ما زالت الاحتجاجات مستمرة في العديد من المدن التركية حيث طالب المحتجون، ومعظمهم من فصائل المعارضة باستقالة السيد رجب طيب اردوغان لتفرده في السلطة.
السيد اردوغان تخلى عن لهجته المتصلبة التي تبناها في بداية الازمة، واتهم فيها المحتجين باتهامات غير لائقة، واعرب عن استعداده للحوار وتقبل الآراء الديمقراطية، ولكنه لم يقل انه سيتراجع عن المفجر لهذه الاحتجاجات اي اعلان حكومته عن بناء مجمع تجاري في حديقة عامة قرب ميدان تقسيم الذي يعتبر احد الاماكن الاكثر جذبا للسياح الاجانب.
الاتحاد الاوروبي استغل هذه الاحتجاجات لتوجيه انتقادات شرسة للسيد اردوغان والتشكيك في الديمقراطية التركية، وتلبية تركيا للشروط التي تؤهلها للانضمام الى هذا الاتحاد، الامر الذي دفع السيد اردوغان الى اتهام الاوروبيين بالنفاق وازدواجية المعايير، وتذكيرهم بمظاهرات مناهضة للرأسمالية ‘وول ستريت’ وفضها بالقوة.
هذا الهجوم المضاد من قبل السيد اردوغان على الاوروبيين ربما يزيد من حدة الانتقادات، لان هناك من يريد استخدام هذه الاحتجاجات وطريقة قمعها من قبل البوليس التركي كذريعة لعرقلة انضمام تركيا الى الاتحاد، وتأكيد صحة وجهة نظر المعسكر المعارض لهذا الانضمام بقيادة فرنسا.
لقد كان لافتا ما قاله ستيفان فولي المفوض الاوروبي لشؤون توسيع الاتحاد في اسطنبول بان الاستخدام المفرط للقوة ‘لا مكان له في الانظمة الديمقراطية’ مؤكدا في الوقت نفسه ان الاحتجاجات القائمة حاليا ضد السيد اردوغان لا تعلق عملية انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي وكأن عملية الانضمام هذه تسير على قدم وساق وليست متعثرة منذ عشرين عاما واكثر.
الاتحاد الاوروبي محق في انتقاد الاستخدام المفرط للقوة من قبل البوليس التركي مع المتظاهرين، فقد ادى هذا التدخل الى مقتل محتجين اثنين وشرطي، واصابة ما يقرب من خمسة آلاف شخص، خمسون من بينهم اصابتهم خطيرة للغاية.
حكومة السيد اردوغان اعتذرت عن الافراط في استخدام القوة، ودعت الى تحقيق مكثف لمعرفة كل جوانب هذه المسألة، وتعهدت بمحاسبة المتورطين فيها من قيادات الشرطة، ولكن المحتجين يطالبون باجراءات فورية مثل عزل قائد البوليس وبعض مساعديه.
الرئيس اردوغان حقق انجازات اقتصادية ضخمة للشعب التركي ونقل بلاده من دائرة الافلاس والديون الى المرتبة 17 كأقوى اقتصاد في العالم، ولكن طموحات السيد اردوغان السياسية في الاستمرار في قمة السلطة من خلال تعديلات دستورية تجعل من نظام الحكم التركي رئاسيا مثل النظام الفرنسي، جعلته يغفل عن حالة الاحتقان في صفوف المعارضة ومؤيديها التي تبحث عن عود الثقاب لتفجيرها.
استئثار حزب العدالة والتنمية بجميع المناصب القيادية في الدولة (رئاسة الجمهورية والبرلمان ورئاسة مجلس الوزراء) ولاكثر من 11 عاما اثار حفيظة الكثيرين، رغم ان هذا الاستئثار جاء بوسائل ديمقراطية مشروعة، ويستند الى انجازات اقتصادية متميزة.
من الواضح ان السيد اردوغان مصمم على المضي قدما في خططه لاقامة المجتمع التجاري في ميدان تقسيم، ولكن هذا التصميم، على احقيته، قد يؤدي الى نسف كل الانجازات التي حققها حزبه للبلاد، لان هناك من يريد ذلك سواء داخل تركيا او خارجها. وليس ادل على ذلك الانخفاض الحاد في البورصة التركية طوال الايام السبعة الماضية من عمر الاحتجاجات، وان كانت اسعار الاسهم التركية ارتفعت بحوالي ثلاثة بالمئة يوم امس بسبب ابداء اردوغان مرونة ولهجة اكثر هدوءا في التعاطي مع الازمة.
لا بد ان يدرك السيد اردوغان وهو السياسي المحنك، ان العناد والتشبث في المواقف ربما يعطي نتائج عكسية تماما، والسياسي الذكي ينحني امام العاصفة، وربما مؤقتا، حتى لا يعطي للجهات الداخلية والخارجية التي تحدث عنها فرصة او ذريعة لاضعاف حكمه ان لم يكن اسقاطه اذا استطاعوا الى ذلك سبيلا.