إيران: «دبلوماسية الجوار الاقتصادية» و«المقايضة التجارية» لمواجهة العقوبات النووية

محمد نون
حجم الخط
0

تفعيل آلية «الضغط على الزناد» في مجلس الأمن الدولي، أعاد طهران إلى اجتراح آليات تُجنبها الانهيار الاقتصادي، وتمنع بالتالي حصول اضطرابات اجتماعية قد تهدد البلاد من الداخل.

لندن ـ «القدس العربي»: ما زالت الأيدي الإسرائيلية والإيرانية قابضة على الزناد لكن من دون الضغط عليه بعد جولة الحرب الأولى التي استمرت 12 يوما في حزيران/يونيو 2025، لكن تفعيل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا لآلية «الضغط على زناد العقوبات» في مجلس الأمن الدولي، أعاد طهران إلى اجتراح آليات تُجنبها الانهيار الاقتصادي، وتمنع بالتالي حصول اضطرابات اجتماعية قد تهدد البلاد من الداخل بعدما تجاوزت «قطوع» الحرب الإسرائيلية التي قتلت جنرالات وعلماء نوويين وأناساً مدنيين، قبل أن تنضم إليها لاحقا القوات الجوية الأمريكية فضربت، المنشآت النووية بالقاذفات الاستراتيجية من نوع بي 2، بأمر من الرئيس دونالد ترامب.
والخميس الماضي حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي هجوم جديد على بلاده سيشكّل «فشلا جديدا»، وذلك بعد تصريحات لمدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمح فيها إلى احتمال اللجوء للقوة ضد إيران في حال تعثّرت الجهود الدبلوماسية بشأن برنامجها النووي.
وقال غروسي الأربعاء في مقابلة مع صحيفة «لو تان» السويسرية إنه «إذا فشلت الدبلوماسية، أخشى من استخدام جديد للقوة» ضد المواقع النووية الإيرانية.
وأضاف أن إيران «تملك ما يكفي من الوقود لصنع نحو عشر قنابل نووية، لكن لا دليل لدينا على أنها تسعى لامتلاك سلاح نووي».
ويأتي ذلك بعدما رفض الزعيم الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي عرضا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإجراء محادثات مرة أخرى، ونفى تصريحات لترامب أكد فيها أن الولايات المتحدة دمرت قدرات إيران النووية.
ونقلت وسائل إعلام رسمية عن خامنئي قوله «ترامب يقول إنه صانع صفقات، لكن إذا جاءت الصفقة مصحوبة بالإكراه ونتيجتها محددة مسبقا، فهي ليست صفقة وإنما فرض واستقواء».
وقال ترامب أمام الكنيست الإسرائيلي الأسبوع الماضي إنه سيكون من الرائع أن تتمكن واشنطن من التفاوض على «اتفاق سلام» مع طهران.
وبعد سقوط الاتفاق النووي لعام 2015 بشكل كامل في تشرين الأول/أكتوبر 2025، قفز إلى الواجهة مؤخراً مصطلح «دبلوماسية الجوار الاقتصادي» وهي من بنات أفكار وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي الذي يقول: «إن حجم التبادل التجاري بين إيران ودول الجوار يتجاوز إجمالي حجم التجارة بين إيران والدول الأوروبية، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للتعاون التجاري مع الدول المجاورة».
وأضاف الوزير، في كلمة له أمام مؤتمر أقيم الأربعاء الماضي في مدينة مشهد شرق إيران تحت عنوان الدبلوماسية الإقليمية «أن في هذه الدبلوماسية طاقات كبيرة من شأنها أن تعود بالنفع على البلاد بأسرها»، مؤكدا بأن «أولوية السياسة الخارجية الإيرانية تتركز على الجيران المباشرين، ثم على الدول المجاورة ذات المسافة الجغرافية الأبعد ضمن المحيط الإقليمي».
تأتي هذه الدبلوماسية وسط انسداد أفق التفاوض بين طهران وواشنطن، في ظل المطالبة الأمريكية بتفكيك برنامج إيران النووي ونزع سلاحها الصاروخي وخاصة الباليستي والفرط صوتي الذي أرسى معادلة عسكرية ظهرت تجلياتها في القصف الإيراني المكثف لأهداف حيوية داخل إسرائيل من دون تمكن منظومات الدفاع الأمريكي والإسرائيلي من اعتراضها خلال حرب حزيران/يونيو الماضي.

عقوبات ومخاطر ركود

وتسعى الحكومة الإيرانية إلى تجنب تبعات عودة كامل العقوبات السابقة عليها، فالاقتصاد يواجه خطر حدوث تضخم مفرط وركود عميق في آن واحد على الرغم من أن إيران تجنبت الانهيار الاقتصادي منذ عام 2018 عندما أعلن ترامب خلال ولايته الأولى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع ست قوى عالمية عام 2015 وكذلك إعادة فرض العقوبات الأمريكية.
وانتعش اقتصاد إيران عام 2020 لكن البنك الدولي توقع هذا الشهر انكماشا بنسبة 1.7 في المئة في هذا العام و2.8 في المئة في عام 2026، بانخفاض حاد عن توقعات للبنك في نيسان/ابريل بنمو الاقتصاد الإيراني 0.7 في المئة العام المقبل. وهبط سعر العملة الإيرانية إلى مستوى 111 ألف تومان للدولار الواحد، من 92 ألفا في آب/أغسطس، مما أدى إلى ارتفاع التضخم إلى 40 في المئة على الأقل وتراجع القوة الشرائية.
وتعتمد إيران بشكل كبير على صادرات النفط إلى الصين بسعر مخفض، وهو يبقى مصدرا حيويا للدخل بالنسبة لطهران، حيث شكل النفط والبتروكيماويات حوالي ربع الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024.
ولمواجهة تلك الضغوط تعتمد القيادة الإيرانية بشكل كبير على «اقتصاد المقاومة»، وهي استراتيجية للاكتفاء الذاتي وتعزيز التجارة مع الصين وروسيا وبعض دول الجوار.
وعن ذلك يقول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن هدف الأطراف الغربية من إعادة العقوبات عبر تفعيل «آلية الزناد» هو تقييد مبيعات النفط وتقليص حجم التجارة للإيرانيين، منوها إلى «ضرورة عدم الاعتماد على عائدات النفط» في مواجهة هذه التحديات.
وأعلن بزشكيان الثلاثاء الماضي خلال اجتماع مع أعضاء غرفة التجارة الإيرانية، أن «الحدود الإيرانية تمثل فرصة ذهبية، وعلينا توسيع التفاعلات الاقتصادية مع جيراننا»؛ مردفا أن «الحكومة تعتزم وضع حلول قائمة على توسيع التعاون مع الجيران، بما في ذلك باكستان وأفغانستان وتركيا والعراق، للخروج من المشاكل الاقتصادية التي تواجهها البلاد».
وللتغلب على ضغط العقوبات تعتمد إيران وسائل مرنة في تعاملاتها التجارية، ومنها على سبيل المثال التجارة بالمقايضة.
ويجري تفعيل هذه السياسة في عدة دول بما فيها باكستان، حيث وافقت وزارة المالية الباكستانية في 2 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، على مشروع القرار المقدم من وزارة التجارة الباكستانية لتعزيز اتفاقية تجارة المقايضة الثنائية مع إيران، وبعد أيام قليلة، وافق مجلس الوزراء الباكستاني، على قرار لجنة التنسيق الاقتصادي في هذا البلد. وأعلن سفير باكستان لدى طهران محمد مدثر تيبو، عن إصدار تعليمات حكومية جديدة في إسلام آباد بهدف توسيع تجارة المقايضة مع إيران.
وأضاف السفير: بعد عملية دراسة طويلة وشاملة، تمت معالجة وحل العديد من المخاوف التي أبداها المجتمع التجاري في كل من إيران وباكستان، معربا عن أمله في أن تساهم هذه التعليمات بشكل كبير في رفع مستوى وتنويع التبادل التجاري بين البلدين الجارين.
ومن أفغانستان المجاورة قال عضو مجلس إدارة غرفة التجارة والاستثمار في ولاية ننغرهار ورئيس شركة تنمية الصادرات الأفغانية مخلص أحمد: نحن مهتمون بتلبية احتياجاتنا في مجال الأغذية والآلات والمعدات من إيران وتوسيع التعاون الثنائي ونتطلع أيضا إلى التعاون التعليمي والتدريبي، ومشاركة القطاع الخاص الإيراني في التنمية الاقتصادية للمحافظات الأفغانية، وتطوير قطاع تربية الأسماك والترويج الزراعي وإنتاج التمور وبناء وتجهيز مراكز التبريد وتخزين المنتجات الزراعية والتعدين وعشرات المشاريع الأخرى من خلال الاستثمار الفردي والمشترك.

