يجدر قول الأمور ببساطتها: نسير نحو كارثة أخرى في قطاع غزة. إذا لم يقرر ترامب التدخل فيما يحدث أثناء زيارته لدول الخليج الأسبوع القادم، فستوسع إسرائيل العملية العسكرية في القطاع بعد انتهاء الزيارة.
بالصورة التي تم تخطيط العملية لها، من المرجح الافتراض بأنها ستكون مقرونة باحتلال مناطق واسعة في القطاع، والاحتفاظ بمنطقة لفترة طويلة، وفقدان حياة مخطوفين وجنود، وتفاقم الكارثة الإنسانية في أوساط الفلسطينيين. في المقابل، مشكوك فيه إذا ما كان سيتم تحقيق هزيمة حقيقية لحماس.
عُقد الكابينت أول أمس، وصادق على خطة عرضها الجيش: توسيع العملية. بشكل استثنائي، بدا السياسيون متحمسين هذه المرة إلى إعطاء تفويض لرئيس الأركان أيال زامير. جهات سياسية (نقول من الآن، رئيس الحكومة نتنياهو) وأمنية رفيعة (أي وزير الدفاع يسرائيل كاتس)، أوضحت بأن الخطة الجديدة ستحقق هزيمة لحماس وستستخدم عليها ضغطاً كبيراً لتحرير جميع المخطوفين.
وزير المالية سموتريتش، الرجل الذي بات يوجه سياسة الحكومة، رغم أن حزبه -وفق الاستطلاعات- لا يتجاوز نسبة الحسم، قال صباح أمس في مؤتمر لصحيفة “بشيفع”: “منذ اللحظة التي تبدأ فيها العملية، لا يوجد انسحاب من المناطق التي نحتلها، ولن يكون ذلك ولو مقابل مخطوفين. نحن نحتل غزة لنبقى. لا يوجد من الآن فصاعداً دخول وخروج”. وأوضح أيضاً بأن جميع سكان القطاع سيتم إخلاؤهم جنوباً نحو محور “موراغ”، والقصد هو دفع مليوني إنسان إلى منطقة مساحتها أقل من ربع مساحة القطاع.
عندما التقى نتنياهو وكاتس مع زامير لتعيينه رئيساً للأركان، قال لهما إن الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى ثلاثة أشهر كي يعيد احتلال القطاع، وتسعة أشهر إضافية لتمشيط المنطقة بنجاعة. يفضل نتنياهو اقتباس الجزء الأول في الخطة فقط. منذ عاد لارتداء الزي العسكري، تعلم زامير عدة أمور أخرى، ربما استيقظ قليلاً. تناولت التسريبات التقليدية لجلسة الكابينت، أمس، المواجهات بين رئيس الأركان والوزير بن غفير والوزيرة أوريت ستروك. وقد نشر أن زامير لم يحب طلبهما زيادة المس بالمساعدات الإنسانية، التي تم وقفها قبل شهرين. هاجمهما زامير وقال “أنتما تعرضاننا جميعاً للخطر”، بل وحذر أن العودة لعملية واسعة ستعرض حياة المخطوفين للخطر.
تبدو مهمة أيضاً صورة علاقات القوة من وراء الكواليس. فلا شك أن أحزاب اليمين المتطرف تسعى إلى إعادة احتلال القطاع وفرض حكم عسكري إسرائيلي واستئناف الاستيطان والترانسفير. ونتنياهو يتماشى معها حفاظاً على الائتلاف. ولم يتجاوز ذلك إلا في صفقتي تحرير المخطوفين: في تشرين الثاني 2023 وكانون الثاني 2025 عندما تمت الصفقة الثانية بضغط كبير من ترامب. والحفاظ على القتال في جبهات كثيرة، يساعد رئيس الحكومة على الاحتفاظ بالائتلاف على قيد الحياة. هذا أهم عنده من حياة المخطوفين. وأضيف اعتبار آخر الآن، وهو أن مرحلة التحقيق المضاد في محاكمته ستبدأ قبل نهاية الشهر، ما يثير عدم رضا لديه. في هذه الاثناء، يبدو أن ترامب لا يسمح لنتنياهو بالمبادرة إلى هجوم ضد المنشآت النووية في إيران، ولن يستمر تبادل اللكمات مع الحوثيين في اليمن لفترة طويلة. بقيت غزة، وبدرجة أقل الاحتكاك مع النظام السوري الجديد بذريعة حماية أبناء الطائفة الدرزية هناك.
موقف وزير الدفاع لا أهمية له. أما رئيس الأركان والجنرالات، فيتولد لديهم انطباع بأنهم يصلون لحدوث معجزة، لكن ليس من نوع المعجزات التي يرحب بها سموتريتش وستروك. ربما تأتي معجزتهم من ترامب: تدخل خارجي يفرض على الطرفين صفقة تبادل، جزئية أو شاملة، ووقف حرب شاملة كثيرة الأضرار في القطاع، التي لا تاريخ نهاية لها في المدى المنظور. ولكن هذا ليس الخط الذي يعلن عنه زامير، سواء بشكل علني أو في نقاشات مغلقة. رئيس الأركان الجديد شخص يحترم الهيكلية والانضباط. وحسب رأيه، ستقول الحكومة والكابينت للجيش ما هو المتوقع منه، وأن دوره طرح الخطط العملياتية ومعناها.
باستثناء المتعصبين في “الصهيونية الدينية” و”قوة يهودية”، ثمة شك كبير إذا ما كان أحد من الموجودين في الغرفة أمس، يوهم نفسه فيما يتعلق بالنتائج المتوقعة من العملية الجديدة “مركبات جدعون”، التي أعلن عن اسمها بشكل احتفالي. لو وصلناهم بجهاز كشف الكذب، لاكتشفنا بأن معظم الضباط، وحتى معظم وزراء الليكود في الكابينت، لا يقدرون بأنها خطة ستنهي حماس وتهزمها. فكرة دفع السكان التي يسوقها سموتريتش بانفعال، هي تمهيد للترانسفير “الطوعي” (عملياً، طرد عنيف وقسري). هذه هي الخطة التي تسلى بها ترامب قبل ثلاثة أشهر في لقائه الأول مع نتنياهو. ومنذ ذلك الحين، كلاهما لا يذكرانها. يبدو الآن أن لديه وجع رأس يقلقه، بدءاً بحرب الجمارك مع الصين، وحتى إعلانه أمس عن نيته فرض ضريبة تبلغ 100 في المئة على الأفلام التي ليست من إنتاج أمريكي، “لإنقاذ هوليوود التي تحتضر”، حسب تعبيره.
حتى الآن، جرى تجنيد احتياط بحجم صغير، ولا معنى لادعاءات نشرت أمس حول امتثال كامل؛ لأنه لم يستدع حتى الآن إلا وحدات قليلة، ومعظمها بصورة مستعجلة. الألوية التي يتم تجنيدها تهدف إلى استبدال القوات النظامية على حدود لبنان وهضبة الجولان والضفة الغربية، لتوجيههم إلى القطاع. بقيت فترة زمنية أقل من أسبوعين إلى حين انتهاء زيارة ترامب. وإذا لم يتم التوصل إلى صفقة وتم تطبيق الخطة التي صادق عليها الكابينت فثمة حاجة لتجنيد واسع لعدة فرق في الاحتياط.
عملياً، ناقشت حكومة نتنياهو أوهاماً يصعب تحقيقها. خلال ذلك، قد تؤدي العملية العسكرية إلى موت المزيد من المخطوفين (ليس صدفة أن معظم العائلات تظهر درجة كبيرة من الخوف)، وتجبي حياة الكثير من الجنود. ولأن الجيش الإسرائيلي سيحاول تقليل الخسائر، فمن المتوقع تكثيف النيران، مع مس كبير ببنى تحتية مدنية، بقيت في القطاع. وإن دفع السكان إلى مناطق المعسكرات الإنسانية، إلى جانب نقص الغذاء والدواء، قد يجر المزيد من القتل الجماعي للمدنيين.
حتى لو كان في نية إسرائيل استئناف توفير المساعدات، فالخطة مليئة بالثقوب. مشكوك فيه إذا كانت إسرائيل تعرف كيفية ضمان تدفق الغذاء بانتظام لسكان كثيرين جداً معتمدة على قوتها الذاتية، وقد أعلنت المنظمات الدولية في السابق بأنها لن تشاركها في توزيع المساعدات (في المقابل، يرفض زامير وبحق تعريض حياة الجنود للخطر من أجل ذلك). وهكذا فإنه يتولد انطباع لدى الحكومة بأن الجيش يجد صعوبة في توفير بيانات عن الوضع الإنساني الحقيقي في القطاع.
في نهاية المطاف، ستضطر إسرائيل إلى المصادقة على إدخال المساعدات الإنسانية. ولكن إلى حينه، سيمر وقت وسيشتد القتال. وثمة احتمالية عالية بوجود وصفة للفشل، وتورط بعيد المدى، وفقدان ما تبقى من الشرعية الدولية لخطوات إسرائيل إزاء المس بالمدنيين. رغم صعود إدارة ترامب وإزاء معاداة المحاكم الدولية، فإن قادة وضباطاً إسرائيليين آخرين قد يواجهون إجراءات قانونية شخصية ضدهم. تحاول الحكومة الحصول على إنجاز سياسي مؤقت، وسندفع ثمنه بعملة استراتيجية.