من الممكن أن نسمّي بكلمة واحدة أكثر من معنى، هذا ضرب من الاقتصاد اللغوي يسمّى التعدّد الدلالي Polysemy، فعلى سبيل المثال، عبارة عين تعني الأداة المبصرة والجاسوس والمال وغيرها من المعاني، وهذه الظاهرة يمكن أن تحدث في اللغة لتطور الكلمات، من استعمال حقيقي إلى استعمال مجازي، فالجاسوس يسمّى عينا، لأنّ فعل الجوسسة في الأصل عمل بصريّ يعتمد هذه الحاسّة فكأنّما سمّي الشخص بالنظر إلى جزء منه، وهذا نوع من المجاز المرسل. الحالة النقيضة للتعدّد الدلالي هي الأحادية الدلالية Monosemy وهو أن تدل الكلمة الواحدة على معنى واحد؛ والأصل في الأشياء أن تدلّ كل كلمة على معنى واحد، ولكنّ ذلك سيؤدّي إلى تضخم العبارات أو الألفاظ، ولذلك يميل المتكلم إلى تعداد المعاني في الكلمة الواحدة.
ما سنتحدّث عنه في هذا المقال، هو أنّ بعض الكلمات التي تكون لها معان مختلفة تتنافس المعاني المختلفة فيها لمعنى واحد دون البقية، فيهيمن عليها في الاستعمال، سواء أكان ذلك لتكريسه أكثر من غيره، أم كان لغير ذلك من الأسباب. لكن كيف تستعمر دلالة وحيدة الكلمة وتلغي بقية الدلالات؟ نحن نشير بهذا إلى عملية احتكار المعنى، بحيث يُفرض معنى واحد على كلمة متعدّدة الإمكانات، وتُقصى بقية المعاني المحتملة. هذا يحدث غالبا عبر آليات لغوية واجتماعية وسياسية يمكن تلخيصها في ظواهر متعدّدة مثل، تكرار الكلمة في سياق واحد باستمرار، يرسّخ معنى معيّنا في الذهن. فعلى سبيل المثال فإنّ الإعلام مثلاً يعيد إنتاج كلمة إصلاح دائما في سياق اقتصادي ليصبح الإصلاح محصورا في الاقتصاد، بينما هو في الأصل كلمة عامة تشمل الأخلاق والدين والسياسة.
وفي عصر النهضة العربي، فإنّ فكر الإصلاح كان يعني عند العرب حركة فكرية وثقافية، تسعى إلى التجديد باستعادة الأصول وتحديثها لمواكبة العصر وبات المعنى الأقلّ أهمية ما تعلق بإدخال إصلاحات في الميدان التربوي، أو الاجتماعي أو الأخلاقي. ومن الممكن أن تحتكر السلطة الدينية مثلا استعمالا دون آخر مسيطرا، فيُنظر إلى أي معنى آخر باعتباره ثانويا أو خارجا عن المألوف. مثال ذلك أن عبارة وضوء أو صلاة أو صيام فقدت معانيها القديمة التي كانت لها، وظلت مكرّسة في معانيها الدينية الإسلامية الحادثة، ولا أحد يعلم على سبيل المثال أن الوضاءة التي هي معنى أصلي قديم في الوضوء، وتعني النظافة والجمال قد هجرت في الاستعمال، وباتت مكرسة لمعنى غسل أعضاء بعينها مذكورة في السنة استعدادا للصلاة. وللسبب نفسه فإنّ القرء وهو الحيض، أو الطهر منه، قد هيمن على استعمالات لغوية أخرى باتت كالمهجورة مثل، القرء في معنى البيت الشعري. في السياق نفسه، فإنّ تداول عبارة جهاد سيطر عليها معناها المرتبط بالتضحية بالنفس في سبيل عقيدة، وفقدت معناها الأصلي الدائر على الإتعاب والإرهاق؛ بل قلّ إنّ معنى الإزهاق، إزهاق الروح سيطر على معنى الإرهاق، إرهاق الجسد، كذلك باتت لفظة شهيد التي سيطر عليها الاستعمال الديني، وغاب أو ضمر معناها الذي كان لها والمرتبط بالمشاهدة والمعاينة والحجية فيها.
وهكذا، فإنّه إذا استُعملت دلالة أخرى غير المسيطرة، فقد يُنظر إلى صاحبها كأنه يسيء الفهم، أو يتلاعب باللغة، بهذا يتم إلغاء بقية الدلالات بالهيمنة التي قد توحي بأن بقية المعاني قد ضمرت أو ماتت.
حين تُستعمل الكلمة حصريا في معنى واحد، تُنسى معانيها الأخرى مع مرور الزمن. وهذا نوع من استعمار الدلالة، حيث الماضي الدلالي يُمحى تدريجيا. واستعمار المعنى ليس فقط عملية لغوية، بل أيضا سلطة اجتماعية وثقافية تجعل الكلمة أداة في يد خطاب معيّن. ولو تتبعنا عبارة إرهاب مثلا، فإنه من الممكن أن نميز بين معنى أصلي وهو التخويف من رَهَبَ أي خاف، لكنّ المعنى السائد وهو المعاصر المتداول بات مقصورا على معنى سياسي محدّد يتعلق بعنف الجماعات الإسلامية، أو المعارضة المسلحة. وحجب هذا المعنى معنى مهمّشا نجد فيه دلالات مثل، «الإرهاب النفسي» وهي عبارة وإن كانت مستعملة فإنّ تواترها أقلّ.
لدراسة استعمار الدلالة لسانياً، نحتاج إلى تحليل تاريخي وتداولي لمدونة تتواتر فيها العبارات المعنية، وعلى الدارس أن يعرف كيف يربط الاستعمالات بالسياقات السياسية والاجتماعية والثقافية المناسبة. ففكرة الهيمنة الدلالية هي فكرة تراعي الاستعمال في السياق، وذلك بأن يدرس الباحث كيف تُستعمل الكلمة في مواقف تواصلية محددة، بربط الكلمة بإطارها أو سياقها، وبالبحث في الكيفية التي تقدم بها الكلمة في إطار معين، يجعلنا نرى معنى من المعاني أصليا وآخر بعيدا أو فرعيا يكاد لا يلمح. ويمكن أن يكون المدخل من تحليل الخطاب بأن ندرس النصوص الإعلامية والسياسية، والدينية، والعلمية وغيرها، من جهة تكرر الكلمات فيها نصيب الدلالة المهيمنة عليها، وقد يكون المدخل إحصائيا، بأن تحسب نسب التواتر للدلالات المختلفة، فنصل إلى رصد للتوزيع الإحصائي للمعنى المسيطر مقابل بقية المعاني.
ومن الممكن أن نحلل العلاقة بين الكلمة والسلطة، بأن نرى من وجهة نظر لسانية اجتماعية من يملك الحق في تحديد معنى بعض الكلم؟ في هذا الإطار من البحث يمكن أن نربط استعمال الكلمة بالطبقات الاجتماعية، والهيمنة الثقافية، والأيديولوجيا. ونبحث عمّن يكرّس المعنى الواحد، أهو الإعلام أم الجماعة الدينية أم حزب سياسي أو غير ذلك؟ وسيلاحظ الباحث ما للكلمة من أثر في بناء الهوية، فلو عدنا إلى عبارة «شهيد»، فإننا سنجد أنّها تحدد هوية جماعة أو سردية معينة.
شكل آخر من أشكال استعمار المعنى يمارس غالبا عبر الاستعارات التي يصبح لها تداول تقليدي يعبّر عن رؤية مشتركة ومتقاسمة للكون. فعلى سبيل المثال هيمنت في الشعر والكلام العربي القديم استعارة [المرأة كوكب] مثل المرأة بدر، وما فيها من تفاصيل تشكيل استعاري متنوع بتنوع تمثل الشاعر للمرأة البدر.
إن تكرير هذه الاستعارة في الشعر يبرز ما للغة من دور يمكن أن تمارس به الجماعة الشاعرة سلطتها على بناء الأذواق، واستعمارها اللغوي الرمزي لمدّة من الزمن تطول أو تقصر، حسب ضغط الجماعة الشاعرة وقبول الهيمنة من الجماعة الثقافية المتفاعلة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية