اشتريتم أن إيران هي العدو الأول في المنطقة؟ آمنتم بالفكرة فاتجهت أنظاركم للشرق تناوشون وتتصارعون، فيما يربض العدو في عقر داركم، بل ويصرح أن بيتكم هو بيته، استحقه بهبة إلهية وامتلكه بكلمة توراتية؟ السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، قالها واضحة صريحة تسد عين الشمس، في مقابلة له مع تاكر كارلسون، حيث صرح بأن لا بأس لإسرائيل من التوسع، بل والاستيلاء على أجزاء واسعة من الشرق الأوسط بناء على النص الديني التوراتي. وفي عارض الحديث، سأله كارلسون عن منطقية استحقاق إسرائيل لهذه الأراضي قائلا: «هي الكثير من الأماكن التي هي الآن دول» ليرد عليه هاكابي: «إلا أن هذه المنطقة التي نتحدث عنها الآن، إسرائيل، هي أرض أعطاها الله من خلال إبراهيم لشعب هو اختاره، كان هناك شعب، مكان، وهدف». هنا رد عليه كارلسون مصراً، وهو المذيع اليميني الذي يفترض أنه أقرب لرأي هاكابي، إلا أن صدمته كانت واضحة على كلماته: «هذه الأرض تقول من النيل إلى الفرات، مرة أخرى، هذا هو الشرق الأوسط بأكمله، إذن الله أعطى هذه الأرض لشعبه، لليهود، أو لم يفعل، أنت تقول هو فعل، ماذا يعني ذلك؟ هل لإسرائيل الحق في هذه الأرض؟ ذلك أنك تستشهد بسفر التكوين، أنت تقول هذا هو الصك الأصلي!»، ليأتي الرد قاطعاً صاعقاً: «سيكون، لا بأس به لو أخذوا المنطقة كلها».
بصراحة، من حقه أن يقول ذلك وأكثر. في عالم اليوم الآخذ توغلاً في الشمولية الشريرة والعنف والاستغلال الصريحين والنذالة السياسية المباشرة، في هذا العالم الحنون على مستغلي الأطفال، بائعي البشر بل وآكلي لحومهم، في هذا العالم المتفرج عن بعد على أطفال المخيمات يُحرقون أحياء، في هذا العالم الذي يقوده اليوم الخونة والأغبياء، في هذا العالم التافة المشغول قاطنوه «بالترند واللايك»، لماذا لا يبدو قول هاكابي القادم من عمق ديني متطرف وثني غابر معقولاً مقبولاً؟
لو أنا هاكابي، ورحمة من الله أنني لست هذه الإنسانة الساقطة، لقلت ذلك وأكثر. من سيكون له الأثر الأكبر والتهديد الأخطر على «دولة إسرائيل» في الزمن الحالي منطقياً وجغرافياً وسياسياً؟ يفترض الدول الملاصقة لها، الدول المتصلة معها في حيز جغرافي قريب، الدول التي يشترك أهلها في اللغة والدين والتقاليد والثقافة والأصول الإثنية والعرقية والامتدادات التاريخية مع السكان الأصليين للأرض المحتلة التي هي إسرائيل اليوم. إلا أن واقع الحال أن هذه الدول «مكبرة الجي ومروقة الدي» -اللذين هما بحسب تعريف الزعيم عادل إمام: الجمجمة والدماغ- هي دول، وعلى مدار المئة سنة الماضية لم تتحرك كثيراً، بخلاف مصر التي دخلت حرباً قصيرة مع الصهاينة، لبنان التي دفعت ثمناً باهظاً ولا تزال من جنوبها، والكويت التي كانت ذات الموقف الأكثر صلابة ولربما تأثيراً في الدفع بتشكيل قيادة فلسطينية ولا تزال في مساندة الموقف الداخلي لأصحاب الأرض.
اليوم، حتى القليل توقف. لا، لم يتوقف هذا القليل فقط، إنما انعكس؛ فمن تطبيع، إلى سفارات، إلى سياحة متبادلة، إلى زيارات رسمية ومشاريع مشتركة، حتى الاستنكارات والاستهجانات توقفت، حتى الاعتصامات والمظاهر الشعبية المحتجة صمتت، لم نعد نسمع سوى تصريحات السفارات الإسرائيلية، وأخبار المشاريع الاستثمارية والتعاونات السياسية، بل والتبادلات السياحية مع الصهاينة- قتلة الأطفال. وبعد كل ذلك، نعيب على سفير الدولة الحاضنة الأولى للكيان الصهيوني، الدولة التي إدارتها للهجرة والجمارك الأمريكية تقلد الجيش الصهيوني قولاً وفعلاً وتنكيلاً بأهلها، الدولة التي تمول أقذر جيش في العالم بأفظع وأبشع الأسلحة الحربية الحديثة الممنوعة دولياً لتهبط على رؤوس أطفال المخيمات، نعيب على هذا السفير تصريحه بأن المنطقة العربية كلها ملك لإسرائيل؟ أصلاً، هذا هو القول المنطقي المتوقع ليخرج من فم إنسان كهذا يمثل إدارة سياسية كهذه. أصلاً، هذا أقل بكثير مما يعتقدون ومما نستحق.
وما أجمل الوضع وسفير ترامب، هذا الرئيس الذي يتناثر ذكر اسمه في كل ملف من ملفات إبستين، يستشهد بنص ديني! هل هناك إدارة تعرف الحد الأدنى من القيم الدينية والأخلاق تفسح المجال وتمول المساعي لكيان محتل، قاتل، يستخدم أسلحة ممنوعة قانونياً، يعذب الأسرى ويغتصبهم، بل ويعتصم شعبه مطالبة بحرية اغتصاب الأسرى؟ بأي وجه يستشهد هذا السفير بنص ديني… بوجه إدارته التي تقتل الأطفال في وضح النهاروتختطف رؤساء الدول الأخرى من عقر دارهم، بل وتقتل المقيمين على أرض دولتهم في الشوارع العامة وعلى مرأى ومسمع من المارة المدنيين؟ أم بوجه رئيس إدارته المتورط في قضايا مالية وجنسية، وحالياً يتناثر اسمه على كل صفحة من صفحات ملفات إبستين كمتقصّ لعذرية الفتيات الصغيرات وآكل للحوم البشر، مع اعتذاري عن التعبيرات الحارقة؟ لا بد إذن، إما أن يكون هذا السفير وإدارته كاملة مختلين عقلياً، متناقضين منطقياً، أو أن يكون النص الديني التوراتي مبيحاً ليس فقط لاغتصاب الأرض، ولكن كذلك لاغتصاب الأطفال والحقوق والأرواح كلها، وقتل كل من هو ليس يهودياً وتهويد كل أرض ليست يهودية. في كلتا الحالتين، بل في كل أحوال العالم الحالي… نحن إلى دمار شامل.
الآن، بعد أن اشتريتم بروباغندا أن إيران هي بعبع المنطقة، وأن إسرائيل صديقة ديمقراطية، إليكم أول الغيث، قطرة على لسان السفير الأمريكي عند الكيان بأن كل الأراضي العربية ملك لإسرائيل، وما بقي سوى أن نقول لهم «إن كانت ذبيحة ما عشتكم». يلّا، مبروكين.