تتسارع دقات الساعة الجيوسياسية في المنطقة، مع دخولنا الأسبوع الثاني من مارس 2026، حيث يبدو المشهد الإقليمي معلقاً على حافة هاوية لا تحتملها التوازنات الدولية لفترة طويلة. السؤال الجوهري حول قرب انتهاء الحرب، وإن تصعب الإجابة عليه في ظل الأحداث المتسارعة، لم يعد ترفاً تحليلياً، بل ضرورة يفرضها واقع «الاختناق الاقتصادي» العالمي، لاسيما بعد تولي مجتبى خامنئي المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية في إيران زمام القيادة، وما يترتب عليه من تداعيات على تقصير أمد الحرب أو إطالتها، فحسب تقرير مفصل لوكالة «بلومبرغ» الاقتصادية صدر 5/3/ 2026، إنّ أسواق الطاقة العالمية تعيش حالة من الذعر غير المسبوق، حيث لم تكتفِ أسعار النفط بالقفز فوق حاجز المئة دولار، بل إنّ التهديد بإغلاق دائم لمضيق هرمز، جعل سلاسل الإمداد العالمية في حالة شلل، ما دفع بصندوق النقد الدولي في تحذير صدر يوم 6/3 2026 إلى الإشارة أنّ «استمرار المواجهة لأسبوعين إضافيين سيعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق «التضخم الركودي»، الذي قد يطيح باستقرار حكومات كبرى، بما فيها الإدارة الأمريكية الحالية.
هذا المعطى الاقتصادي هو المحرك الأول للرئيس ترامب لوقف الحرب، حيث يجد نفسه اليوم بين مطرقة الرغبة في توجيه ضربة قاصمة للنظام الإيراني، وسندان الانهيار المالي لـ»وول ستريت»؛ لذا تشير تسريبات صحيفة «نيويورك تايمز» بتاريخ 7/3/ 2026، إلى أنّ ترامب بدأ بالفعل البحث عن «مخرج استراتيجي» يتضمن تصعيداً عسكرياً عنيفاً وخاطفاً، يهدف لإرغام طهران على توقيع «اتفاق إذعان» شامل – وهو ما بات صعبا مع وجود المرشد الأعلى مجتبى خامنئي – ينهي الطموح النووي والبرنامح الصاروخي، مقابل ضمانات ببقاء هيكل الدولة الإيرانية تحت قيادة جديدة يمكن التفاهم معها اقتصادياً، وإن بات ذلك أمرا مشكوكا فيه الآن. بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية الدولية هذه، يبرز تصدع داخلي عميق في الجبهة الإسرائيلية، لم يعد من الممكن تجاهله. فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في 6/3/ 2026، تشهد المدن الكبرى مثل تل أبيب وحيفا حالة من التذمر الشعبي المتصاعد، ضد انخراط حكومة نتنياهو في حرب إقليمية واسعة بعد عامين من الاستنزاف في قطاع غزة. وتؤكد صحيفة «هآرتس» في مقال تحليلي صدر في 7/3/ 2026، أنّ قطاعات واسعة في المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية بدأت تعبّر عن معارضتها العلنية لإطالة أمد المواجهة، محذرة من أنّ «قوة الردع الإسرائيلية» بدأت تتآكل بفعل الكثافة النارية للمسيّرات والصواريخ المنطلقة من إيران وجنوب لبنان، والتي تسببت في دمار هائل في البنية التحتية والمناطق الصناعية الحيوية. ويشير استطلاع للرأي نشرته القناة 12 الإسرائيلية في وقت متأخر من ليل 6/3/ 2026، إلى أن 62% من الإسرائيليين يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار، والذهاب نحو تسوية سياسية، خوفاً من تحول المدن الإسرائيلية إلى ركام بفعل حرب استنزاف لا يمتلك الاقتصاد الإسرائيلي المنهك أية مقومات للصمود أمامها، خاصة مع ارتفاع عجز الموازنة لمستويات تاريخية، وتوقف حركة السياحة والاستثمار تماماً. هذا الإنهاك الإسرائيلي يتلاقى مع «الارتباك» في أهداف الحرب الأمريكية التي لم تحظَ أصلاً بشرعية دولية، أو تفويض من الكونغرس. فحسب تقرير لشبكة «سي إن إن» العربية يوم 5/3/ 2026، يواجه البيت الأبيض معارضة شرسة من المشرّعين، الذين يرون في هذه الحرب مغامرة غير محسومة النتائج، وتفتقر لتفويض مجلس الأمن، ما يجعلها «حرباً بلا غطاء شرعي» في نظر القانون الدولي، بل غالبية المجتمع الدولي الذي يخشى من كارثة بيئية واقتصادية في منطقة الخليج. وتؤكد تسريبات من أروقة الأمم المتحدة في نيويورك، صدرت في 6/3/ 2026، أنّ هناك حراكاً تقوده قوى إقليمية ودولية (من ضمنها دول عربية كبرى) للضغط على واشنطن لقبول «هدنة إنسانية»، تتحول إلى إطار تفاوضي دائم، محذرين من أنّ انهيار الدولة في إيران، سيؤدي إلى موجات هجرة وتطرف لا يمكن السيطرة عليها، ما يتقاطع مع رغبة ترامب في إنهاء الحرب وعقد «صفقة القرن الإيرانية» التي تضمن الهيمنة على الموارد الطبيعية مقابل الاستقرار.
تداخل العوامل المتمثلة في الدمار الداخلي في إسرائيل، والرفض الشعبي الأمريكي، والذعر الاقتصادي العالمي، يشير إلى أننا بصدد الأسابيع الأخيرة من المواجهة المفتوحة
الواقع الميداني يشير إلى أنّ الحرب قد لا تطول، ليس رغبة في السلام، بل لأنّ «فاتورة الاستمرار فيها» أصبحت أغلى من «ثمن التسوية». إنّ التقديرات الاستخباراتية المسربة التي نشرتها وكالة «رويترز» في 6/3/ 2026، تشير إلى أنّ الجانب الإيراني، وبعد تلقيه ضربات موجعة في مراكز القيادة والتحكم، بدأ يرسل إشارات عبر وسيط أوروبي حول استعداده لمناقشة «خريطة طريق» جديدة تضمن «إذعان» إيران – حسب التسريبات – مقابل رفع الحصار الاقتصادي، وهو ما يمثل حبل النجاة الذي قد يلتقطه ترامب ليعلن انتصاره السياسي قبل أن تنهار الأسواق الأمريكية، ربما يكون مجتبى وراءها حتى قبل توليه الحكم.
تداخل العوامل المتمثلة في الدمار الداخلي في إسرائيل، والرفض الشعبي الأمريكي، والذعر الاقتصادي العالمي، يشير إلى أننا بصدد الأسابيع الأخيرة من المواجهة المفتوحة. إنّ الاتجاه العام كان يسير نحو فرض «اتفاق إذعان» تباركُه قوى دولية، حيث تتم هندسة قيادة إيرانية براغماتية، تدرك أنّ البقاء مرهون بالتعاون لا بالمواجهة، ما سيؤدي في النهاية إلى فتح أبواب الاستثمار في الموارد الإيرانية أمام الشركات العالمية، وهو المخرج الذي سيسوقه ترامب كأعظم صفقة في التاريخ الحديث، منهياً بذلك حقبة من الصراع الأيديولوجي لصالح حقبة «الهيمنة الاقتصادية» الباردة، ما سيترك أثراً عميقاً ومستداماً على الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية لسنوات طويلة قادمة، خاصة إذا ما أخذنا بالاعتبار جوهر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث تبرز فقرة «عقود الهيمنة» كأخطر مخرجات هذه المواجهة. إن ما يخطط له الرئيس ترامب، حسب تحليل «فورين بوليسي» في 5/3/ 2026، يتجاوز فكرة تغيير النظام إلى «الاستملاك الاستراتيجي». التسريبات تشير إلى مسودة اتفاق يسمى «ميثاق إعادة الإعمار والتنمية»، وهو في جوهره «اتفاق إذعان» يمنح الشركات الأمريكية والائتلافات الدولية حق الامتياز الحصري لاستخراج وتطوير حقول الغاز الإيرانية العملاقة (مثل حقل بارس الجنوبي) لعقود طويلة. هذه العقود لن تكتفي بالموارد الطبيعية، بل ستمتد لتشغيل الموانئ الإيرانية على بحر العرب وتحويلها إلى مناطق لوجستية تخدم التجارة الأمريكية، مقابل دعم الإدارة الأمريكية تشكيل قيادة «تكنوقراط» معتدلة تحل محل الحرس الثوري. هذا النموذج، الذي وصفه مراقبون في «معهد بروكنغز» 6/3 /2026 بـ»الاستعمار الرقمي والملاحي»، يهدف إلى جعل إيران «رئة اقتصادية» تابعة لواشنطن، مما يكسر الهيمنة الصينية على طريق الحرير في هذه النقطة الحيوية من العالم. هذا كان قبل مجتبى، لكن إيران ليست فنزويلا، إذ يبدو أنّ رياح ترامب تجري بما لا تشتهي سفنه، فوجود مرشد أعلى جديد، لا يرغب به، سيدفعه إلى التخلي عن إسقاط النظام وإبرام اتفاق إذعان، ويستبدله بفرض تنازلات عميقة تحفظ ماء وجهه بعد تصعيد عنيف موجع يتبعه وقف مفاجئ لإطلاق النار، لترتيب مخرج يسمح له بإعلان النصر رغما عن حليفه الإسرائيلي نتنياهو، الذي يرغب باستمرار الحرب لتحقيق هدفه في إسقاط النظام، والذي لا يعبأ بالتداعيات الاقتصادية الكارثية على العالم، وعلى الاقتصاد الإسرائيلي المنهك. إذ لم تعد الجبهة الداخلية الإسرائيلية قادرة على تحمل كلفة «النصر الباهظ» هذا، فوفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت»7/3/ 2026، تتصاعد حدة المعارضة لوقف «حرب الانتحار الاقتصادي» ما يرجح النية بوقفها قريبا. ولعل زيارة كوشنير وويتكوف إلى تل أبيب مصممة لهذا الغرض. يوضح تقرير «يديعوت أحرونوت» أنّ الدمار الذي ألحقته مسيرات «شاهد» المتطورة بالبنية التحتية الكهربائية في شمال ووسط إسرائيل أدى إلى خسائر قدرت بـ15 مليار دولار في الأسبوع الأول فقط، ما دفع كبار قادة قطاع التكنولوجيا (الهايتك) في إسرائيل لمطالبة نتنياهو بالتوقف فوراً، محذرين من هجرة جماعية للعقول ورؤوس الأموال. أمام هذه المعطيات المتشابكة، يبدو أن ترامب – أجازف بالقول- يتجه بسرعة نحو «الإغلاق القسري» لهذا الملف. المخرج لن يكون نصراً عسكرياً ساحقاً بالمعنى الكلاسيكي، تنهي الحرب خلال أيام، لكنه سيترك دمارا شاملا في إيران قد تحتاج إلى عقود للنهوض منه هي المكلومة اقتصاديا، ويتركها ضعيفة في مواجهة أزمة داخلية عميقة، قد يفكر في تأجيجها لاحقا، فضلا عن فرض تنازلات مؤلمة قد تضطر لتقديمها القيادة الجديدة في إيران. إنّ العالم اليوم يحبس أنفاسه بانتظار اللحظة التي سيعلن فيها ترامب وقف الحرب، ويعقد اتفاقا يترك «إيران الجديدة منهكة». إيران التي لا تصدّر الثورة، بل تصدّر الموارد تحت إشراف «المايسترو» الأمريكي، في مشهد سيعيد تعريف معنى السيادة في الشرق الأوسط، ويترك العواصم العربية، لاسيما دول الخليج، أمام تحدي الاندماج في هذا النظام الجديد، أو البقاء في دائرة التهميش، بينما تظل ترددات الانفجار الاقتصادي العالمي تذكّر الجميع بأنّ ثمن الحرب يدفعُه الفقراء في كل مكان، من ضواحي بيروت إلى شوارع نيويورك.
كاتبة فلسطينية