طريق إيران-أذربيجان-روسيا

وفي ظل العقوبات الغربية، عُقد في باكو اجتماع ثلاثي إيراني- أذربيجاني- روسي بشأن تنفيذ مشروع الممر الشمالي الجنوبي «رشت-آستارا»، وأوضحت وزيرة الطرق والتنمية الحضرية الإيرانية فرزانة صادق، أنه تم في أعقاب هذا الاجتماع، ضمان نقل 15 مليون طن من البضائع، والاتفاق على وضع خريطة طريق خلال الأشهر الثلاثة القادمة لضمان تدفق هذه الحمولات على مراحل.
وشدّدت على أن «دبلوماسية النقل والممرات تتشكل حاليا»، وتُبذل جهود لإكمال خط سكك حديدية «جابهار-زاهدان» بحلول نهاية العام الحالي.
وأضافت: «لاقى المشروع ترحيبا من جمهورية أذربيجان وروسيا والدول الأخرى، لما له من أهمية كبرى، إذ سيُكمل ربط ميناء جابهار بشبكة الممرات الداخلية، مما يعزز فعالية طرق الاتصال والنقل بشكل كبير».
كما تطرّقت صادق إلى مشروع سكك حديد أردبيل، وقالت: «نسعى جاهدين لإنهاء مشروع سكك حديد أردبيل–ميانة، الذي استمرّ عقدين من الزمن، وتشغيله بحلول نهاية هذا العام».
بالتزامن قال السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالي: إن 87 في المئة من حجم التجارة مع روسيا معفى من الرسوم الجمركية التجارية الثنائية، وأضاف بشأن زيادة التبادلات التجارية أنه في عام 2023 بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 650 مليون دولار، وارتفع هذا الرقم إلى 1.8 مليار دولار في العام الماضي ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 3 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2025.
وبشأن تطوير التبادلات التجارية مع العراق قال الرئيس بزشكيان، خلال استقباله الثلاثاء مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي، إن مشروع ربط شبكة النقل بالسكك الحديدية بين إيران والعراق، هو أحد أهم محاور التعاون بين البلدين؛ مضيفا: إن تسريع الحكومة العراقية وتيرة تنفيذ هذا المشروع، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية بين البلدين، سيوفر أرضية لتوسيع شبكة الاتصال ليشمل المزيد من دول المنطقة ويعزز العلاقات الاقتصادية فيما بينها.
بالتوازي وفي جديد التعاون مع سلطنة عُمان أعلن أمين المجلس الأعلى للمناطق الاقتصادية الحرة، رضا مسرور، عن بدء تشغيل خط الملاحة السياحي المباشر بين جابهار ومسقط ذهابا وإيابا.
وفي الدوحة حضر وزير النفط الايراني، محسن باك نجاد، الاجتماع الوزاري الـ27 لمنتدى الدول المصدرة للغاز، كما التقى مع رئيس الاجتماع، وزير النفط الليبي خليفة رجب عبد الصادق، ودعا إلى توسيع التعاون الفني والاستثمار المشترك في قطاعات الغاز والبتروكيماويات والبنية التحتية للطاقة، منوها باكتشاف احتياطات غاز جديدة في إيران.
وفي السعودية شارك وزير الطاقة الايراني عباس علي ابادي، في المؤتمر الخامس للوزراء المعنيين بشؤون المياه لدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وذلك بهدف تعزيز التعاون والشراكات بين الدول الأعضاء في مجال إدارة الموارد المائية، والاستثمار والابتكار، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي في إدارة مستدامة للمياه، بالإضافة إلى تطوير مشاريع استثمارية مشتركة لمواجهة التحديات العالمية ذات الصلة مثل ظاهرة الجفاف، وزيادة الطلب على المياه في الدول الإسلامية النامية.

مكافحة تمويل الإرهاب

وفي محاولة للوصول إلى النظام المصرفي العالمي وتسهل التجارة، أقرّت إيران قانونا للانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب، وأفادت وكالة «إرنا» بأن الرئيس مسعود بزشكيان، أصدر مرسوم الانضمام إلى الجهات المعنية بالتنفيذ وهي السلطة القضائية، ووزارات الداخلية والاستخبارات والعدل والخارجية والشؤون الاقتصادية والمالية والبنك المركزي.
وجاء الانضمام مصحوبا بشروط سيادية، حيث أوضح المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام دهنوي أن مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) كان قد وضع شرطا عند إقرار مشروع قانون الانضمام، وهو أن تعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأحكام هذه الاتفاقية وفقا لدستور البلاد. وأضاف أن مجمع تشخيص مصلحة النظام أضاف شرطا آخر، وهو أن «الجمهورية الإسلامية ستعمل بهذه الاتفاقية في إطار دستورها وقوانينها الداخلية».
ويشار أن القانون الإيراني يتعامل مع الحركات والأحزاب التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي على أنها حركات مقاومة وتحرر وطنية، وهو ما يتناقض مع التعريف الأمريكي لها بأنها إرهابية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية