استخدم المتظاهرون، في الاحتجاجات المستمرة منذ أكثر من أسبوعين في إيران، شعارات تجمع بين الاقتصادي، منها شعار وجّهوه للتجار والجمهور إلى تعزيز الإرادة الوطنية للتغيير عبر توسيع الإضرابات، وآخر يهدد بإسقاط المرشد العام للجمهورية علي خامنئي، ويصفه بالدكتاتور، كما أشار شعار آخر إلى رفض التدخّلات الإيرانية في الخارج.
رفعت بعض التظاهرات العلم الملكيّ السابق، وهو ما يمكن تفسيره كرغبة في الخلاص من تجربة الجمهورية الإسلامية، ولكنه يشكل أيضا إشارة إلى عدم وجود قيادة سياسية واضحة لهذه الاحتجاجات، وهو ما دفع رضا بهلوي، نجل شاه إيران الذي خلعته الثورة الشعبية عام 1979، والموجود في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى التصرّف كقائد مفترض لهذه الاحتجاجات.
أطلق بهلوي، أول أمس السبت، دعوة يطالب فيها الإيرانيين بالإضراب في القطاعات الرئيسية كالنفط والغاز والطاقة، وباحتلال الميادين الرئيسية في المدن والسيطرة عليها، وبعد انتقادات تلقّاها حول تعريضه المتظاهرين للخطر بهذه المطالب، أعاد بهلوي صياغة رسالته ليسأل الإيرانيين بالتوجه إلى الشوارع الرئيسية في مجموعات مع عائلاتهم وأصدقائهم وحذرهم من «سلوك الطرق الجانبية التي قد تعرض حياتكم للخطر»!
تثير هذه الوضعية المستجدة التي يسوّق فيها بهلوي لنفسه كقائد لثورة إيرانية جديدة مفارقات عديدة حين نقارنها بأيام والده الأخيرة في قصر نياوران حين اقتربت هتافات المتظاهرين وصار بإمكانه سماعهم يصرخون «الموت للشاه» ليفرّ بعدها هو وعائلته وترفض الدول استقباله إلى أن سمح لهم الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، بالدخول، ليموت بعدها بسنة واحدة، ليدفن في مسجد الرفاعي في القاهرة، مثل والده الشاه رضا الذي دُفن في المكان نفسه قبل أربعة عقود، بعد اضطرابات سياسية أدت إلى نفيه ووفاته في جنوب افريقيا، ثم نقل جثمانه إلى مصر عام 1944.
مفهوم أن الأسباب الداخلية للاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران، نابعة من أزمة بنيوية معقدة، ولكن جزءا مهما من هذه الأزمة عائد إلى انخراط سلطات طهران في مراكمة للنفوذ الإقليمي، مما أدخلها في صراع مع إسرائيل، التي تعتبر نفسها قاعدة للقوى الغربية في المنطقة، وبالتالي فقد زادت الضربات التي تلقّتها ضد مشروعها النووي والصاروخي، وخسائر حلفائها في سوريا ولبنان والعراق واليمن، في انكشاف داخليّ وخارجيّ.
كشف تقرير مشترك لصحيفتي «ذي ماركر» و«هآرتس» الإسرائيليتين نشر مؤخرا عن عملية إسرائيلية طويلة الأمد للتأثير على الإيرانيين لتنصيب رضا بهلوي شاها لإيران مجددا. قام بهلوي في مطلع عام 2023 بأول زيارة رسمية له إلى إسرائيل، وحظي حينها باستقبال وزيرة الاستخبارات آنذاك غيلا عمليئيل، كما حظي بتغطية إعلامية كررت رسالة رئيسية وهي أن لا عداء بين إسرائيل والإيرانيين بل بين الدولة العبرية والنظام الإسلامي في إيران.
من جهته، برّر بهلوي زيارته لإسرائيل بأن «العنصر الأساسي (في إسقاط النظام) هو أن أيا من هذه الحراكات لن ينجح من دون دعم دولي ما». طالب بهلوي، في المؤتمر الصحافي الذي عقده أن يتأكدوا من موقف الإيرانيين المساند لزيارته إلى إسرائيل بمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن التحقيق المذكور، كشف عن بدء حملة رقمية واسعة باللغة الفارسية تعمل من داخل إسرائيل، وممولة من جهة خاصة تتلقى دعما حكوميا تروّج لصورة بهلوي وتضخم الدعوات لإعادة الملكية، وتشجيع الإيرانيين على التظاهر، مستخدمة قضايا حقيقية مثل أزمة المياه والفساد وسوء إدارة البنية التحتية، مع استخدام حسابات مزيفة وأدوات ذكاء صُنعي لتوليد المحتوى وتضخيم أثر الرسائل.
يعزز هذا الرهان الإسرائيلي على بهلوي رواية النظام الإيراني الذي يقول إن إسرائيل تعمل على إعادة إيران إلى عهد الملكية، ويُؤثر سلبا، من جهة أخرى، على طبيعة الاحتجاجات، ومطالبها المحقة، كما يساهم في إضعاف إمكانية وصول السلطات إلى حلول وسط مع الجماهير، وتعزز الدافع العنفيّ بين الطرفين.