفاق تعاون أوسع بين المؤسسات المعنية باللغة، معربًا عن استعداد المنظمة لدعم الاستفادة من المعجم في الدول العربية والإسلامية.
أما رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق محمود السيّد، فرأى أن المعجم يقدّم إمكانات غير مسبوقة للباحثين، من حيث تتبع تاريخ الألفاظ وتحليل تحولاتها، داعيًا إلى استثمار هذا الإنجاز في تطوير البحث اللغوي، وربط اللغة العربية بمسارات المعرفة الحديثة.
وعقب الكلمات، جرى عرض البوابة الإلكــترونية الجديدة لمعجم الدوحة التاريخي، التي تمثّل نقلة في إتاحة المادة المعجمية التاريخية. البوابة، بتصميمها الحديث وبنيتها التقنية المتقدمة، تتيح أدوات بحث تمكّن المستخدمين من تتبّع تاريخ الألفاظ ودلالاتها عبر العصور بسهولة ودقة، وتفتح المجال أمام تفاعل أوسع بين العمل المعجمي والوسائط الرقمية المعاصرة.
هذا التنوع منح الحدث طابعًا دوليًا، وأكد أن المعجم لم يعد مشروعًا عربيًا داخليًا، بل مساهمة في النقاش اللساني العالمي.
كما شهد الحفل تكريم خبراء المعجم من العلماء والباحثين والمحرّرين الذين شاركوا في إنجاز العمل، في إشارة إلى مركزية العمل الجماعي في المشاريع المعرفية الكبرى، وإلى أن المعاجم التاريخية نتاج رؤية مؤسسية ممتدة، وليست حصيلة جهد فردي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية