تسفي برئيل
إن خليط التصريحات والتقارير التي نشرت في نهاية الأسبوع الماضي حول احتمالية نشوب الحرب ضد إيران هي أبعد من تقديم إجابة على سؤال ملح واحد، وهو: هل ستكون هناك حرب ومتى؟ ومثلما في الأيام التي سبقت محادثات الجولة الثانية، فالأجواء هذه المرة ملبدة بالتصريحات المتناقضة التي تتراوح بين تصريح وزير خارجية إيران عباس عراقجي الذي يقول “يمكن صياغة مسودة اتفاق خلال يومين – ثلاثة أيام ومناقشها خلال أسبوع”، وتصريح ترامب بأنه يفحص “شن هجوم محدود”، لكن حتى الآن يأمل في حل دبلوماسي. وبينهما، يبرز تقرير “اكسيوس” الذي يقول بأن “ترامب يفحص السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم بنسبة رمزية”. هذه الأقوال ربما تدعم رواية عراقجي، الذي قال في مقابلة مع “سي.ان.بي.سي” إن الولايات المتحدة لم تطلب في أي يوم “صفر تخصيب لليورانيوم في إيران”، وان النقاش هو حول الطريقة التي على إيران أن تثبت فيها بأن توجهها ليس الوصول إلى سلاح نووي.
بعد أن قال عراقجي بأنه تم التوصل بين إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق حول المبادئ، فإن الجهود التي تنصب الآن على ترجمة المبادئ إلى تفاهمات تبدو للوهلة الأولى فنية، لكن أساس المواجهة الفكرية كامن فيها
صحيح أن المحادثات انتهت في الأسبوع الماضي بعد بضع ساعات، لكن الجهود الدبلوماسية لم تتوقف. عراقجي والأمين العام لمجلس الأمن القومي علي لاريجاني، المسؤولان عن صياغة الرد السياسي الإيراني، أجريا في الأيام الأخيرة سلسلة محادثات مع زعماء عرب وزعماء روسيا والصين بهدف بلورة اسس تلك المسودة. بعد أن قال عراقجي بأنه تم التوصل بين إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق حول المبادئ، فإن الجهود التي تنصب الآن على ترجمة المبادئ إلى تفاهمات تبدو للوهلة الأولى فنية، لكن أساس المواجهة الفكرية كامن فيها، هذا لأنها هي التي ستحدد من “انتصر” ومن “هزم”.
هذه تفاصيل ستشمل ترتيبات التفتيش في المنشآت النووية وتحديد الحد الأدنى أو “الكمية الرمزية” التي ستطلب إيران تخصيبها، ونوع الإثبات الذي يجب عليها تقديمه لعدم نيتها تطوير سلاح نووي، والتعويض الذي ستطلبه إيران من الولايات المتحدة والذي يمكنها الحصول عليه. هنا أيضاً ستكون حاجة إلى تفاصيل تتجاوز مجرد اتفاق عام لرفع بعض العقوبات. من المتوقع أن تطالب إيران بالإفراج الفوري عن مليارات الدولارات من أصل أكثر من 100 مليار دولار مجمدة في البنوك حول العالم، وبجدول زمني للإفراج عن الأموال المتبقية، وخطة واضحة لرفع العقوبات، والأهم من ذلك التزام بإزالة خطر الهجوم.
إن “عشرة أيام – أسبوعين” التي حددها ترامب كمهلة زمنية يتعين على إيران خلالها تقديم اقتراحاتها، لا تبعث على كثير من الثقة. ففي إيران، مثلما في إسرائيل، يتذكر الناس “الأسبوعين” اللذين منحا للجولة الدبلوماسية في حزيران الماضي، اللذين تم تقليصهما إلى أقل من ثلاثين ساعة قبل أن تشن الولايات المتحدة الهجوم. مع ذلك، مثلما هي الحال مع المراقبين في الغرب والدول العربية الذين لا يعرفون ما سيقرر ترامب ومتى، فإن الوضع في إيران أيضاً يختلط فيه التخمين والتوقعات، الأمر الذي يحتاج إلى توفير اجابة على كل سيناريو.
إذا ما كلفت إيران نفسها عناء إعداد مسودة اقتراح تشكل أساساً واقعياً لجولة سريعة من المحادثات تفضي إلى اتفاق، فإنها تفترض أن العملية الدبلوماسية ما زالت قائمة، وأن نجاحها قد يمنع الهجوم. من جهة أخرى، يرى التصور السائد حالياً في التحليلات المنشورة في وسائل الإعلام المحافظة في إيران بأن استعراض القوة الأمريكية والتهديد الإسرائيلي بالانضمام إليه لم يعد مجرد أداة ضغط لإجبار إيران على تقديم تنازلات في المجال النووي، بل يهدفان إلى إحداث تغيير استراتيجية في ميزان القوة الإقليمي وتحييد قدرة إيران على الردع بمنعها في توجيه “ضربة ثانية”. ويعزو هذا التصور الإيراني وقف الحرب إلى الردع الإيراني والإطلاق الصاروخي المكثف على إسرائيل، وليس إلى تدخل ترامب. وخلاصة ذلك، أن إيران قد تظهر مرونة بشأن القضية النووية، لكن ليس بشأن قضية الصواريخ، لأن أي تنازل في هذا المجال سيعني ضرراً استراتيجياً للأمن القومي بطريقة تجعل إيران دولة ضعيفة بشكل دائم.
يشير التفسير الإيراني إلى سيناريوهات رئيسية للرد تنبثق من هذا الاستنتاج. حسب السيناريو الأول، سيقابل هجوم أمريكي محدود المدة والنطاق برد إيراني مماثل في محدوديته، ما يسمح لكل طرف بالادعاء بتحقيق هدفه. سيعلن ترامب أنه ألحق ضرراً بالقدرات الاستراتيجية الإيرانية بينما ستدعي إيران بأنها لم تخضع لـ “القوة الإمبريالية” وأنها نجحت في وقفها. أما السيناريو الثاني، وهو الأخطر، فيتمثل في رد إيران على الهجوم المحدود بهجوم واسع النطاق ومتعدد الساحات، والذي يشمل تفعيل فروعها في العراق ولبنان واليمن، وإلحاق الضرر بالممر الملاحي في الخليج الفارسي وإغلاق مضيق هرمز. من هذا المنطلق، ليس صعباً تصور نطاق الرد الأمريكي الذي سيتصاعد من هجوم محدود إلى حرب شاملة.
لقد نقل عن رئيس أركان الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي، مؤخراً على موقع “عصر إيران”، قوله: “لقد غيرت إيران عقيدتها الدفاعية وانتقلت إلى عقيدة هجومية، حيث سيكون تحركنا سريعاً وحاسماً وغير مقيد بالاعتبارات الأمريكية”. هذه العقيدة إذا اعتمدها النظام بالفعل لا تهدف إلى هزيمة الولايات المتحدة، بل إلى زيادة تكلفة الحرب وأضرارها على الولايات المتحدة وإسرائيل وجيران إيران العرب، خاصة دول الخليج. ويفترض أن هذا السيناريو قد يردع الولايات المتحدة مبدئياً عن شن مثل هذه الحملة، وإذا ما شنتها، فستنتهي بسرعة بسبب تكلفتها الباهظة.
موافقة الزعيم الأعلى خامنئي على بدء المفاوضات من الأساس بعد أن أعلن لفترة بأنه لا يرى أي فائدة من إجرائها، لا توضح نطاق الصلاحيات التي أعطاها لطاقم التفاوض، ولا الصيغة التي ستنال موافقته.
هذه التحليلات والتصريحات تمثل مواقف شخصيات نافذة في الحكومة الإيرانية، من بينها عراقجي ولاريجاني، اللذان باتا مضطرين الآن إلى بذل جهود مضنية للحصول على موافقة علي خامنئي على النسخة النهائية للمسودة. إن موافقة الزعيم الأعلى خامنئي على بدء المفاوضات من الأساس بعد أن أعلن لفترة بأنه لا يرى أي فائدة من إجرائها، لا توضح نطاق الصلاحيات التي أعطاها لطاقم التفاوض، ولا الصيغة التي ستنال موافقته. لأنه سيطلب منه هو أيضاً تسويق الاتفاق ودعمه. ما زال للصراع السياسي الداخلي تأثير كبير على سير المفاوضات، وهو ما يذكر بالفترة التي سبقت توقيع الاتفاق النووي في 2015. في حينه، شنت العناصر المتطرفة هجمات شديدة على طاقم التفاوض الذي كان عراقجي أحد أعضائه، إلى أن تدخل خامنئي وأمرهم بالتوقف عن توجيه الانتقاد إليه بشكل غير مباشر على اعتبار أنه هو الذي وافق على الاتفاق.
تكمن المشكلة في أن السيناريوهات العسكرية، سواء التي تتوقع هجوم محدود أو التي تتوقع حرب شاملة، تحاول تقييم أو تخمين طبيعة الصدام المتوقع بدون تقديم خطة خروج، أو على الأقل توضيح كيفية استئناف الحملة الدبلوماسية بعد ذلك إذا أمكن. فمن ناحية الولايات المتحدة، تتراوح الأهداف والإنجازات المطلوبة بين تدمير الصواريخ وما بقي من المواقع النووية وبين إسقاط النظام. ولكن من ناحية إيران، هذه حرب أيديولوجية هدفها الحقيقي القضاء على “الجمهورية الإسلامية”. وحسب هذا الرأي، سيكون لاقتراح إيران أهمية بالغة تتجاوز كونه خطة عمل عملية لتحييد التهديد. فبالنسبة للقيادة الإيرانية، يفترض أن يكون بمثابة اختبار حاسم لإثبات نوايا الولايات المتحدة “الأيديولوجية” وإمكانية التوصل إلى الاتفاق مع “الشيطان”.
هآرتس 22/2/2026