إيران أولاً

في الشهور الأولى من الحرب العراقية الإيرانية، كانت الإذاعة الإيرانية تنقل أقوال زعيم الثورة آية الله الخميني، منها واحد حفظته لمّا سمعته أول مرّة؛ في حال عدم توقف الجيش العراقي عن التقدم في الأراضي الإيرانية، وانسحابه إلى الحدود القديمة «فسوف لن تكون هناك بغداد».
أعود إلى هذه العبارة كلّما وقعت عيناي على المدينة التي توالت عليها النكبات، منذ ذلك التاريخ إلى هذه الساعة. اللافت للنظر أن عواصم أخرى غير بغداد طالها شبه الاندثار الذي حلّ، بينما راحت الحياة تزدهر وتتطوّر سنة بعد أخرى في أنحاء الجمهورية الإسلامية، ولن تستطيعَ تكوين صورة وافية عنها ما لم تقم بزيارة تلك البلاد.
لا أريد أن أمدح سلطة دولة كانت لها مع بلدي ـ مهما كانت الظروف والأسباب ـ حرب لثماني سنوات، وكان ما يرغب فيه قلبي نقل صورة غير إيجابية، عن نظامٍ أختلف مع ما يؤمن به سادته، وأتقاطع معهم في أكثر من أصل وفصل، لكن الرأي وديعة وعهد لدى الأديب، ولا يمكن في أيّ حال المداهنة ونقض العهد. في إيران اليوم عدالة اجتماعيّة نتيجتها أنه ليس ثمة فقير ذليل، وغنيّ سيّد مترف مسرف متسلط جبار. فهل هذا قليل؟ الوقود بأنواعه أرخص من الهواء والماء، والطحين وغيره من مواد العيش الأساسية أقلّ سعراً من التراب. كما أن الصحة مكفولة للجميع، والتعليم من الأول حتى الدراسات العليا مجانيّ، وحقّ السكن مؤمن في بيوت أو شقق حديثة البناء، وهذه بالطبع ليست شعارات وإنما واقع واضح لعيان الزائر الغريب. صحيح أن النظام شموليّ كما يصفه أهل السياسة، لكنه احتفظ من هذه الصفة بالاسم فقط؛ الكتب المعارضة لسلطة ولاية الفقيه مبذولة على الرصيف، والشباب يصدحون بآرائهم دون خوف، والشرطة هناك تقوم بحفظ النظام في الشارع، حالها حال شرطة تنظيم السير. لا توجد استعارة بلاغية هنا، لأن وزير الداخلية الحالي، جاء من مديرية ضبط مرور المركبات والسابلة في الشارع. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع السلع والبضائع من صنع إيرانيّ، من الشاحنة الثقيلة حتى إبرة الخياطة، وفي هذا جانب إيجابي وآخر سلبي، يتمثل في ابتعاد الساكنين في الجمهورية الإسلامية عما بلغته سبل المدنية والرفاهية في الخارج.
ومن سياسة الدولة في الداخل، حيث لا فقر ولا أمية ولا مريض من دون دواء، ولا سكن في عشوائيات أو في العراء، وكلّ هذا يُعطي السلطة الحاكمة قوة وزخماً يجبران المواطن العادي على أن ينتمي إليها ويدافع عنها في حالة الحرب. من هذا الشأن الداخلي الواضح للعيان، إلى سياسة الجمهورية الإسلامية في الخارج، الغامضة والملتبسة على جميع من التقيتُ بهم، بمن فيهم مسؤولون في النظام الحاكم، وأحدهم يعمل مستشاراً للرئيس بزشكيان، قال لي هناك خطوط حمر لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها من قبل أحد، وإن كان الرئيس الإيراني نفسه، فالقيادة الدينية وحدها مسؤولة وبيدها القرار الخارجي، وهذه تؤمن بشدة بغيبيات قوامها الدين الإسلامي عموماً، والمذهب الشيعي الاثنا عشري على وجه الخصوص.
الجميع ـ أقصد هنا في العراق ـ يتذكر جواب رفسنجاني لمّا عوتب على أن حكومته لا تفعل خيرًا في تدخلها في شؤون العراق، فهو بلد جار ومسلم وفيه أغلبية شيعية، ومع هذا فإن ما قامت به الجمهورية الإسلامية من أفعال عقب الغزو الأمريكي، انعكس بالسلب تماماً على قدرته في التطلع إلى النمو والازدهار. أقرّ رفسنجاني بحقيقة الأمر، وكان دفاعه كلمتين أعطيتُهُما عنوانَ المقال، وكان الرجل صريحاً في منتهى حدود الصراحة.
جرى هذا المشهد أمامي في حديقة عامة في طهران، وكان الوقت فجراً، والطير أول ما استيقظ من المخلوقات. راح طائرٌ يحلّق ويرقص في حلقات، ثم هبط سريعاً إلى مصطبة حديد، وارتطمت ساقاه بها، فصار لا يقوى على السير. ولكن من أين أتى القطّ؟ الكائنات كلها نائمة في تلك الساعة، فكيف عرف الوحش الصغير بأمر الطائر الذي كان يعاني ويقاسي من الألم؟ جرى بعد ذلك ما يماثل أفلام الصور المتحركة، لولا أني شهدته كاملاً وكان حقيقياً مئة بالمئة؛ راحت بقية الطيور في الحديقة تصرخ مجتمعة، وتأتي تسفّ مسرعة إلى مكان الطائر الساكن على الأرض. ارتعب القطّ مما يجري حوله، وابتعد عن فريسته. ثم أخذ الطائر يُلملم نفسه وينتبه، وعادت إليه قواه شيئاً فشيئاً، فاستوى قائماً على ساقيه.
يلخص هذا المشهد سياسة إيران الخارجية مع بلدان الجوار. إيران أولاً، ولا يهمّ أن تكون صورة التعامل مع البقية. سمّها ما شئت، مساعدة أو تدخّلاً أو محاولة هيمنة، ولا يبرأ من هذه الطريقة في التأمل والتفكير، مثلما بين القطة والطائر، أيّ من الحكومات التي سادت منذ زمن الأكاسرة إلى الآن. هل تحوّل هذا المبدأ إلى شفرة ارتحلت عبر الجينات لدى الحكام هناك؟ بالعكس، منح الإسلام وعقيدة ولاية الفقيه إمكانية وإجازة نقل هذه الشفرة إلى من بيده القرار في بلدان الجوار، والدول البعيدة أيضاً.
بخصوص الحرب الدائرة الآن، فربما هي الأولى في التاريخ تجري بين بلدين عن بُعد كثير، رغم أن هناك أمماً عديدة تفصل بين العدوين اللدودين، إسرائيل وإيران، لكنها ضعيفة إلى درجة أنها تُعدّ أرضاً بوراً بلقعاً، فلا يُحسب لها أي حساب. عندما تقدمت بريطانيا في الحرب العالمية الأولى باتجاه العراق، كانت تجري بينها وبين الجيوش العثمانية معارك طاحنة، وكانت العشائر تغير على الطرفين المتحاربين، تسلبهم وتنهبهم وتقتل منهم في الأثناء. ثم صار اتفاق بين الإنكليز والأتراك أن يحاربوا العشائر معاً، كي يقضوا عليها ومن ثَمَّ يتابعون القتال، وكان هذا ما جرى. معنى الكلام أن بلداننا لم تستطع أن تقوم حتى بدور القبائل التي كانت تُزعج الطرفين المتحاربين، وهي في الحقيقة تعلن عن رفضها المستعمرَ، وإن كان ذلك بطريقة بدائية.
الحيرة التي تواجهها الشعوب في المنطقة هي: أيّ من الدولتين ـ إيران أو إسرائيل ـ سوف تكسب الحرب. لو فازت إيران فإن قصة لبنان وسوريا تعود من جديد، وإن انتصرت إسرائيل فإن فلسطين تكون في خبر كان، مثلما يقولون، وبعدها سوريا وغير سوريا. تنتهي الحرب، طالت أم قصرت، دون رابح أو خاسر، يعود الطرفان بعدها إلى دأبهما القديم: إيران تحاول تطوير برنامجها النووي وتصدير الثورة، وإسرائيل ومن ورائها أمريكا وبلدان أوروبا المستعمِرة، تأمل في أن تكبحها بأي صورة وطريقة وسبيل. إنهما خصمان يتلاكمان في عدد مفتوح من الجولات، والنتيجة النهائية هي التعادل في النقاط، وتقسيم جائزة النزال بين الاثنين.
الكلمة الأخيرة في تاريخ الممالك المستقلة تقولها الطبقة المثقفة والمتعلمة والواعية. التقيتُ في أثناء زياراتي إلى إيران بمن يمثل هذه الطبقة، وهي الفئة ذاتها التي قامت بالثورة على نظام الشاه. خلاصة الرأي أن هؤلاء مترددون ومنقسمون بين الولاء التام للنظام الحاكم، لأنه أفضل بكثير من الفوضى التي تأتي بها الثورات والانقلابات وما شابه. الأمل الوحيد لديهم هو قيام حركة إصلاحية من داخل النظام الحاكم، فهم جرّبوا الثورة في السابق، وليس من المعقول والمقبول أن تمرّ بلادهم بكوارث وويلات مشابهة. من الجدير بالذكر أن هذا الأمل تشاركهم به شعوب عديدة تسكن المنطقة، منها عدوة ومنها صديقة للجمهورية الإسلامية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية